شرق الأحزان في قراءة أخرى
مهدي حسين جاسم
بداية لابد لنا من الاشادة بالناقد والروائي عباس لطيف الذي أضاف لنا رواية توثيقية مهمة وأرخ لنا صوراًومعان لامكنة مدافة بالحزن غير انها تنبض بسحر خاص ونكهة فريدة لشريحة اجتماعية ننتظر منها الكثير ونستشرف أفاق المستقبل فيها استطاع عباس لطيف ان يضعنا في بداية السطور الاولى لروايته وسط خيوط شبكة من الاحزان بعد أن انهى تصويره الدقيق لافكار ومواقف بطلنا المستقبلي (كامل ) ورحلته التي ابتدأت من دار صغيرة لمدينة كبيرة باوجاعها المزمنة والذي كنت افضل انا شخصيا أ ن ياتي هذا التصوير لاحقا وان تبدا الرواية حيث وجدنا (كامل ) في الصيف بملابسه الرثة والتي تعكس المستوى الطبقي والمعيشي للعائلة التي ينتمي اليها بطلنا .
فروايته الموسومة – شرق الاحزان – هي تاريخ مدينة مفجوعة ولها حركة غريبة لحيواتها وكما يقول الكاتب عنها في صفحتها الاولى (ايقاع غرائبي قلما يتكرر) هو فعلا واقع هذه المدينة التي نمت من الفقر والاحزان وتواصلت معها هذه الثنائية في كل مفاصلها وبدت واضحة وجلية في واقعها الاقتصادي والاجتماعي ورغم الصبغة الثقافية لابطالها بتضحياتهم وانتما اَتهم السياسية اليسارية في الستينيات والسبعينيات والتاثر الواضح بحركات دينية في الثمانينيات علها تكون هي البلسم الشافي لمجتمع مسحوق ،ارتاى الكاتب ان يكون الجميع قد فشل في ايجاد الحلول الكفيلة لتغيير الواقع .
وشخصيات الرواية ليس امامها سوى الخسارات المتلاحقة ،فاذا ثمة سؤال مطروح هل هذا مااراده الكاتب لمدينته وهو تصوير واقعها المؤلم والمتردي في ظل نظام شعاره الموت لكل من يتصدى له ام ان هناك عملية (عرض ) لاوجاع وطن اوجزها الكاتب وحصرها في مساحة جغرافية تقع في شرق العاصمة .
فعائلة الشرطي (توفيق )كانت هي محور الرواية وقد فشل جميع افرادها في تحقيق مايصبون اليه ، حتى ان الامل المتمثل بالشاب (ياسر) والذي ربما كان هو الشخصية التي يستطيع من خلالها الكاتب رسم مسار جديد مضاد ومقاوم لوضع سياسي فاشي وفاسد ، عاد الكاتب مرة اخرى ليتخلى عن هذه الفكرة وكانه يحث شخوص روايته على عدم المواجهة ودفعهم باتجاه اخر .
فرب العائلة (توفيق ) سلم ان يكون شرطيا مقاتلا مع ماصرح به من انه تطوع في هذا المسلك كي يكون شرطيا في محكمة او دائرة حكومية او وزارة وليس شرطيا مقاتلا لكنه مارس هذا الدور وارتحل بعائلته من كركوك الى العمادية وسنجار واضعا الراتب في الكفة الافضل على الهزيمة النفسية وهذا مااكده (كامل ) الصفحة (114)(من يضع الخوذة على راسه وهو غير مقتنع فانه مهزوم مسبقا ) لينتهي به المطاف شرطيا متقاعدا تعبا .
والاخ الاكبر في العائلة (محسن ) فرضت عليه الظروف ان يرتبط مصيره بالزعيم (عبد الكريم قاسم )في ساعة مقتله من قبل الانقلابيين ليدفع هو ثمن ذلك سبع سنين في السجن ومع ان الكاتب قد قدمه لنا كيساري منتمي وعند ذلك لابد من ان يكون له موقف من قضيته في حين قرر هو الهروب باتجاه الجنوب بعيدا عن معترك السياسة ، لا بل تحول الى رجل يهتم بمشكلة العشيرة وتقاليدها وكأن الكاتب يخبرنا عن نكوص من نوع خاص . واذا ماتحدثنا عن الاخ الاوسط (حامد ) وهو الشخصية المثقفة الرافضة للواقع والمتطلعة الى واقع يلبي حاجات مجتمعه اذ زرع بذور المعرفة وحب الفلسفة والفكر في ذهن اخيه الاصغر (كامل ). اكتفى بالتطوع في الجيش وانتهى به الامر كعسكري مفقود الم يكن الجيش اداة بيد السلطة ؟اين ماتعلمه من معرفة وفلسفة .
وان اتينا الى بطل روايتنا ان سلمنا بذلك وهو الاخ الاصغر (كامل ) الذي كان هو نقطة ارتكاز النص اكتفى ان يكون متفرجا على الاحداث التي تجري من حوله دون ان يكون له اي دور في تغيير اتجاهاتها.
ومثلما انتظرنا كقراء ونقاد ان يكون خروج (محسن ) من السجن هو بداية لحدث مهم جدا في تطور مسار الرواية قادنا عباس لطيف باتجاه اًخر جديد من الممكن ان نطلق عليه ان جاز لنا ذلك (رواية داخل الرواية الاصلية ) فلو تتبعنا بدقة مسار حياة (كامل ) بصورة فردية لخلصنا الى رواية جديدة تستحق الكتابة ، وعندما شارفنا على نهاية الرواية كان الجميع بحاجة الى حدث غاية في الاهمية وليس لهاث الشخصية الرئيسية في النص لمحاولة ايجاد وساطة لغرض النقل من جبهة القتال الى مكان اًخر في حين نحن بحاجة الى موقف معادل لقضية مدينة او وطن باسره.
في الختام اود ان انوه الى بعض الملاحظات التي لن اأتي على ذكرها والتي من الممكن ان يكشفها القاريء و لاتنقص على الاطلاق من شأن العمل الكبير الذي قام به عباس لطيف بتقديمه لنا هذه الرواية المميزة























