صناعة الموت لعبة الحكومات المأزومة

في المدينة مايكفي لتموت سعيداً

صناعة الموت لعبة الحكومات المأزومة

حميد الحريزي

تشظي العنوان ، وتضاد الدلالة

الموت هذا المحتوم الذي  هز كيان كلكامش ، وارهب الإنسان العاقل منذ بداية الوجود ، فالكانسان هو الكائن الوحيد الذي يدرك ان الموت هو نهاية حياته مهما طالت ، بمعنى انه حدث مخيف مرهوب مفزع ، ولكننا نجد في مدينة ((ياسمينة )) مايكفي الإنسان  من الموت السعيد !!

فأية مدينة هذه التي لا توفر للإنسان الا مايكفيه من الموت السعيد ، ولا تحقق له طموحه في العيش الرغيد والسعيد ؟؟؟

جمالية السرد ، وتناسق

نسيج الحبكة :-

تميز السرد الروائي بجمالية ورشاقة المفردة ، ودقة الدلالة ، وامتلاء الكلمة بالمعنى ، مما أمتع القاريء وجسم له مواصفات وصفات الصورة ، والتعريف بالحدث… استطاعت الروائية ان تمسك بدراية وفطنة  ومهارة بخيوط السرد ، فجاء نسيج الرواية محكما، منسجم الألوان ، وعدم وجود خيوط سائبة ، مما يربك القارئ ، وقد يشعره بالتذمر لعدم قدرة النص على إكمال الصورة والإيفاء بالمعنى ، فجاء رداء الرواية ضمن مقاس مضمونها بالضبط ، فأعطى جسد الحكي المزيد من النظارة بعيدا  عن الترهل . ااهتمت الروائية بالمنلولوج الداخلي لشخصيات الرواية  وبالخصوص الرئيسية منها ، كذلك لم يكن اختيار أسماء الشخصيات  اعتباطيا  بل رامزا دالا .الرواية تنتمي الى جنس الرواية الواقعية الانتقادية  الجادة والواعية .رغم إنها منحازة الى الحرية أولا  والى العدالة  وأنصاف الفقراء والمقهورين ، مرسلة لصرخة مدوية ضد قوى القمع السلطوي  ، ونزاع أقنعة  السلطات  الإجرامية ، الا إنها لم تنجر الى اسلوب  الايدولوجيا المبتذلة ، بل كانت الأصوات جميعا تأخذ حيزها  في الحوار  والفعل  المضاد ، لم تفرض لونا واحدا  نقيا  على شخصياتها  بل جعلتها ضمن إطارها الإنساني الواقعي ، مما اكسبها المزيد من قوة الإقناع والإبداع …

البعد الفكري للرواية

أظهرت الروائية وعيا متقدما في كشف اباب انحراف الإنسان في بلدان  العنف العرقي والطائفي  وخصوصا في بلداننا العربية الإسلامية ، ليكون هذا الإنسان أداة السلطة  المأزومة  لإدامة وجودها ، وتأبيد استغلاله وقهره وحرمانه ، دون ان يتمكن من الانفكاك من  دوامة العنف والجريمة التي سحب إليها ، بفعل  مكر وتخطيط  وقهر رؤوس السلطة الإجرامية

ومن أهم أسباب هذا الواقع هي حالة الفقر المدقع حد الموت للأغلبية الساحقة ، إدامة حالة التجهيل والتضليل ، تكريس حالة التفكك الأسري، وهشاشة التضامن والتكافل الاجتماعي ، تكريس هيبة السلطة ورموزها  من شرطة وجيش وامن ومخابرات . قتل توجهات الشباب للفن ، والحب ، والعمل  وإلقائهم في جب البطالة واليأس ليكونوا صيدا سهلا لعصاباتها الإرهابية ، العمل بكل الوسائل  لقمع المنظمات اليسارية  والإسلامية التحويرية  وتصفية رموزها وناشطيها ضمن حملات الاغتيال المنظم ((سي منصور رئيس العمال))،((صحفية وأثنين من أشقائها)) ،((عملية فرار السجناء))..الخ  ، بالإضافة الى تخريبها من الداخل عبر دس  عناصرها ضمن صفوفها ، وإلصاق تهم الإرهاب والقتل  وجرائم السلطة ببعض إطرافها ، وافتعال المعارك  بين صفوفها ، الهاء الجماهير في معارك جانبية ، وتصنيع  عصابات القتل والترهيب والتهريب ،عبر تصنيع ((طناطل)) الموت ، و((سعالي)) الجريمة التي لاتقهر ، لنشر الخوف والرعب  بين المواطنين  ودفعهم للتخلي عن  كل توجه نقدي  لسلوكياتها وقهرها وفسادها ، متمسكين بردائها القذر  كمخلص من كابوس القتل  وعصابات  الموت ، مبررة لها  كل افعالها في خنق الحرية  وسرقة ثروة الشعب  بدعوى محاربة الإرهاب  ، بعد ان تحكم عصائب التضليل  على عيون المواطن  لكي لا يكشف  كون السلطة هي راعية ومصنعة  الإرهاب ، كما حدث في الجزائر  وحمامات الدم وقطع الرؤوس  المنسوبة للقوى الإسلامية ، وعصابة ((ابو طبر)) التي صنعها  صدام  في العراق  وغيرها الكثير …لايسع المقال لتشريح طبيعة هذه الحكومات  وسبب أزمة هيمنتها الطبقية المزمنة ، مما يلجئها الى مثل هذه الأساليب  الإجرامية   لتأبيد سلطتها .

((نجاة))  الأولى واحة الحب  والأمن  تسرقها السلطة  بالقوة  والعنف عبر ((الضابط))  الذي أصبح زوجها  وأولدها ((حياة ))، بالتعاون مع والد ((يلخضر))  الاناني والجاهل ، أما ((نجاة)) الثانية   ابنة  الأستاذ غير المرغوبة ، فقد كانت عرجاء ، مغلوب على أمرها ، اختطفها أيضا  ((المخبر السري))  الضالع في الإجرام ، لتلاقي حتفها  بعد أول ولادة ل((حسين )) الضابط الشاب  الذي يتربى في كنف  جده وجدته ، ويقع في حب ((حياة ))، ليكونا  نواة جيل جديد  يمكن ان يكون بارقة أمل من اجل حياة أفضل  رغم  ((حسين)) دلالة الحسن  والاستقامة  أصيب إصابة خطيرة  نتيجة محاولة اغتيال ،

وتناغم مستتر بين ((يلخضر)) الذي يحاول ان يفلت من دوامة العنف ، و حبيبته  أرملة السلطة ((نجاة )) الأولى ، في محاولة لترميم ما تم خرابه وتدميره ، هي اشارة أمل أرسلتها الروائية   من اجل حياة أفضل ،  ومدينة تغادر لعبة الموت  الى فضاء الحياة  والسعادة والحب والسلام  حينما يقترن ((حسين)) بـ((حياة ))…