صانع دمى من غزة يحوّل العلب المستعملة إلى ألعاب تروي قصص النازحين

دير‭ ‬البلح‭ (‬الاراضي‭ ‬الفلسطينية‭) (‬أ‭ ‬ف‭ ‬ب‭) -‬‮ ‬‭ ‬على‭ ‬طاولة‭ ‬عمل‭ ‬من‭ ‬الطوب‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬غزة‭ ‬الذي‭ ‬دمّرته‭ ‬الحرب،‭ ‬ينشغل‭ ‬صانع‭ ‬الدمى‭ ‬مهدي‭ ‬كريرة‭ ‬بتحويل‭ ‬عبوات‭ ‬معدنية‭ ‬مستعملة‭ ‬إلى‭ ‬ألعاب‭ ‬متحرّكة‭ ‬صغيرة‭.‬

ويُدرك‭ ‬كريرا‭ ‬الذي‭ ‬يدندن‭ ‬وهو‭ ‬يمارس‭ ‬عمله،‭ ‬أنّ‭ ‬الدمى‭ ‬المتحركة‭ ‬التي‭ ‬يصنّعها‭ ‬سترسم‭ ‬البسمة‭ ‬على‭ ‬وجوه‭ ‬أطفال‭ ‬نازحين بسبب‭ ‬حرب‭ ‬مستمرة‭ ‬منذ‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ستة‭ ‬أشهر‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬المحاصر‭. ‬ويقول‭ ‬وهو‭ ‬يتفقّد‭ ‬ألعاب‭ ‬متحركة‭ ‬صنّعها،‭ “‬هذه‭ ‬الدمى‭ ‬تجعل‭ ‬الأشياء‭ ‬من‭ ‬حولنا‭ ‬جميلة‭”. ‬قبل‭ ‬الحرب،‭ ‬كان‭ ‬لكريرة‭ ‬متجر‭ ‬كامل‭ ‬من‭ ‬الدمى‭ ‬الملوّنة،‭ ‬وغالباً‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يستعملها‭ ‬لتقديم‭ ‬عروض‭ ‬في‭ ‬المسارح‭. ‬أما‭ ‬راهناً،‭ ‬فباتت‭ ‬العروض‭ ‬التي‭ ‬يوفرها‭ ‬تُقام‭ ‬في‭ ‬مخيمات‭ ‬النازحين،‭ ‬بعدما‭ ‬أُجبر‭ ‬بسبب‭ ‬القصف‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬على‭ ‬الفرار‭ ‬من‭ ‬منزله‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬غزة‭ ‬إلى‭ ‬دير‭ ‬البلح‭ ‬في‭ ‬وسط‭ ‬القطاع‭. ‬على جدران‭ ‬مشغله،‭ ‬علّق‭ ‬كريرة‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الدمى‭ ‬تعلو‭ ‬أجسامها‭ ‬وجوه‭ ‬تعبيرية‭ ‬منحوتة‭ ‬على‭ ‬الخشب‭ ‬أو‭ ‬العبوات‭ ‬المعدنية،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬أنّ‭ ‬أطرافها‭ ‬مربوطة‭ ‬بخيوط‭ ‬يستخدمها‮ ‬‭ ‬لجعلها‭ ‬تمشي‭ ‬أو‭ ‬لتحرّك‭ ‬أفواهها‭. ‬وبما‭ ‬أنّ‭ ‬غزة‭ ‬محاصرة،‭ ‬يصعب‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬مواد‭ ‬خام‭ ‬جديدة،‭ ‬لذا‭ ‬يكتفي‭ ‬بالمخلّفات‭ ‬وشباك‭ ‬الصيد‭ ‬وعلب‭ ‬السردين‭ ‬القديمة‭ ‬المختومة‭ ‬بشعار‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة،‭ ‬فيطليها‭ ‬بالألوان‭ ‬لاستخدامها‭ ‬في‭ ‬دماه‭.‬

