زمان جديد اختلافنا سر بقائنا
كرم يوسف
سيكون أمراً صعباً للغاية أن نخرج ذات يوم الى الشارع، لنجد كل من نمر به يرتدي الأسود أو الأبيض أو الأزرق، و أن نجد أن كل أهل بيت يتناولون وجبة مشابهة لوجبات غيرهم، أو نجد كل الشعراء يكتبون القصيدة نفسها، وكل الروائيين يكتبون عن الأحداث والقضايا فسها، وأننا نفكر ككل في شيء واحد.
ما من شك في أن أي فرد يختلف عن الآخر، ولن يكون نسخة كربونية عن سواه، حتى ولو كان الأمر كذلك من جانب الشبه وراثياً، من جهة الارتباط النسلي الأسري. فهذا الشبه حتى وان كان بيولوجياً فلن يكون في حالة تطابق تام، فما بالنا بالشبه والاختلاف فكرياً وذوقياً وفنياً وابداعياً، كما أنّه لا خلاف مطلقاً على أن لكل انسان طقوسه ومزاجياته وحالات حزنه، وفرحه، التي تميزه عن غيره من أبناء جنسه وتمنحه خصوصيته الانسانية. ربما هذا الاختلاف هو ما يمنحنا متعة وجودنا، ونحن نبحث عن الآخر، الذي يشبهنا، ونسعد حين نلتقيه، ونتألم حينما نبتعد عنه، أو حين نبحث عنه، فانتماؤنا لذواتنا هو أساس لكل انتماء لنا الى الكل الذي نعيش فيه وبينه.
كما أن هناك رأياً يقول بأننا حين نحب شيئاً ونفضله على آخر، فإن ذلك ليس من قبيل ارادتنا الذاتية، بل بحسب الرغبات الحتمية والجبرية التي فرضت علينا هذا الاختيار، حيث نعتقد أنفسنا أحراراً عند الاختيار، فأنا نفسي لم أدرِ لماذا أفضل أقلام الرصاص على أي نوع من الأقلام، وأني حين بدأت بتحليل الأمر وأسقطته على ماضيّ، تأكدت من أن استخدامي لقلم الرصاص نابع من حالات قلق دائمة أمر بها، أو لأقل بشكل آخر من أني لم أتمكن بعد من تحقيق الاستقرار الداخلي في عالمي ، وهذا بالضبط مايقوله الفيلسوف اسبينوزا حينما يتناول الاختيار والجبرية في الحياة الانسانية، وهذا الرأي بكل الأحوال يساهم في اصالة الاختلاف وليس التشابه بكل الأحوال.
ولو توغلنا في الموضوع أكثر، محاولين الوقوف على الأسباب الحقيقية لرغباتنا لارتدت الى الأسرة و المجتمع والدين، و لوجدنا أننا نحن لسن ب نحن ، وأني لست أنا، وأنك لست أنت، وهذا يتضح بالضبط من خلال انتماءاتنا لمجموعة أفكار سابقة على وجودنا، ومن بينها الدينية التي لم نخترها بارادتنا بل هي التي اختارتنا قبل أن نختارها، أي كانت تنتظر وجودنا لنتبناها، وحتى هذه العودة الى الماضي لاتخلو من غلق أبواب الاختلاف بل تساهم فيها.
ورغم انتماءاتنا في بعض الأحيان بشكل كلي أو جزئي الى الماضي، فاننا لنحتلف و نجد صعوبة في الاستمرار في حيواتنا لو كنا ككل نتبنى نفس الأفكار والهواجس والعواطف، فلا يمكن مطلقاً لكل الشبان أن يحبوا فتيات شقراوات، ولا يمكن لكل النساء أن يحببن رجالاً سمر، ولا يمكن أن يفضل كل البشر مجالاً معيناً من العلم والدراسة الجامعية، فلو حدث ذلك لكان العالم في جانب واحد من الميزان وجودياً، ولرجحت الكفة بحيث لن يكون هناك طعم للحياة.
وفي الوقت ذاته، فإنه حينما يحاول أي منا أن يقلد الآخر في تصرفاته وتفكيره، والمواضيع التي تتعلق بذوقه، أو السير في درب التشابه، فلا شك سيفشل، لأن دائرة الاختلاف لا بد أن تتسع، لنتمكن من الحياة داخل الدوائر الشبهية فيما بيننا ،فمن المستحيل مهما بلغ التقليد ذروته أن يكون شاعر نسخة عن آخر، وهذا الأمر قد جاء بمفهوم التناص الى الساحة الأدبية، وهناك أمثلة كثيرة عن كتاب وشعراء حاولوا تقليد شخصيات كبيرة، ولكن رغم ذلك كانت لنتاجاتهم خطوط ميزتهم عن الشخص المقلد، أو حتى جمهرات المقلدين.
وان وجدت امرأة جميلة تمر من أمام عدة شعراء، فسيكتب كل منهم عن جمالها، واحساسه بها، بأشكال مختلفة تبعاً لشعورهم الداخلي بها، ولكن هناك غاية واحدة يهدفون اليها وهي التعبير عن ذلك الجمال والحب ، فهذا الاختلاف في التعبير كان في أساسه واحداً وهو المرأة الجميلة.
ليس الاختلاف دليلاً بأي حال أن هناك مشكلة في التواصل، بل الاختلاف هو ثروة حقيقية وسر بقائنا، لأنه دائماً يكون الوجه الآخر لثنايئة التوافق، باعتبار أن الحياة هي دائماً مزيج أضداد، والاختلاف يمنح الديمومة والاستمراية والتألق للفكر ،فلو وافق كوبرنيكوس كما وافق كثيرون غيره يوماً ما على دوران الشمس حول الأرض لماتت الفكرة، وبفضل اختلافه هذا عن الكل الذي كان يعيش معه، ونشره لهذه الحقيقة ولحقيقة دوران مجرات اخرى ايضاً حول الشمس في لحظات احتضاره، استمرت الفكرة، وتبناها العلم الحديث، الى الحد الذي اثبتها، هنا لايسع إلا أن نذكر بماقاله توما الاكويني كان تصوري دائماً عن الحقيقة خاطئاً فالحقيقة كبيرة وتحتمل الاختلاف.
/9/2012 Issue 4292 – Date 1 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4292 التاريخ 1»9»2012
AZP20
























