صلاح زنكنة يضع النص بذهن القارئ
عطر إمرأة في قصة قصيرة
علي البدر
لم أنتبه لها حين جلست بمحاذاتي لأنني كنت منغمسا في قراءة كتاب الا أن عطرها النفاذ اخترق كياني رويدا رويدا وأذاب ركام الجليد الذي غمر روحي منذ سنين خلت … لم تكن محض امرأة بل قبيلة من نساء صهرت في امرأة واحدة بشعر أسود منسدل على الكتفين وكتفها لصق كتفي يحرض حواسي على التمرد والانفلات ، وبما انني رجل متوازن ووقور لم أعاشر امرأة سوى زوجتي لذا أرجأت القراءة وأطبقت الكتاب وعدلت من جلستي متنحنحا لأتحاشى تماسي بها فتظن بي الظنون ، بيد أن امتلاء جسدها كان يحول دون ذلك وهو يفترش جزءا من مقعدي ، جسد مكتنز يكاد يثب من الثوب الأسود ويحشرني في جحيم يستفز غرائزي حد الوله ، وحين حانت منها التفاتة جانبية لمحت وجهها الصبوح بعينين سوداوين واسعتين وسع العالم الذي ضاق بقلقي وجنوني وصبابتي وذلك العطر الانثوي الأخاذ يجتاحني ويتخلل مساماتي وكأنني في جنان من الورود والأزاهير والقداح وشذا الشبوي يملأ رئتيّ فأشعر بلذة وانتشاء لا حدود لهما لأستنشق المزيد من عبير وأريج حواء قدمت لتوها من الفردوس وحلت بجانبي لتوقظ المارد في أعماقي من غفوته وتغويه بقطف التفاحة .
وحاولت أن أختلق عذرا كأن اسألها سؤالا عابرا عن الوقت أو أحادثها عن الأنتظار والزحام او أبدي بطرقة مهذبة أعجابي وأفتناني بعطرها أو أمازحها بصدد ذلك المعتوه وأكسب ودها وأعطيها رقم هاتفي …… لكنها لملمت أذيال ثوبها حال وقوف الحافلة ونزلت بخفة ورشاقة وهي ترمقني بنظرة نجلاء وظل أبتسامة على شفتيها وكأنها تسخر من ضعفي وجبني حيالها .
لقد أحسست بالهزيمة والأندحار كقائد عسكري يخسر آخر معركة يخوضها وبقيت النهار كله حزينا أفكر بهذه المرأة العاتكة بعطرها الفواح حتى باغتتني زوجتي في نهاية الليل وهي تسألني بوجوم وغضب وأنكسار والدموع تغرق عينيها .
_ لِمَ خنتني ؟
صعقت لسؤالها الاستفزازي :
_ كيف أخونك وأنا لم أعرف امرأة سواك حتى اليوم !
قالت :
_ هذا اليوم أنت خنتني مع امرأة .
سألتها محتداً :
_ كيف استنتجت ذلك ؟
أجابت مؤكدة بثقة عمياء :
_ من خلال العطر الذي يغمرك .
علقت باستهزاء :
_ لكنني لم أستخدم أي عطر هذا اليوم .
قالت :
_ أعرف ذلك ، لكن عطرا أنثويا يفوح منك ، عطر امرأة ما .
