رفقاً بالقارئ

رفقاً بالقارئ
في الحقل الثقافي عامة، وفي حقل النشر خاصة، ثمة مقولات وأرقام متداولة ذات صلة مباشرة بهذا الحقل.. وفي مقدمة هذه المقولات: أن العرب لا يقرأون، وإن قرأوا لا يفهمون، وإن فهموا لا يطبقون. إنها مقولة بينها وبين التعسف أواصر قوية ، وأكثرها تعسفاً هي كلمة (لا) التي تكررت هنا ثلاث مرات ، وكأنها مطرقة حديد ثقيلة تهوي علي المواطن العربي، وتحديداً: تهوي علي العقل العربي . ولست أدري علي أي معلومات وأاستبيان، استند من أطلق هذا القول، والذي لا أستطيع تحديده .
هذه المقولة، رغم قسوتها، فانها لا تقل إيذاءً عن معلومة أخري تصب في هذا الاتجاه ، والخبر – المعلومة، يقول: كشف تقرير التنمية الثقافية الذي تصدره مؤسسة (الفكر العربي) أخيراً عن تدهور نسبة القراءة بين العرب ، مقارنة بالغربيين الذين يقضون ساعات طويلة في القراءة . وجاء في التقرير: في الوقت الذي يشكل فيه متوسط قراءة الفرد الأوروبي نحو (200) ساعة سنوياً، تتناقص القراءة لدي الفرد العربي الي (6) دقائق سنوياً، (أي نصف دقيقة شهرياً) .
هذه المعلومة خطيرة إن لم نقل مخيفة فهي – إن صحّت تعبر عن كسل وانعزال عما يحدث من جديد في حقول المعرفة . لأن القراءة نشاط إنساني إيجابي . فالكتابة ، في أي حقل كانت، لا قيمة لها إذا لم تقرأ وتفهم وتطبق . وإذا أرجأنا ما تؤدي اليه كلمة (تطبق) والي حد ما كلمة (تفهم) ، فإن كلمة تقرأ فعل ناجز وضروري لا يحتمل التأخير، لاننا إن أسقطنا عامل (القراءة) ،أو أنه تراجع الي الخلف، فإن الكتابة (والتي تعرف بأنها عملية القبض علي الكلام المنطوق وتجميده) ، هي الأخري تصبح عديمة الجدوي، أو – علي وجه الدقة- قليلة الجدوي ..
أميل الي الشك بصحة الأرقام التي ذكرت ، وبالاستنتاجات التي بنيت عليها . ولا نبني الرفض من مقولات مسبقة، بعضها: أننا أحفاد عدنان ، وقحطان، وأننا- معشر العراقيين – نعتز بأن أجدادنا أول من ابتكر الكتابة، وان (جدّنا) آشور بانيبال (668-626)ق.م كانت لديه مكتبة تضم ما يزيد عن (25) ألف رقيم، في كل ما أبدعته الاجيال السابقة في حقول المعرفة ، لن نبني رفضنا علي هذه الوقائع رغم أهميتها ، وانما نستند الي بعض الوقائع الملموسة. ويمكن أن نذكر بعض المؤشرات: المكتبات العامة عامرة بمحتوياتها وروادها ، المؤلفون ينتجون (يؤلفون) ، والمطابع تطبع ، ودور النشر توزع . المعارض (معارض الكتب) تقام : من بغداد الي بيروت الي القاهرة، مروراً بدمشق وعمّان، وصولا للدوحة وصنعاء . فهل نصدق أن بضاعة كهذه (الكتاب) ينتظرها مشتري يقرأ في الشهر نصف دقيقة ( أي يقرأ في اليوم لمدة ثانية) ، هل أن عملية كهذه مجدية: مادياً وثقافياً؟ لا نعتقد ذلك . وبالتالي فان الاحتمال المرجح بقوة ، أن هذه الأرقام مبالغ فيها ..
