سيدة صالونات تتزين في باريس لحفل المساء بالرباط قضت عقدين في السجن بعد اعدام زوجها
الموت يخطب فاطمة أفقير زوجة أقوى جنرال مغربي حاول إطاحة الحسن الثاني
الرباط ــ عبدالحق بن رحمون
أعلن ليلة الاحد عن وفاة صاحبة كتاب حدائق الملك فاطمة أفقير 78 عاما أرملة الجنرال محمد أوفقير الذي قتل عقب فشل الانقلاب العسكري الثاني العام 1972 . ويذكر أن فاطمة أوفقير التي توفيت مساء الأحد بإحدى المصحات في مدينة الدار البيضاء، كانت قضت ما يقارب عقدين من الزمن مع أبنائها الستة رهن الاعتقال، بسبب تورط زوجها في محاولة قلب نظام الملك الراحل الحسن الثاني. بعدما كان تحضى بمكانة رفيعة في القصر الملكي. كما يذكر أن فاطمة أفقير حاولت الهرب في بداية التسعينيات، لتعيش في المهجر قبل أن تقرر العودة بعد تفجيرات 2003 والاستقرار بمراكش.
وعند خروجها من السجن أصدرت كتابا عبارة عن مذكراتها ، هذا الكتاب الذي سلط عليها الضوء إعلاميا وكشفت من خلاله محنتها في السجن في تسعينيات القرن الماضي، كما كشفت أسرار وفاة زوجها، حيث أكدت أنه توفي مقتولا بخمس رصاصات عكس الرواية الرسمية التي تقول أن أوفقير انتحر. وبخصوص هذه الرواية كشف العام 2012 محمد زيان، نقيب المحامين السابق والأمين العام للحزب الليبرالي المغربي والسياسي المثير للجدل أنه حسب روايات الأسرة وبعض الشهود، فجثة أوفقير كانت بها آثار اختراق أكثر من رصاصة. أنا لست عالما في التشريح، لكن العلم يقول إنه إذا ما أصاب الشخص نفسه برصاصة فلا يمكن أن يطلق أخرى، وهذا يعني أن أوفقير قد تم قتله بالفعل.
إذن بوفاة فاطمة أوفقير أو العلبة السوداء التي حمل أفرادها لقب العائلة الدم سيكون أولى ماكشفت عنه قبل رحيلها في إحدى تصريحاتها الصحفية حينما قالت إن زوجها كان يغار من الجميع، كان يغار حتى من أخيه ومن أبيه، الغيرة في طبعه وخاصة عندما يتعلق الأمر بها، لكنه مع ذلك كان متسامحا مع الكثير من التصرفات التي قابلته بها، كما تؤكد أنه أحبها أكثر من أي شيء آخر في حياته.
لكن فاطمة في كتابها حدائق الملك، تقدم فاطمة أوفقير صورة مغايرة لزوجها فالرجل الذي عرف بسفاح الريف وقامع المعارضة وساحق المعارضين وعميل الفرنسيين والإسرائيليين، يبدو في كتاب زوجته رجلا قاد في الخفاء تمردا ضد فرنسا لصالح العرش، لا.. بل هي تروي أنه كان قبل الاستقلال على علاقة وطيدة بالمناضل الشهير والشهيد المهدي بن بركة رغم أن فرنسا اتهمت آنذاك أوفقير بخطف بن بركة واغتياله على أراضيها.
وقالوا عن فاطمة أفقير حول سيرة علبتها السوداء أن في كثير من محطات الصراع بين رجالات الجيش، على عهد الملك الراحل الحسن الثاني، كانت هناك نساء لعبن أدوارا مثيرة، ليس أقلها أن فاطمة أوفقير ستدفع الفاتورة المتبقية من ديون زوجها بعد أن غادر الحياة، وأن زهرة الدليمي ستتوارى إلى الخلف حين غاب زوجها عن ساحة الميدان، كما أن زوجات عسكريين وأمنيين سيتعاركن في الحياة ليدفع أزواجهن ثمن أخطائهن، يوم كانت المباهاة بالسفر إلى باريس لتصفيف الشعر، ثم العودة في نفس اليوم لقضاء السهرة، تقليعة متعارف عليها في عالم مليء بالمخمليات والتناقضات والمشي فوق السحاب.
