سحر دافنشي في أسراره

سحر دافنشي في أسراره

معجزة الولادة والنبوءة والملكوت

أحمد كاظم نصيف

حين تتعدد الأراء إلى الموضوع الواحد، يتسع الأفق أشمل ويمنح انطباعا واضحا، وقد يكون أكثر دقة في توصيف المعالم والأسس لمدرسة فنية طالما شهدت صراعات متفاوتة، ولم تستقر بعد إلى الجدار النهائي لأي فكر قديم أو حديث على حد سواء؛ ومدرسة الفن التشكيلي تدفقت فيها منذ آمد بعيد مذاهب نقدية مختلفة، تمثلت في النقد الانطباعي، والنقد الجمالي الموضوعي،

 والنقد الاجتماعي الايديولوجي، والنقد التقويمي، ومناهج كثيرة منها المنهج النفسي، وغيره؛ وعندما يكون الفنان ليوناردو دا فنشي “Leonardo Da Vinci”  (1519-1452 ) موضوع بحث وتطاله أفكار النقد ومذاهبه، “كما هو حال كل الدراسات الكثيرة التي درست الفنان” فهذا يستحق التوقف والتأمل والقراءة مع الشرود الذهني والجنوح للخيال، لأن القارئ سيكون أمام أسرار وألغاز دفينة في جل أعمال الفنان، يقدم لنا الباحث “محسن سنان محسن الكناني”، بحثا يمثل دراسة فنية لـ”أسرار دافنشي ورسائله” وهو بالاضافة إلى شموليته، وتحركه على محاور فكرية وفلسفية وفنية متعددة، فانه يضيء عالم دافنشي الداخلي إضاءة شبه تامة، ويتيح للقارئ أن يرى فكر الفنان خارج لعبة “اللوحات” والأعمال الفنية التي قدمها، وبعد قراءة البحث سيصبح القارئ على يقين ومتأكداً أن الأعمال الفنية للفنان وحدها لا تكفي للتعبير عن حقيقته؛ ولا ندعي بأن هذا البحث بشكل من الأشكال هو غاية بحد ذاتها، بقدر ما هو ببساطة صورة فكرية للباحث، وعلى وجه التحديد هو بحث يعيد النظر بكثير من القناعات القديمة؛ في البحث بابين، وفي الثاني منهما ثلاثة فصول، وقبلهما، مقدمة، وتوطئة، حيث يذكر الباحث في مقدمته بأن الكنيسة “الفاتيكان” هي التي تدير كل شيء، وهي الراعي الرئيس لكل فناني عصر النهضة، ثم يؤكد في التوطئة على أن هناك العديد من النظريات التي تقول بأن دافنشي كان يضع رموزه ورسائله السرية في لوحاته، فكل شيء عنده بحاجة إلى اعادرة نظر، و”كل ركن من أركان حياة دافنشي كانت مندمجة مع تقنية الكتابة المعكوسة وهي ما يميزه، ولذا فمن المحتمل بأنه كان يستخدم المرايا لتصبح كبعد مجهول بحيث يجعله يحتاج إلى المرايا لرؤية أشياء معينة في داخل لوحاته”، حسب المصدر Philip Coppens (author).

العشاء الأخير

ومن الاستنتاجات والأدلة التي توفرت لدى الباحث حول عدد من لوحات الفنان التي أثارت جدلا عميقا وعقيما كما ذكر، والتي لم يستطع أحد رغم المحاولات الكثيرة من التوصل إليها، هي الشخصية التي تظهر على يمين السيد المسيح في لوحة “العشاء الأخير”، والتي خيمت عليها الكثير من التساؤلات، إذ رجح الكثير من معاصري دا فنشي بأن هذه الشخصية تمثل يوحنا المعمدان عندما كان شابا، وهذا الرأي يعارضه بشدة داون بروان في روايته الشهيرة ” شيفرة دا فنشي – The Da Vinci Code ” التي يبين فيها حسب رأيه بأنها لمريم المجدلية؛ وللباحث رأي في هذا القول، إذ يؤيد ويرفض بالوقت نفسه؛ هذا حسب ما ذكره في البحث، وجدير بالذكر بأن الفنان رسم هذه الشخصية مستقلة فيما بعد،

الموناليزا

ومن أشهر لوحات الفنان دافنشي “الموناليزا” التي قال عنها البروفيسور وليم والنس :”انها صورة مجردة لشخص وبالرغم من ذلك تبدو انها لها أبعاد وألغاز لم تفسر حتى الأن”، وهذه اللوحة كانت موضوع أبحاث ودراسات كثيرة لعدد من العلماء والباحثين، ولم يتركوا منها جزءا للتحليل والتأويل إلا وخاضوا به، والتصور كما ذكر الباحث الذي أراد توضيحه دافنشي في الموناليزا، هو “معجزة الولادة والنبوءة والملكوت عند السيد المسيح”.

