شاعرات يقدمن قصائد مفعمة بالعواطف الوطنية.. صورة تشكيلية توثّق نبضات الشعب
نجاح هادي كبة
تعد العواطف أحد أركان الشعر بالإضافة إلى الخيال والمضمون والنسيج اللفظي وتظهر العواطف الأنثوية الوطنية في إبداع الشاعرة العراقية بمساقات إسلوبية مختلفة فهي حادة أحياناً توجع الطامعين أو هادئة تنساب كالماء الرقراق ولاسيما حين تجعل التاريخ هوية لوحدة الوطن ، وتعكس العواطف الأنثوية تماهي المرأة الشاعرة مع حب الوطن (العراق) وإحساسها العميق بالسراء والضراء اللذين يوحدان هوية الوطن ، ففي قصيدة ابتسام إبراهيم (أرض السواد) توظف الشاعرة هذا العنوان بأسلوب التورية لتجعل منه معنى قريبا فالعراق أرض السواد لكثرة نخيله وأشجاره وكثافتهما ومعنى اخر بعيدا وهو أرض السواد لكثرة ما أشاع فيه الطامعون من الخراب حتى عاد أسود ، تقول ساخرة
أيها البانون في عمق الحضارة
سراديب الجوع … والإملاق
ماذا تبتغون …؟؟؟
……………………..
لتتشح جدران وطني بثوب الحداد
وتصبح من جديد … (أرضا للسواد)
(إبراهيم ، 2014م ، ص(62
أما الشاعرة خديجة السعدي فترى في العمق التاريخي هوية العراق الحديث، هذا التاريخ يعكس قلبا نابضا بالدفء والحب والجمال والفكر ، تقول :
في كارنا رسوم مُبهرةٌ ، وجمال ينبض على الجدران
وعلى سعف نخيل البيوت
ترتعش أزمنة الماضي
وأحلام الشعراء
بابل ، أور ، آشور ، نينوى ، ماري ، كركميس
مدن من ألق ونور
بددت جنح الظلام
(السعدي ، 2014م ، ص(128
واذا كانت الشاعرة غرام الربيعي متشائمة حد الثمالة عما آل إليه حال وطنها العراق حين تساقط شهداؤه كانفراط عنقود العنب فان الشاعرة علياء المالكي تفترش الحزن سريرا وتلتمس من وطنها أن يخرج من الظلمات إلى النور، تقول الشاعرة غرام الربيعي في قصيدة ومضة بعنوان (حكايات وطن):
كم زاد عدد الأكرمُ منا جميعا ؟
والحرب لم تبق غيرنا
ثلة الحاضرين
(الربيعي ، 2013م ، ص(9
في حين تتوحد الشاعرة علياء المالكي صوفيا مع حبيبها في حب الوطن كما تذكرنا بحب آراغون لإلزا تقول :
مثل الطير ، توارى …
خلف الغيمة تيهاً …
يبحث عن وطن وملاذات
يبحث تحت ضلوعي عن خفقات
يبحث عن وطن
لا يقتنص الأحلام ولا يفترس الأنفاس
وطنا ورديا
من …حلم … قزحي الأقواس
(المالكي ، 2012م ، ص(39 وتؤكد الشاعرة عهود عبد الواحد نبرة التشاؤم عما أصاب وطنها (العراق) من خراب ، ففي قصيدتها (مراثٍ لاربعاءاتنا القادمة) توظف ألفاظاً وعبارات تدل على حدّة عواطفها الحزينة تجاه وطنها (العراق) مثل : الظلام ، عبثاً ، المجهول، الحروب الخاسرة ، تقول :
أحاول ردم الظلام
وعبثا أحاول
جمع ما مزقته مخالب المجهول
وحمى السؤال
عبثا ، هيامي
بإصلاح ما أفسدته ريحك الحمراء
عبثا
أقرأ مسلاتك التي مزقتها الحروب الخاسرة
(عبد الواحد ، 2014 ص(32
قد عكست الشاعرة عهود عبد الواحد الصوت الأنثوي الذي يحمل صخرة زيزيف إذ سرعان ما تكرر كلمة (عبثا) لتوحي بالخسارة .
