ذخائر ونفائس.. غنائم إمبراطوريات

ذخائر ونفائس.. غنائم إمبراطوريات
بقلم فيكتور هيغو
ترجمة و تقديم محمد زرنين الرباط
نقدم للقارئ الترجمة العربية مع بعض التصرف لنص شهادة تاريخية للشاعر الفرنسي فكتور هيغو يدين فيها الحملة الفرنسية ــ الإنجليزية 1860 على الصين والتي دمرت قصر الصيف ونهبته. وتظهر لنا هذه الشهادة التاريخية الهامة بعد النظر عند فكتور هيغو الذي يميز فيه بين الحكومات التي يحدث أن تكون مجرمة ومكونة من عصابات والشعوب التي لا يمكن أن نحملها مسؤولية جرائم حكوماتها. لكن النص يأخذ قيمته أيضا من كونه يظهر لنا جانبا من جوانب التاريخ الفعلي الذي جعل أوروبا متحفا للعالم، جانب نهب وسلب الغير المغاير لغة وحضارة وثقافة عناصر هويته وتعريفه لتحويله إلى موضوع للسيطرة.
كما يدعونا هذا النص الذي يتعالى على منطق عصره إلى استحضار جرائم عصابتي كل من جورج بوش وطوني بلير ومن كان معهما من صغار متعلمي ومحترفي الإجرام والنهب، وكل ما ارتكبوه من جرائم بالعراق في حق الشعب والحيوانات والنباتات والأرض والحضارة. لهذا نقترح هذا النص على القراء لكل غاية مفيدة، علما بأنه يمكن الحصول عليه في صيغته الأصلية مع ملف تاريخي من شبكة الأنترنيت، بحر العلوم والمعلومات ورحمة القارئين.
النص المعرب
سيدي، تطلبون رأيي في حملة الصين التي تجدونها رائعة ومُشرِّفة. كما أنكم طيبون بما فيه الكفاية لتعطوا قيمة ما لشعوري إزاء هذا الحدث. فهذه الحملة التي تمت تحت رعاية كل من الملكة فيكتوريا والإمبراطور نابليون هي مجد مقتسم بين كل من فرنسا وإنجلترا. وأنتم ترغبون في معرفة حجم القبول الذي أستطيع أن أخص به هذا الانتصار الإنجليزي الفرنسي. بما أنكم ترغبون معرفة رأيي، فها هو
في بقعة من بقاع العالم، كانت توجد إحدى عجائبه، وكانت تسمى قصر الصيف. للفن مبدءان الفكرة المثال التي قام عليها الفن الغربي، والحلم الخيال الذي أعطانا الفن الشرقي. كان قصر الصيف بالنسبة لفن الحلم ــ الخيال، ما كانه البارثنون بالنسبة لفن الفكرة ــ المثال. فكل ما كان بمقدور خيال شعب يكاد يكون خارقا، أن يتخيله جسده في هذا القصر. لم يكن كل ذلك عملا ناذرا ووحيدا كما بالنسبة للبارثنون، بل كان ذلك نموذجا عظيما للحلم، إذا كان من الممكن أن يكون للحلم نموذجا
تخيلوا بناء لا يوصف ولا يمكن التعبير عنه، شيئا يشبه بناء قمريا، وستكون لديكم صورة لقصر الصيف.
ابنُوا حُلما بالرخام والزمرد والبرونز والخزف، سقِّفُوه بخشب الأرز، وغطُوه بالأحجار، ألبسُوه الحرير، واجعلوا جناحا من أجنحته معبدا، وآخر خاصا بالحريم، وثالثا قلعة حصينة، أسكِنُوا فيه الآلهة والوحوش، لمِّعُوه، واصقلوه، وذهِّبُوه، وزخرِفُوه. وليَبْنِيَّهُ مهندسون هم شعراء الألف حلم وحلم لألف ليلة وليلة. أضيفوا الحدائق والأحواض حيث ينبثق الماء والزبد، وحيث تعيش طيور البجع وأبومنجل والطواويس. باختصار، افترضوا كهفا ساحرا، يشهد على جموح خيال الإنسان، ويأخذ شكل معبد وقصر في نفس الآن، هذا ما كانه ذلك القصر.
تطلب إبداعه العمل الدؤوب لجيلين. هذا البناء كان له حجم مدينة، وبني على مدى قرون. لمن؟ للشعوب، لأن ما يبنيه الزمن يرجع، في الأخير، إلى الإنسان.
كان الفنانون والشعراء والفلاسفة يعرفونه. فولتير تحدث عنه. وكان يقال البارثنون باليونان، والأهرام بمصر، والكوليزي بروما، ونوتردام بباريس، وقصر الصيف بالشرق. وإذ كنا لا نراه، فإننا كنا نحلم به. كان رائعة من الروائع المذهلة، رائعة آتية من الأقاصي، لا نعرف من أي أفول، لتلقي بضلال الحضارة الآسيوية على أفق حضارة أوروبا.
هذا القصر الرائع، لم يعد موجودا
في يوم من الأيام، دخلت إلى قصر الصيف عصابتان. العصابة الأولى نهبته، والثانية أحرقته. معهما تحول، على ما يبدو، الانتصار إلى لصوصية، والمنتصر إلى لص وناهب. فقد تم نهب قصر الصيف وتدميره واقتسام كنوزه وذخائره مناصفة بين المنتصرين، مما يذكرنا بما فعله إلجان بالبارثنون. غير أن ما تعرض له البارثنون تعرض له قصر الصيف على نحو أكمل بحيث لم يترك أي شيء منه. فكل كنوز كتدرائياتنا لن تتساوي مع هذا المتحف الساحر للشرق. لم يكن يحتوي على روائع الأعمال الفنية فقط، بل كان يحتوي على ذخائر من الحلي النفسية.
إنجاز حضاري عظيم تحول إلى صيد ثمين. أحد المنتصرين ملأ جيوبه، والثاني ملأ صناديقه. ورجعا معا إلى أوروبا محملين مثقلين وضاحكين. هذه هي قصة العصابتين. نحن الأوروبيون متحضرون، وبالنسبة لنا، الصينيين مجرد متوحشين. هذا ما فعلته الحضارة بالتوحش، والمتحضرون بالمتوحشين
أمام التاريخ، ستسمى العصابة الأولى فرنسا، والثانية إنجلترا. إنني أحتج، وأشكركم لأنكم أعطيتموني فرصة التعبير عن رأي إن جرائم الحاكمين ليست من مسؤولية المحكومين، إذ يمكن للحكومات أن تكون أحيانا مجرمة، أما الشعوب فلا يمكنها ذلك أبدا.
استولت الإمبراطورية الفرنسية على نصف غنائم هذا الانتصار، وهي اليوم تعرض هذا الخليط من الغنائم وتتباهى به بنوع من سذاجة المالك، وتتباهى بهذا الذي نهبته من قصر الصيف. آمل، أن يأتي يوم، تتطهر فيه فرنسا وتتحرر فترجع إلى الصين ما نهبته. في انتظار ذلك، هناك سرقة وسارقان. هذا ما أسجله.
AZP09