أسرار دا فنشي

المعروف عن الفنان ليوناردو دافنشي إنه لم يخض مغامرة إلّا ونجح فيها، فقد كان مهندسا ومعماريا، وجيولوجيا، وعالم نبات، وعالم خرائط، وكتب النوتة الموسيقية، يقول سعدي يوسف في إحدى مقالاته لجريدة “الاهرام” المصرية : ” دُنِيز ماسون 1901-1994 التى سمّيت الرياض باسمها، سيدة فرنسية سكنت مراكش أكثر من ثلاثين عاماً، فى المنزل نفسه، المقدَّم هديةً منها إلى بلدها فرنسا، والمستخدم حالياً من جانب المعهد الفرنسيّ بمراكش، موئلاً ومحفلاً، السيدة دُنيز ماسون ترجمت القرآن ومعانيه إلى اللغة الفرنسية، وهي مولعةٌ بالموسيقى، فى المنزل أرغنٌ معطّلٌ، وبيانو شغّالٌ، وأندريا تريد أن تعزف … عقدت أندريا صداقةً مع مدبِّرة المنزل، وبحثتْ معها في المكتبة الخاصة، عن مدوّناتٍ موسيقية، كانت الحصيلة كنزَ مدوّناتٍ موسيقية من القرنين السادس عشر والسابع عشر، بينها مدوّنةٌ من ليوناردو دافنشى !”، كل هذه المغامرات تفسر لنا لماذا كانت حياة دا فنشي تكتنفها الأسرار التي جسدها في أعماله الفنية؛ وهذا قد ينسحب إلى مناطق فنانين آخرين كثر كانت أعمالهم ملغّزة بكثير من الأسرار، منهم الفنان “فان كوخ”، إذ كان عندما يذهب إلى المدرسة وفي طريقه “مقبرة” كتب على شاهدة منها إسمه! ما جعله يتساءل، من الذي في القبر أنا أم شخص آخر؟ وسيطر هذا الهاجس على حياته، وأنعكس على مجمل أعماله، وكذلك الفنان “سلفادور دالي”، فقد ولد لعائلة توفي ابنها الكبير وعلم أن أخاه الكبير الذي توفي قبل ولادة بثلاث سنوات كان اسمه ” سلفادور”، ما جعله يشك بحب والديه له، هل أنا أم هو، لماذا لا أحمل اسما خاصا بيّ؟ وهذا التوتر جعل منه فنانا مجنونا بالخلق والابداع، وأيضا الفنان “رامبرانت”، فقد كتب عنه فاروق يوسف في جريدة “العرب” اللندنية :  كأن رامبرانت لم يغادر بيته في “يودن بري سترات” بأمستردام وكان ما يزال شابا، المقهى الملاصق لبيته صار يحمل اسمه، لم يكن قد رسم بعد رائعته “الحارس الليل”، نحن في القرن السابع عشر، يبتسم خيالي، “ألا تصدق؟”،  المسيح نفسه سيشعر بالاضطراب لو رآها، أتوقع من شاعر مثل أرتور رامبو أن يعيد كتابة أشعاره في اللحظة التي تقع عيناه على ذلك اللغز، بحجم الكف هي، “ولكنه رامبرانت” أقول لنفسي، غيّرَ الرجل الرسم وغيّرَ نفسه وسخر من عاصفته، اعترف لي نديم كوفي وهو رسام عراقي يقيم في هولندا أنه يتألم إذ ينظر إلى تلك الرائعة، قال لي حسن حداد “لا أصدق أنه يرسم بفرشاة”، يقصد رامبرانت، سأضع قدمي على المركب السكران، في استعارة من قصيدة رامبو الشهيرة”، وهنا تكمن عظمة العباقرة وبراعة الفن.