وترجع الشاعرة سناء حمود الأعرجي لترى في حب وطنها الملاذ من تباريح حبها وأشواك العلاقة بالحبيب لأنها ترى الشوك وردا في الوطن وهو أي الوطن أنيس وحدتها ، تقول في قصيدة (أنت …. أنا وهويتي) لتؤكد عواطفها بهويتها الوطنية :
فهل كان ذنبي … أني هويت
كأعمى تخبط في ظلمة ؟
وجدت الغدر في محبتي
أرى الوطن … في غربتي
أرى الشوك وردا به
وأنسي آراه في وحشتي
(الأعرجي ، 2011م ، ص55 )
لكن الشاعرة منى السبع التقطت حدثا جللا يوغل في القلب ويدميه فهي ترى حب وطنها من طريق شهدائه ، لاسيما ما حدث في سبايكر التي لا تقل مأساة عما حدث من ترويع ومجازر في هيروشيما ، حلبجة ، المقابر الجماعية و …. و … وسبايكر ، تقول في قصيدة بعنوان (سبايكر):
وحتى السماء أشاحت بوجهها
وهي تولول
هي ذي أفعال مسوخ تبدو كأنها بشر
إبادة الهنود الحمر
مذبحة الأرمن
هيروشيما
حلبجة
المقابر الجماعية
و … و … و
سبايكر
(السبع ، 2015 م ، ص(23- 22
والشاعرة تلبس وشاح التشاؤم والكأبة حين ترى ألاّ سدادة لمجرى الدماء مادام الرهان قائما على إعدام الذاكرة ، تقول :
حتما لن تكوني
سدادة لمجرى الدماء
مادام الرهان قائما على
إعدام الذاكرة
بمقصلة التاريخ
(السبع ، 2015م ، ص(23
وتوظف الشاعرة سلامة الصالحي في قصيدة (شهادة) الروح الديني لدرء الخيانة عن الوطن فالفارس الذي ضحى في سبيل وطنه كيف تنام المدينة عنه ورأسه بين ضفتي الله ، تقول :
هذا الوطن الذي تعشقين
وهذا الفارس الذي
في كل لحظة تحتشد برأسك له الأدعية
وكل هذا الخراب
وهذه الأمنيات
فكيف تنام المدينة
ورأسه بين ضفتي الله
مدجج بالحراب وموبوء بالخيانة (الصالحي ، 2015م ، ص(96
والشاعرة رنا جعفر ياسين ترفع صوتها ألا تكون للوطن هوية مثقوبة فهي وان وظفت قصيدة الومضة إلا أن قصيدتها دالة من خلال اللمح والتكثيف على ضرورة الوحدة الوطنية فان انفراطها بالتأكيد ضياع للهوية ، تقول في قصيدة عند الحجر (2) :
لي وطن
لا يشبه كل الأوطان
تحمله الريح كجوّال أحمق
نسي في محطته الأخيرة هوية مثقوبة
(ياسين ، 2004م ، ص51)
الشاعرة رنا جعفر ياسين تدرك أهمية الهوية الوطنية فهي تركز الانتماء للوطن لأن الهوية هي الشعور بأن المرء هو نفسه ، كما يقول إيركسون ، فالهوية هي الشعور بالذات وهي جوهر حقيقة الشخصية ومن دون الهوية الوطنية لا يمكن أن يشعر الإنسان بهويته وشخصيته بل ان الإنسان يتحوّل من دون الهوية إلى ذات مكبوتة سرعان ما تنفجر .
