رائحة الحنان – علي الحارس

رائحة الحنان – علي الحارس

ثمة عبير لا يُشبه العطور، ولا يُقطف من زهرة، ولا يُستخرج من قارورة زجاجية أنيقة… إنه عبير الحنان، الذي يفوح من حضن الأم حين تضم طفلها، من دعائها إذا اشتد عليه الزمان، ومن لمحة الحزن في عينيها إن رأته متعبًا أو مهمومًا.

أمهاتنا، أولئك النساء اللواتي لا يملكن شهادات جامعية، ولكنهن يحملن في قلوبهن معاجم الإنسانية، وموسوعات من الفطرة الطاهرة، والذكاء العاطفي النقي. نساء لم تُقيدهن القواعد النحوية، لكن كلماتهن كانت دائمًا في محلها، تخرج من القلب لتستقر في القلب، ناصعة المعنى، بليغة الأثر. وشمن أكفّهن بوشم الطيبة، ونسجن أيامهن بخيوط من تعبٍ وصبر، وجعلْن من وجوههن منارات للسلام حين تضيق بنا الأرض بما رحبت. منهن تعلّمنا كيف يكون العطاء بلا انتظار، وكيف يكون الحب غير مشروط، وكيف يكون الصبر جبلاً لا يهتزّ مهما عصفت به رياح الحياة. لم يحتجن إلى قواميس لتفسير الحياة، بل كنّ هنّ الحياة بتفاصيلها الدافئة. في عناق الأم وحده، تنصهر الهموم، وتذوب الشكوى، ويتبدد الخوف، كأن قلبها خزّان من الطمأنينة لا ينفد، وكأن في ضمّتها سحرًا يعيد ترتيب العالم من جديد. لا يشبهها شيء، ولا يعادل دفئها دفء، ولا يضاهي صمتها كلام. أمهاتنا هنّ الكنز الذي لا يُقدّر بثمن، وهنّ العطر الذي لا يتكرر، هنّ رائحة الحنان التي تبقى معنا، حتى بعد أن تغيب الوجوه وتصمت الأصوات. سلامٌ على أمهاتنا في كل حين… على وجوههن التي لم تغب عنها الابتسامة، رغم قسوة الأيام. على أكتافهن التي حملتنا قبل أن نولد، وبعد أن كبرنا. وعلى قلوبهن التي كانت الوطن حين لم نجد وطنًا.