رواية ذكريات معتقة باليوريا.. الحديثي يعرض سيرة القيد القاسي
كمال لطيف سالم
موضوعة الحرب والاستعمار والاحتلال أخذت حيزا كبيرا في مسعى الإنسان لتضميد الجراح والآلام التي جثمت على جسد البشرية منذ أن نشأ فيها ولحد اليوم، فالصراع قائم يصب في الطمع والجشع والشعور بعقدة النقص والتعويض بالظلم والبطش، فمراجعة سريعة لأدب الحرب عند الشعوب يرينا قمما تقطر دما، وتصرخ بوجه البشرية: إلى متى يبقى الإنسان في صراعه المستديم هذا؟
ولعل أدبنا العراقي تناول بشكل عرضي سنوات الاحتلال العثماني والبريطاني في سطور، بيد أن الأمر أصبح واقعا بعد الحرب العراقية الإيرانية، بعد أن وضع مشروع دعم الحرب وأرشفة مذكرات القادة والمعارك التي سجل فيها الجيش العراقي انتصارات واضحة، فبرز عد غير قليل ممن أرّخ لهذه المرحلة التي طمست معالمها السياسات والأحزاب المتعاقبة وتناحراتها..
وبعد سقوط بغداد عام (2003) ظهرت أعمال كثيرة تحدثت عن الدمار والخراب الذي حلّ بالعراق وأهله نتيجة التخريب والطائفية وتنفيذ سيناريو الأعداء في تقسيم العراق وإخضاع شعبه والذي بدأ تنفيذه بالاستحواذ على الثروات والأرض ووضع قاعدة ستراتيجية أصبحت واضحة المعالم.
والذي يعنينا هنا الأعمال التي تناولت هذه الحقبة في احتلال العراق وتمزيقه وتدمير شعبه.
فرواية “ذكريات معتقة باليوريا” لعلي الحديثي هي واحدة من الأعمال التي ركزت على الاحتلال واعتقال الإنسان في أرضه، فقد عالج الكاتب روايته بالسرد المباشر للبطل _ الأنا_ دون إخضاع الرواية إلى تقنيات معقدة كالتي يمارسها بعضهم كلعبة فن الحكي..
الرواية بطلها مواطن بسيط، يعيش مع عائلته، ويمارس طقوس حياته اليومية العادية، غير أن البطل في الرواية مثقف واعٍ، يميل إلى الكتب والفنون الجمالية التي تجعله الأقرب إلى التحسس ” في صومعتي المعلقة في سطح بيتي، أغلقت الباب ورائي بطريقة كأني أغلقه بوجه العالم”، وهنا كما يحدث عادة ترتفع أصوات الانفجارات ومداهمات الجنود الأمريكان للأماكن التي يشعرون أن فيها خطرا محدق عليهم ” سمعت صوت انفجار قوي أو هكذا ظننت، فتحت باب الغرفة، فإذا بالأصوات تقترب، إنها في بيتي”.. تمضي إشارات الروائي في تجسد ورصد لحظات التوتر عند المداهمة ” لم تزل خطواتي تترنح تحت قبضة أيديهم، حتى وصلنا رأس الفرع المطل على الشارع”
وتبدأ الرواية بعناوين بارزة (الوجوه السوداء _ ضاغط ومضغوط ) يصف هنا اقتياده للمعتقل والقيد القاسي الذي يحز كفه، والأصوات والأسئلة التي تدور حول الموت والمصير المجهول، وسماع كلمات الاستجواب، وانتظار ما سيؤول إليه الأمر.. ويأتي عنوان (حبال الظلام) الذي يصف فيه الأيام الأولى من اعتقاله ولغة الإشارة التي يتبادلها مع الجنود الأمريكان، هنا يبرز الكاتب تجربة الاعتقال التي لم يكن يعرفها من قبل..
عندما أودعه الجنود السجن الانفرادي مع ثلة من المعتقلين، رسم تلك الحالة فونغرافيا وحدث واقعيا دون تصنع أو مبالغة (بدأت أشعر بانحسار من الإحساس بالحياة).. وتحن عنوان (سارتر وإليوت) يذكرنا بصرخة سارتر (الجحيم هم الآخرون)، وبينما إليوت عنده (الجحيم عندما تكون وحيدا) ويتذكر البطل وحدته سنوات في محطات حياته (ابتسمت.. ابتسمت حد البكاء وأنا أستذكر أجمل أيام حياتي في مكان تبولي، يا لها من ذكريات معتقة باليوريا)..
في داخل السجن بدأ الخوف والترقب والتوجس وسماع الأصوات وتترى الذكريات التي تختلط مع توقعات من الجذب والشد اليومي في تحقيق السين والجيم..
يعتمد الروائي علي الحديثي على الحدث والتوقعات، فهو مقيد معصوب العين، يخضع للفحص والتفتيش والاستجواب، كما أنه يُنقَل من مكان آخر، لا يرى إلا أشباح بشر يحملون البنادق، يتهيؤون للقتل، الروائي لم يعمد إلى إخضاع الأحداث وتهويلها، فهو يشحذ المخيلة لإضفاء مسحة مشوقة بغية جذب المتلقي، فالرواية تسير خاضعة لرتابة الحدث بالاعتماد على انثيال التداعيات التي تزدحم في ذهن المتلقي، فهو ينسج غير مبالٍ بالإضافات والمبالغات التي يعتقد أنها طارئة على معاينته الحقة لموضوع الرواية..
وكما يرد في نص الرواية (الأيام هنا مكررة إلا من بعض الفوارز التي تعد من جمل مملة جملاً بلا جدوى من جمع حروفها، فهو يتذكر سيزيف وصخرته.. وثمة عناوين كثيرة زحمت بها الرواية، وليس لها مدلول أو إشارة أو وصلة بالحدث المراد معالجته، ولكن لموضوع التحسر والكآبة والسقوط في لجج الظلمة، عوالم يسجلها الروائي بدقة، وظني أن قيمة الرواية تكمن في تسجيل الإشارات التي ترتبط بمكان أو مشهد، فالرواية حكمها الحدث الهامشي أو حدث يبدو رئيسا، غير أن الزمن يسير على طريقته في الدهشة وملء فراغ الساعات والأيام.. فعليه أن يلتقط كل همسة أو حركة ودلالات رمزية صغيرة وعابرة وكأنها رقعة ململمة لاستكمال سرد الرواية..
بعد ذلك فالرواية على قلة أحداثها فقد صاغها بقناعة مطلقة وبواقعية دقيقة مبتعدا عن الزخرف والتلوين والحذلقة، ليقدم هارمون روائي متسق ومتوازن جعل روايته تقف بين ما كتب في صف متقدم في تلك الحقبة.