ولماذا نركز علي قارئ الكتاب الورقي فقط؟ هناك قراء المواقع الالكترونية ، وفي مقدمتها مواقع الصحف، والمواقع الثقافية عموما. في المدن العربية خاصة يزداد وبشكل مضطرد عدد متصفحي (قراء) المواقع الالكترونية. والسؤال: هل أُخذ هذا العامل بالحسبان؟ نأمل ذلك.
نقول: رفقاً بالقارئ العربي، فالأرقام المذكورة – إن صحّت ونحن نميل الي عدم صحّتها – تمس حيويته، بل وإنسانيته. ولو فرضنا جدلاً أن هذه الأرقام صحيحة، أليس من المفيد أن نتساءل عن السبب في ظاهرة : عزوف العربي عن القراءة؟ هل أن الاستزادة الثقافية ، عبر الاستماع ( المحاضرات والتلفزيون والاذاعة) هي الأفضل لدي القارئ، وبالتالي عزف هذا القارئ عن مطالعة النسخة الورقية من الكتاب؟ هل أن ذلك بسبب المؤلف الذي لا يقدم للقارئ (الزاد الثقافي) الذي يشتهيه وينشده؟ هل أن المشكلة هي في توزيع الكتاب، حيث لا تتوفر الانسيابية المطلوبة لعملية وصول الكتاب للقارئ؟ هل هي بسبب غلاء الكتاب ؟
اسئلة عديدة ، تصب في مجري الظاهرة التي يتحدث عنها المتابعون للشأن الثقافي العربي، ظاهرة (عزوف العربي عن القراءة) ، مع تحفظنا علي مدي هذه الظاهرة: مساحة ونوعاً.
ولا أكتمكم أني حين عزمت علي الكتابة عن هذا الموضوع، تحدثت عبر البريد الالكتروني مع شخصية عراقية متابعة للشأن الثقافي تعيش منذ عقد من الزمان في الولايات المتحدة الامريكية، لغرض الوصول الي مقارنة موضوعية بين القارئ العربي والقارئ الامريكي ، فأفادني بالآتي : الدراسات والابحاث الحديثة تشير لانحسار الكتب خاصة والمطبوعات عامة، بسبب تكنولوجيا العصر متمثلة بالشبكة العنكبوتية (الانترنت) حيث تجد مئات الكتب والمصادر برابط واحد، وتري الامريكي: صغيراً أو كهلا ، وهو يتصفح ما يشاء، عبر هذه الشبكة، مجانا وبسهولة ووضوح وسرعة لأية معلومة أو خبر أو مجلة أو كتاب، وهو يصعد الباص، أو القطار أو بمقهي وبارك، ومن هاتفه النقال، أو جهاز (الآيفون) ويرسل ويتبادل ما يشاءمنها لاصدقائه حالاً، أينما وجدوا. ويضيف المثقف العراقي الذي راسلني من مدينة فيلادليفيا الامريكية حيث يقيم: المتنبي العظيم، مثلا، تقرأه وتسمعه برابط واحد، وكذلك آلاف الكتب . وعلي أحد المواقع قرأت انزال (2500) كتابا مجانا من مكتبة .. إذن مقومات التوجه نحو القراءة أو الدفع باتجاه القراءة موجودة في الحياة الامريكية : المواقع الالكترونية – كتب مجانية-كتب حديثة- خدمات ضرورية ( الكهرباء- السكن الملائم- الأمان) ولكن بالمقابل : ما هو الوضع المحيط بالقارئ العراقي ؟ .
نتوقف هنا ، لنعيد القول : أن هذه الأرقام إن صحّت هي نتيجة لأسباب أخري..
عكاب سالم الطاهر
/4/2012 Issue 4164 – Date 3- Azzaman International Newspape
جريدة »الزمان« الدولية – العدد 4164 – التاريخ 3/4/2012
AZP02