كما قالوا عن فاطمة وزهرة أنهما امرأتان من نفس الجيل تقريبا، اشتركتا في الصداقة والعداوة، وبالرغم من أن أي تحريات عن الغياب الغامض للمعارض المهدي بن بركة، منذ أن اختفى عن الأنظار ظهر يوم 29 من تشرين الثاني 1965 أمام مقهى ليب في باريس، لم تعرض لأسماء نساء كان بإمكان إفادتهن أن تسلط بعض الأضواء الكاشفة على جوانب من العملية اللغز، فإن الثابت أن فاطمة أوفقير وزهرة الدليمي كانتا أقرب إلى الوقائع المشهودة لذلك الاختفاء من خلال زوجيهما، إن لم يكن على صعيد المعرفة شبه الافتراضية التي تجعل الزوجات أكثر ائتمانا على أسرار الأزواج، فمن خلال رصد تداعيات الحادث من مواقع أقرب إلى الأمكنة التي دارت فيها العمليات الغامضة.
هي الصدفة التي ستجعل فاطمة أوفقير تتابع تطورات الأحداث من جنيف، حين بدأت أصابع الاتهام توجه إلى زوجها عبر الصحافة الفرنسية، ثم تصريحات المسؤولين الفرنسيين الذين أحسوا بالإهانة جراء حدوث ما وقع فوق الأراضي الفرنسية، بمشاركة عملاء فرنسيين. وقد يكون زوجها قد أخفى عليها الحقيقة أو نصفها أو قدم سيناريوهات غير مطابقة للأصل، لكن هذا الالتباس لا يمكن أن يدوم طويلا في علاقة حميمية بين رجل وزوجته مهما كانت درجة حفظ الأسرار بعيدا عن التداول.
وما بين أكتوبر 1965 وغشت 1972، لا شك أن تكون دارت بين الزوجين إشارات قد لا توحي بكل الحقائق، لكنها لا تستطيع أن تخفيها في عمق البحر، خصوصا أن فاطمة أوفقير عرف عنها ولعها بنقاش الصالونات والمنتديات التي لم تكن تكتمل في غير حضورها، كذلك فإن زهرة الدليمي ستغادر الرباط إلى باريس في الفترة نفسها، ولا يهم إن كانت قدمت إلى باريس من أجل السياحة أو التسوق، ولكن وجودها كان من شأنه أن يطرح بضع علامات الاستفهام، خصوصا أن الدليمي لم يكن من النوع الذي يعجبه أن يظهر كثيرا في الصورة إلى جانب زوجته، لكنه كان يبادلها التقدير، ولا يعرف إن كان ذلك مكنها من الاطلاع على خفايا أسراره، أم إنها ظلت غير معنية بالغوص في موضوعات لا تعنيها، فقد كان زوجها أحمد يعشق رياضة الغوص في أعماق البحر، بالقدر الذي كان يعجبها أن تكون زوجته وكفى، فهي المرأة الوحيدة في حياته التي استطاعت أن تمسك بزمام المبادرة في حياة زوجية مليئة بالمحاذير.
أما السيرة الذاتية لمحمد أفقير فتكشف أنه ولد بقرية عين الشعير، ولم يتمكن من ولوج المدرسة في سن مبكرة، بدأ تعليمه في منطقة بودنيب وعمره 16 سنة، تابع تمدرسه بــ كوليج أزرو طارق بن زياد ، وكان الوحيد بين إخوته 16 الذي بلغ هذا المستوى من التحصيل. ثم التحق بالمدرسة العسكرية بمكناس.