ويقول كريرة‭ ‬لوكالة‭ ‬فرانس‭ ‬برس‭ “‬للأسف،‭ ‬خسرت‭ ‬بعد‭ ‬النزوح‭ ‬الدمى‭ ‬وعملي‭ ‬في‭ ‬المسارح‭. ‬تركت‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬غزة‭”. ‬ويتابع‭ “‬لم‭ ‬أجد‭ ‬مواد‭ ‬خام‭ ‬لأصنّع‭ ‬الدمى،‭ ‬ونحن‭ ‬محاطون‭ ‬فقط‭ ‬بعلب‭ ‬معدنية‭ ‬بمختلف‭ ‬الأشكال‭ ‬والأحجام‭”. ‬ويضيف‭ “‬استخدام‭ ‬هذه‭ ‬المواد‭ ‬المستعملة‭ ‬يحمل‭ ‬فوائد‭ ‬بيئية‭”‬،‭ ‬مشيراً‭ ‬إلى‭ ‬أنّ‭ ‬الدمى‭ ‬التي‭ ‬يبتكرها‭ “‬تروي‭ ‬قصص‭ ‬النازحين‭ ‬والأطفال‭”.‬

ضرورة‭ ‬الاستمرار‭ ‬والصمود‭ ‬

وتشير‭ ‬منظمة‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬للطفولة‭ “‬يونيسف‭” ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬غزة‭ ‬تسببت‭ ‬بنزوح‭ ‬نحو‭ ‬850‭ ‬ألف‭ ‬طفل‭ ‬في‭ ‬غزة‭. ‬ويلجأ‭ ‬عدد‭ ‬كبير‭ ‬منهم‭ ‬إلى‭ ‬مخيمات‭ ‬حول‭ ‬دير‭ ‬البلح‭.‬

وفي‭ ‬إشارة‭ ‬إلى‭ ‬الحملة‭ ‬الجوية‭ ‬والبرية‭ ‬التي‭ ‬تنفذّها‭ ‬إسرائيل في‭ ‬قطاع‮ ‬غزة،‭ ‬يقول‭ ‬كريرة‭ ‬وهو‭ ‬يجلس‭ ‬بجانب‭ ‬كمّاشته‭ ‬ورأس‭ ‬دمية‭ ‬مطلي،‭ “‬أحاول‭ ‬تقديم‭ ‬عروض‭ ‬لإدخال‭ ‬البهجة‭ ‬إلى‭ ‬قلوب‭ ‬الأطفال‭ ‬في‭ ‬مخيمات‭ ‬النزوح‭”‬،‭ ‬مضيفاً‭ “‬المهمّ‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬نبقى‭ ‬متجذّرين‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الأرض‭ ‬رغم‭ ‬العدوان‭”.‬

ويتمسّك بالاستمرار‭ ‬في‭ ‬مهنته‭ ‬رغم‭ ‬‮ ‬احتدام‭ ‬المعارك‭ ‬من‭ ‬حوله‭. ‬ويقول‭ “‬المهم‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬تبقى‭ ‬وفياً‭ ‬لعملك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ابتكار‭ ‬فنك‭”‬،‭ ‬مضيفاً‭ “‬لكل‭ ‬منّا‭ ‬عمله‭ ‬ومواهبه‭ ‬وفنّه،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يتيح مواصلة‭ ‬نشاطنا‭ ‬رغم‭ ‬الحرب‭”.‬

واندلعت‭ ‬الحرب‭ ‬بعد‭ ‬هجوم‭ ‬غير‭ ‬مسبوق‭ ‬شنّته حركة‭ ‬حماس‭ ‬على‭ ‬إسرائيل‭ ‬في‭ ‬السابع‭ ‬من‭ ‬تشرين‭ ‬الأول‭/‬أكتوبر وأدّى‭ ‬إلى‭ ‬مقتل‭ ‬1170‭ ‬شخصا،‭ ‬معظمهم‭ ‬مدنيّون،‭ ‬بحسب‭ ‬تعداد‭ ‬لوكالة‭ ‬فرانس‭ ‬برس‭ ‬يستند‭ ‬إلى‭ ‬بيانات‭ ‬إسرائيلية‭ ‬رسمية‭.‬‮ ‬‭ ‬وأدّى الردّ‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬المدمّر على‭ ‬غزّة‭ ‬إلى‭ ‬مقتل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬34450‭ ‬شخصا،‭ ‬معظمهم‭ ‬مدنيون،‭ ‬حسب وزارة‭ ‬الصحة‭ ‬التابعة‭ ‬لحماس‭.‬

وتسببت‭ ‬الحرب‭ ‬أيضاً‭ ‬بدمار‭ ‬التراث‭ ‬الثقافي‭ ‬لغزة‭ ‬من‭ ‬مراكز‭ ‬فنون‭ ‬ومتاحف‭ ‬ومبان‭ ‬تاريخية‭.‬