رؤية تعزز الضوء بالظلام.. الحياة في ليل سمين
يوسف عبود جويعد
يغيب الشاعر علي فرحان في مجموعته الشعرية (ليل سمين ) اللحظة التي اقتطعها من ارض الواقع ، ليشكلها وفق رؤيته الحسية الشعرية ، لتدخل مخيلته ، فتخرج قصيدة تحمل بنيتها النصية ، وسياقها الفني الذي يغير ملامحها ويحيلها الى صور ودلالات ورموز ، حيث تنزاح كل المفردات التي لا تنتمي لروح القصيدة وبنائها ومفرداتها ، وكأنها ترتدي ثوباً ينتمي إلى عالمه الشعري ، فلم تعد الاشياء كما نراها ونحسها ، بل كما يراها الشاعر ويحسها وينقلها ، وفق ما تقتضيه الرؤية الشعرية لوحدة الموضوع المستل ، أي أن الصورة المعكوسة التي يضعها الشاعر ، تتكون وتتبلور وتنضج وتكتمل في مخيلته الشعرية الخصبة ، ثم يقوم بصياغتها الفكرية معتمداً على الثيمة الخام ، ثم الانزياحات الصورية المختلفة والمتنوعة ، ثم الانعكاسات النفسية والتداعيات التي يثيرها النص الشعري داخل نفسه ، وهذه المحاور هي التي تشكل المفردة الشعرية ، ثم البنية النصية للقصيدة ، ابتــداءً من العنوان حتى انتهاء النص ، ويترك الشاعر مساحة كبيرة للمتلقي لحالة التأمل والتوحد والانسجام داخل متن النص الشعري ، حيث يكتشف بأنه امام بناء متناسق منسجم ، الا أنه يحتاج الى سبر اغواره واحالة تلك الدلالات والصور والرموز والاستعارات الى إنتمائها الاول ، اذ أن من الطبيعي عندما يقوم شاعر بصياغة قصيدته عليه ان يستحضر بناء النص الشعري ، والقيام بتحويل الفكرة المجردة الى حس شعري قدر تمكن الشاعر من ادواته الحسية الشعرية ، وفي قصيدة (نجوم نحيلة ) والتي يستهلها بـ (ليل سمين ) التي حملت المجموعة اسمها ، يقدم لنا الشاعر رصداً لواقع الحياة ، ولكن بعين شاعر ، يعترف من خلالها ، بأن الشعر لم يستطِع ان يؤدي دوره بالشكل الذي يساهم في الحد من تزاحم الفوضى ، أو ايقافها ، وهو يدين فيها كذلك كل الافكار التي نشأت من اجل تنظيم الحياة
ليل سمين
يزدرد النساء في الشرفات
ويتلف الصبية بكوابيس تحت الشمس
أحدق في نجومه النحيلة واحفن حنطة الفراغ
مكوماً ارغفة الغد تحت ارجل البورصة
( يا حبيبي يالله ) مضت حكاياتك مع الريح ، ترغو في
حناجرنا ابقار عجاف
وحدود مثل (( موسى )) الحلاق تجتث احلامنا العتيقة
أما قصيدة (حزن وحساء ) فأنها ادانة للحرب ، والكائن الذي يرافقها ، ليحصد جنودها ، أنه الموت الذي يحوم فوق الرؤوس ، ليحصد كل من دخل اتونها ، واحترق في بركانها الملتهب ، وهو يمزجه بالحزن في حساء ملتهب
نضج الحزن
الى تخوم اليأس أذهب
واملأ البرية بشوق جليل
الجحيم يترصدك
والحرب / مطبخ الجنرال !
( الجنرال الطيب يعد حساء الجنود للغربان الهرمة )
اما قصيدة ( كثيراً ما ندمت ) فأنها رحلة طويلة لحياة لاشيء فيها سوى الندم ، وهي صورة رمزية واضحة لواقع حياتنا المضمخ بالندم
كثيرا ما ندمت
على حروب تتباهى بكنوز الدم
على نساء يسحلن الاغنيات الى المذبح
على جهات تتخفى بالخرائط
على صفحات ما عادت صفحات
على ليل يفرط بسواده
وهكذا يستمر سياقها الفني ملتزما بوحدة موضوعها الندم ، لتقدم لنا حالات الندم بكل انواعه الحياتية وبشكل غزير وواسع ليشمل حياتنا في هذه البلاد ، وأشياءنا الكثيرة التي ندمنا عليها ، يختم الشاعر رحلة الندم هذه ، بصورة رؤيوية عميقة ومعبرة وصادمة في نفس الوقت
الحرب مشغولة بدائرة الاطفاء
أنا مشغول بالتدخين
ليتسع ثقب الاوزون
الكهان يتهمونني بمحاولة اغتيال
انا ادخن
ادخن
ادخن
وفي قصيدة (فولاذ ) يحيل الشاعر بنية قصيدته ، الى حديد منصهر ، ودخان ، ونار ، وصفيح ساخن ، وهو في ذلك يعكس صورة حياتنا داخل هذا البلد بين الانفجارات والحرب ، انها حياة من الفولاذ ، ولكن بمخيلة حسية شعرية محتدمة وبصورة عميقة ومعبرة ، وهكذا هو مسار قصائد المجموعة التي ضمت إحدى و ثلاثين قصيدة ، تنوعت بزوايا النظر ، والحس الشعري ، واختلفت بافكارها ومضامينها واشكالها ، ونكاد نجد اوجه الاختلاف ، كما ان الشاعر وظف اللون الابيض بقصيدة (بياضات بيضة )
استطيع ان اقول اننا نمطر او نحارب او نحب
اننا السبب وليس العالم نتيجة بياضنا
فقط ،
السوق وبياضات تبيضها دجاجاتنا وتتعادل الكفتان
اما قصيدة ( اسود .. اسود ) فأنها صورة حالكة السواد ، وهي تأخذنا الى حزن شفيف مغلف برمزية اللون الاسود ، الذي يعني الموت الذي يخطف اعزاءنا ،
أن المجموعة الشعرية ( ليل سمين ) للشاعر علي فرحان ، رحلة متصلة وراصدة لحيواتنا في هذا البلد ، وماحدث فيه ، بصور شعرية متقنة عولجت بمخيلة شاعر اجاد صنعته ، وسوف يكتشف المتلقي الكثير من الثيم والافكار ، والبنى النصية الشعرية ، التي لم يسع الوقت للمرور عليها .
