أما الشاعرة زينب خالد في قصيدة (الشعب استنكره عنوانه) فهي تدعو إلى أن يكون وطنها (العراق) فارسا يعانق الميدان ليكون مبهرا ولا يستطيع الظالم أو الطامع أن ينفذ إلى وحدته ويمزق هويته ، تقول :
يا وطني
حدّق بالمقل
وتلذذ بتلك القبل
كن فارسا يعانق الميدان
والميدان بين راحتيك يتمثل
كن طائشا كن مبهرا
فلا يترقب الظالم بصيص أمل
(خالد ، 2010م ، ص(119
أما لميعة عباس عمارة فلا فرق في حبها بين الوطن وشفافية الطفولة فهما يتماهيان تقول في قصيدة (تحياتي إلى البصرة) :
حبيبي موطني طفلي
رضيت على الأذى عذره
أتغضب وجنتاه إذا
خصصت بقبلتي (ثغره) ؟
(عمارة ، 1972م ، ص52 )
إلاّ أن الشاعرة حسينة عباس بنيان تطلب من وطنها أن يغفر لها حزنها حين تزاحمت الأشواك عليه ، تقول في قصيدة (عراقي (1 –
اني جاهرت بحبك يا وطني
اغفر لي حزني يوم تزاحمت الأشواك على صدرك
فحملت جراحك في صدري
ولمحت خيول الله تمدّ لك الأعناق
يا ضوء مدارات الآفاق
(المرزوك ، ج1 2012م ، ص(307
إنّ استعمال الشاعرة لفعل الطلب (اغفر) يدل دلالة واضحة على أنها تقدس وطنها لان حب الوطن من الإيمان ولأنّ وطنها العراق – كما تقول – ضوء مدارات الآفاق ، في حين تناجيه بـ (ياء) النداء لتوكيد صوتها فالنداء أداة لاستدعاء الآخر وهي تستعمل أسلوب التصغير والتكبير للصورة الشعرية وقد أوضحت لنا – كما يقول – باشلار- ان الكبير لا يتعـــــــارض مع الصغير فقد حملت الشاعرة في صدرها جروح الوطن يوم تزاحمت الأشواك على صدره.
وأسهمت الشاعرة العراقية حين شاركت بصوتها صوت الشعب العراقي الثائر ضد الظلم والجور والمعاهدات مع الأجنبي على مصلحة الشعب العراقي ، قالت أم نزار الملائكة محيية الجماهير العراقية في معركة الجسر الدامية التي خاضتها بغداد العام 1948م ضد معاهدة بورتسمورث وأدت إلى إسقاط الوزارة آنذاك :
ارقصي في العاصف الأهوج في الليل الرهيب
ارقصي في البرك الحمر على لحن اللهيب
أرقصي لا تهدئي بغداد في العهد الخضيب
صاولي الظلم وصولي بين نيران الخطوب
لا تبالي باللظى بالبطش بالهول العجيب
(آل طعمة ، 1995م ، ص(17
لاحظ كيف وظفت الشاعرة أساليب الطلب كأفعال الطلب إذ كررت الشاعرة فعل الطلب (ارقصي) ثلاث مرات في هذا المقطع الشعري بالإضافة إلى توظيفها أسلوب الطلب بالفعل المضارع المقترن بـ (لا) الناهية الجازمة كما في قولها : لا تهدئي ، لا تبالي ، ولاحظ الاسترخاء بالقافية من طريق مدّ الصوت في كلمات : الرهيب ، اللهيب ، الخضيب ، العجيب ، الخطوب لتكشف الشاعرة عن شعورها ولا شعورها الوطني حين تتفاوت عواطفها الوطنية بين الحدة والاسترخاء كانعكاس لحدة ألمها لكن الشاعرة راوية الشاعر تسلّط ريشتها فترسم صورة تشكيلية للوطن إذ ترى وطنها (العراق) يعج بالتناقض وليس هناك من يجيره ، تقول في قصيدة (وطن الدمى) :
كيف يكون السارق راعيا
وأغنامك الفتية عمياء
كيف يُدِين سيد المطرقة
سجين الفكر
وغرفك تعج بالضربات