والتحق بالجيش الفرنسي، وبدأ مشواره كقناص في صفوف الجيش الفرنسي، وتأقلم في الحرب العالمية الثانية، سيما بإيطاليا والحرب الهندوصينية الأولى، حيث كان أدائه رائعا. ثم بات مساعدا قريبا لأربعة مقيمين عامين فرنسيين بالمغرب وبعد استقلال المغرب تسلق بسرعة إلى قمة السلطة والنفوذ، حيث عمل مرافقا للملك محمد الخامس، فرئيسا للأمن ثم وزيرا للداخلية فوزيرا للدفاع آخر وزير للدفاع بالمغرب . وقد كان قاسيا في ردع الاستقلالين وسكان الريف واليسار المغربي عموما. وينسب اليه كذلك تورطه في اغتيال المهدي بن بركة بإذن من الملك. قبل تعيينه على رأس الأمن الوطني لم يكن أوفقير قد عمل سابقاً في أي إدارة للاستعلامات والتوثيق، ولا في مصلحة للأمن، وكانت رتبته في مصلحة التوثيق الخارجي الفرنسية هي عميل مصدر للمعلومات في مكاتب المقيم العام بالمغرب تم تعيينه في تلك الرتبة في الفترة ما بين 1948 1949. في يوليو 1960 تم تعيين العقيد محمد أوفقير مديراً عاماً للأمن الوطني خلفاً لمحمد الغزاوي. كان أوفقير قد خدم في الجيش الفرنسي وعمل في مصلحة التوثيق الخارجي ومحاربة التجسس الفرنسية، وبعد عودة الملك محمد الخامس من منفاه عام 1955 أصبح قريبا من الملك وواحداً من محيط القصر،
في أغسطس 1964 رقي إلى رتبة جنرال ووزير للداخلية خلفاً لأحمد رضا أكديرة، مع بقائه محتفظاً في ذات الوقت بإدارة الأمن الوطني ورئاسة الكاب1 وبهذه المهام والمسؤوليات التي اجتمعت له أصبح أوفقير في الواقع الرجل الثاني في الدولة، مباشرة بعد الملك الحسن الثاني.
طلب وزير الداخلية المغربي الجنرال محمد أوفقير في سنة 1965 مساعدة الموساد في إسكات المهدي بن بركة، زعيم المعارضة المغربية في المنفى. واتفق مع الجنرال مائير عاميت، في أكتوبر 1965، فتم استدراج بن بركة عبر الحدود من سويسرا إلى فرنسا حيث اختطفه عملاء الاستخبارات واقتادوه إلى منزل أحد أعضاء العصابات الفرنسية، حيث قتل ودفنت جثته. نفى أميت علاقته بالأغتيال، لكن ديغول كان غاضبا ومصمما على وضع حد لنشاط الموساد على الأراضي الفرنسية.
رفض أوفقير اتهامه باغتيال بن بركة بل اتهم الملك الحسن الثاني بذلك وادعى ان محاولة الانقلاب التي قام بها هي لاظهار الحقيقة كما نشرت الأحداث المغربية في عددها ليوم 21 فبراير تحت عنوان التفاصيل الكاملة لمحاولة الانقلاب الفاشلة لـ16 غشت 1972 من خلال تسجيل نادر لاستنطاق محمد آيت قدور في سنة 1972 للضابط السابق أحمد الرامي. حيث يظهر من التسجيلات الصوتية ان أوفقير قد قرر أن أول شيء سيفعله لو نجحت محاولته الانقلابية ضد طائرة الحسن الثاني، هو تبرئة نفسه أمام الشعب المغربي من تهمة قتل ابن بركة والكشف عن المسؤولين الحقيقيين عن هذه الجريمة. يقول بصدد هذا الموضوع وعندي كل التسجيلات الصوتية وكل الوثائق في خزينتي التي تثبت الإشراف الكامل للملك وللعقيد الدليمي على عملية اغتيال ابن بركة وسأعلن في المستقبل كل ما عندي من أسرار للحقيقة والتاريخ . بل إن أوفقير، عكس ما ينسب إليه من مسؤولية في مقتل ابن بركة، هو الذي نصح هذا الأخير باللجوء إلى الخارج عندما علم أن قرارا قد اتخذ لتصفيته أنا الذي نصحت المهدي بن بركة باللجوء إلى الخارج لأنني شعرت أن الملك بدأ يتآمر عليه . ولا شك أن النظام كان عبقريا وذكيا جدا في استفادته إلى أبعد الحدود من مسألة اغتيال ابن بركة. فبمقتل هذا الأخير، تخلص النظام من خصمين في نفس الوقت تخلص من ابن بركة وتخلص في نفس الآن من أي خطر قد يجيء من أوفقير بعد أن ألصقت بهذا الأخير تهمة اغتيال بن بركة.
AZP02
