حينذاك استدركت وقلت :
العرض التحليلي النقدي
جميل من القاص أن يضعنا في دائرة أفكاره ويجبرنا على أن نشم العطر معه، تلك الرائحة التي أذابت فترة سكون لانفعالات لم تكن كافية لصهر ركام الجليد فجاءت اللحظة التي ألزمته بأن يطبق الكتاب ويلم نفسه ليبدو شخصاً متوازناً أمامها، لكن اكتناز جسدها حتم على الكتفين أن يتلامسا والظاهر انها تجاهلت هذا التماس وكان من المفترض أن تزيح نفسها عنه ولو بحركة انية لكنها لم تبد أي رد فعل، مما أعطاه حدساً ربما أكيداً بانها مرتاحة لهذا الوضع المثير خاصة باستمرار امتلاء صدره بعطرها وربما اصيب بالتيه أو الدوار وكان بوده أن يتجاوز لحظات الخرس والتردد لكنه لم يستطع لعدم وجود ذلك الضغط اللاشعوري الذي يدفعه لسلوك قد يندم عليه لاحقا. أن استنشاق (المزيد من عبير وأريج حواء قدمت لتوها من الفردوس ) لم يحرك به ساكنا وأيضا جلوسها بجانبه وتحريكها الثورة المكبوتة في أعماقه و ايقاضها المارد الذي نام منذ سنيين لم يثمر عن تلبية هواجس الاثارة لديه لتتحول الى سلوك ولو بكلمة او سؤال وبدا وكأنه يغويه ويشجعه وعليه أن يوافق كما وافق ادم على أكل التفاحة. ومهما تكون الهواجس فأنها في النهاية رمز للشيطان الذي يغويه وهذا يعني انه يعرف ان ما يراوده عبارة عن نزوة عابرة قد يدفع ثمنها لاحقاً. وعندما نزلت ورمقته بنظرة لام نفسه لعدم الت معحدث معها حيث ضاعت فرصة تواصلهما مستقبلاً. ولكن الثمن على وشك أن يكون باهضا وهو اعتقاد زوجته بأنه خانها مع امرأة أخرى. ان هذه الصعقة بخرت بقايا النشعة التي حصل عليها وسرت في أوصاله. وفشله هذا لازمه حتى في بيته ، و(لقد أحسست بالهزيمة والأندحار كقائد عسكري يخسر آخر معركة يخوضها وبقيت النهار كله حزينا أفكر بهذه المرأة العاتكة بعطرها الفواح). ولكن يبقى السؤال: لماذا باغتته الزوجة في نهاية الليل اي فجراَ؟ والجواب لن يحتاج لأمعان في التفكير وانما لأن زوجته لم تتعود ان تعامله بالريبة والشك فهو حسن السيرة والسلوك أمامها ولأنها أرادت ان تتاكد من شكوكها وبالتأكيد وجدت العطر الذي فاح من جسده وملابسه، غريبا اضافة لقيامها بالتفتيش في جيوبه علها تعثر على رسالة أو رقم هاتف لتتأكد منه لاحقا، لكنها لم تجد أي دليل غير العطر فكبتت انفعالاتها وأصبحت أمام تحد صعب.. كيف تواجهه وهو ذلك الأنسان الموثوق به طيلة حياتها معه؟ فجاءته فجرا لأنها لم تنم تلك الليلة وكانت دموعها رمزا لحبها له.. (لم خنتني؟)، وقد ابتلعت كلمة ياحبيبي، لكنه أجابها بحدة محاولاً تقمص دور القائد المنتصر مستفسرا عن الدليل فاجابته بثقة وأصرار (من خلال العطر الذي يغمرك..) عطر انثوي (يفوح منك ، عطر امرأة ما.) وماذا بأمكانه أن يرد وهو البريء المتهم؟ وبالتأكيد جمع القائد المنهزم قواه ليرد بأنه ( مجرد عطر ، عطر امرأة ما ، عطر عابر فقط .)
لقد بدأت القصة بعفوية وانسيابية تلقائية تتخللها لحظات قلق وارتباك وتوجس عندما داهمته الأنفعالات المكبوتة في أعماقه وانتهت بعفوية أيضاً، فماذا عساه أن يقول وكيف يبرر عن ذنب لم يقترفه؟ وأجمل ما في القصة ذلك الوصف الرائع لتلك الأمرأة التي جعلته متهما:… ( لم تكن محض امرأة بل قبيلة من نساء صهرت في امرأة واحدة.). لقد نجح القاص صلاح زنكنة في اجبارنا على المواصلة من خلال ثيمة theme نسج خيوطها بعناية بحبكة بسيطة Simple main plot وجعلني أعيش ورغما عني بنفس السيناريو الذي رسمه . وها أنا أشعر بأن الكتاب بين يدي وليست يديه ومشكلتي أن العطر قد غمرني ودخل صدري وأراني أقول في أول الليل وليست في اخره.. انها قصة، مجرد قصة.. لكاتب مبدع اسمه صلاح زنكنه.. تحياتي اليك وأنا سعيد لوجودك بيننا..

