كيف تفلح باستقامة الإجابة
وخطوط التعرج
تقسم ظهر العبادة
وطني .. لا فم للدمى
لا خيط اعتراف
(الشاعر ، 2014م ، ص (64
وتظهر العواطف الوطنية في شعر نازك الملائكة حين تخص (الشهيد) بقصيدة بعنوان (الشهيد) وعلى الرغم من تشاؤم نازك على طريقة الرومانتيكيين فان قصيدة الشهيد تتكثف بآمال نديّة وتثق بالمستقبل لغد ولعراق أفضل ، تقول :
وسيبقى في ارتعاش
في أغانينا وفي صبر النخيل
في خطى أغنامنا في كل ميل
من أراضينا العطاش
فليجنّوا إن أرادوا
دونهم … وليقتلوه ألف قتله
فغدا تبعثه أمواه دجلة
وقرانا والحصاد
(الملائكة ، ج2 1979م ، ص(238 لقد عكست الشواعر العراقيات فيما تقدم عواطف وطنية سعت من طريقها الشاعرة بتجاوز ذاتها إلى الموضوع والتأكيد على الجوهر قبل الوجود وعبرت عن شعورها ولا شعورها في الالتصاق بوطنها والتماهي في حبها معه ولابد من الإشارة إلى أنّ العواطف الوطنية في إبداع الشاعرة العراقية تقف بوجه التفريق الجنسوي من أن هناك أدبا أنثويا وآخر ذكوريا .
المصادر
- آل طعمة ، سلمان هادي (1995م) شاعرات عراقيات معاصرات ، ط2 دار البراق – لندن .
-إبراهيم ، ابتسام (2014م) ديوان رسائل لا تقرأ – نصوص شعر- نثـــــــــــــر ، ط1 دار ومكتبة عدنان ، بغداد شارع المتنبي .
- الأعرجي ، سناء حمود (2011م) ديوان حينما تحتضر الكلمات ، ط1 دمشق ، دار تموز .
- خالد ، زينب (2010م) ديوان رسائل تأبى الضياع ، دار الأسطورة ، بغداد ، شارع المتنبي . – الربيعي ، غرام (2013م) ديوان ضباب ليس أ؟بيض ، دار ومكتبة عدنان، بغداد شارع المتنبي ، ط1 .
- السبع ، منى (2015م) ديوان تغريدات سنونوة ، ط1 دار كوفار للطباعة والنشر ، أربيل .
- السعدي ، خديجة (2014م) ، ط1 ديوان (عن الحب والغربة وأشياء أخرى) ، بغداد – شارع المتنبي .
- الشاعر ، راوية (2014م) ديوان خيول ناعمة ، ط1 دار المرتضى ، بغداد – شارع المتنبي .
- الصالحي ، سلامة (2015م) ديوان ثيابها ماء ، دار نينوى ، سوريا – دمشق .
- عبد الواحد ، عهود (2014م) النصوص الفائزة في جائزة نازك الملائكة للإبداع النسوي العربي ، ط1 دائرة العلاقات الثقافية العامة ، الإعداد والإشراف د. إحسان الشيخ حاجم التميمي ، بغداد .
- عمارة ، لميعة عباس (1972م) ، ط2 ديوان عراقية ، دار العودة – بيروت .
- المالكي ، علياء ، (2012م) رفيف الثريا ، مجموعة شعرية مشتركة ، منشورات الاتحاد العام للأدباء والكـــــــــــــتاب في العراق ، منتـــــدى نازك الملائكة، بغداد .
- المرزوك ، صباح نوري (2012م) شعراء الحلة أو تكملة البابليات ، ج1 ط2 دار الفرات للثقافة والإعلام في الحلة .
- الملائكة ، نازك ، (1979م) ديوان نــــــــــازك الملائكة ، ط2 ج2 دار العودة – بيروت .
- ياسين ، رنا جعفر (2004م) ديوان طفولة تبكي على حجر ، منشورات اتحاد الأدبــــــــــاء العراقيين ، بغداد ، طبع بالتعاون مع مؤسسة عبد العزيز البابطين .
























