دور النشر ومعاناة المؤلف

دور النشر ومعاناة المؤلف

باستثناء المؤلفين الذين استطاعوا كسب عدد من القراء يتابع مؤلفاتهم ويقدم على شرائها، فأن اغلب المؤلفين يعاني مشكلات الطباعة والنشر والتوزيع وهناك من تدفعه هذه المعاناة لخسائر كبيرة وتأجيل وترك مشروعه الثقافي دون طبع ونشر وتوزيع لان الكتاب لا يباع وان الدار التي قامت بطبعه ونشره تحمل المؤلف تبعات عدم رواجه وتبعات نقله وخزنه أيضا. واذا كانت هذه المشكلات قليلة في المراحل السابقة فان بعض الحكومات العربية تعمل على تخفيفها وتخفيف وطأتها على المؤلفين وأصحاب دور النشر فانها في المرحلة الراهنة قد زاد ضغطها على المؤلفين وأصحاب دور النشر اذ اصبح اغلب دور النشر والطباعة والتوزيع يطالبون المؤلفين بمبالغ معينة لطبع ونشر وتوزيع ما قدموا من مخطوطات، وهناك من يوهم المؤلفين بنشر وتوزيع كتابه في المعارض العربية والدولية وعلى الكليات والمعاهد والجامعات ولكن الكتاب يأخذ طريقه الى المخازن ليظهر بعد فترة عند باعة الأرصفة وأصحاب العربات بأسعار زهيدة، وقد تكون مشكلات الطباعة والنشر والتوزيع مصاحبة للكتاب بكل مراحل طبعه ونشره وتوزيعه فالمؤلف يطالب بورق معين وحروف معينة، ويأتي بغلاف متعدد الألوان وبلوحة ذات الوان متعددة وصاحب المطبعة يريد ان يفرض رأيه، وان يكون الورق متواضعا ومن النوع الذي يستجيب لمصالحه وذلك ما ينطبق على الحروف أيضا. ويحصل ان يفرض صاحب المطبعة على المخطوط صيغة معينة قد تم فرضها على كتب سابقة، كما يحصل ان تطالب المطبعة بنقل النسخ المعدة للمؤلف من مكان يبعد عن مكان المؤلف لمسافات طويلة، ذلك ان صاحب المطبعة يحاول ان يحصل على اكبر قدر من الأرباح نتيجة طبع الكتاب. ويريد المؤلف العراقي ان يوزع وينشر كتابه في مصر ولبنان وسورية ولأنه لا يستطيع متابعة ذلك بنفسه فانه يترك التوزيع والنشر للمطبعة التي تولت طبع ونشر وتوزيع الكتاب، وقد تكون صادقة في هذه المهمات او تمارس بعضها وتترك المهمات الأخرى، اذ لا يوجد من يتولى مسؤولية الطبع والنشر والتوزيع نيابة عن المؤلف، والعلاقة بين المؤلف ودار الطباعة والنشر والتوزيع تصاحب الكتاب في مختلف مراحله ولا توجد جهة ذات مسؤولية قانونية وثقافية لمتابعة طبع ونشر وتوزيع الكتاب في مختلف مراحله. والحقيقة ان هذه العلاقة رغم ما يكتنفها من صعوبات ومشكلات فقد انتجت الكثير من المؤلفات وكانت ذات تصميم جيد وذات عناية جيدة بغلاف وتصميم الكتاب، وذات قدرة على منافسة افضل المطبوعات في بعض المعارض، وهذه المطبوعات الجيدة كانت عاملا مشجعا على الذهاب الى دور الطبع والنشر والتوزيع التي قد ينحصر تحركها في مطبعة صغيرة او بعدد قليل من الحاسبات، او ينحصر في مكتبة محدودة من شارع معين مثل شارع المتنبي وشوارع أخرى في مدينة بارزة من المدن العربية. وعندما تقارن هذه الدور بما كانت عليه تجد انها كانت ذات افضلية في السابق لانها كانت ذات تعامل قانوني ومالي وثقافي مبرمج ومرتب، وكأن المؤلف يحصل منها نتيجة طبع ونشر وتوزيع كتاب معين على عدد من النسخ، وعلى مبالغ معينة وهي تزداد مع الازدياد في بيع الكتاب وازدياد الطلب عليه. وهناك محال تستقبل أصحاب المخطوطات وتجري معهم حوارا حول نوعية وكمية المطبوع دون ان تنال من حقوق الطبع والنشر والتوزيع وقد وجدنا ان بعض أصحاب هذه الدور قد انتقلوا بها من عاصمة لأخرى ومن مكان لاخر متحدين ما يواجههم من مشكلات ومن معوقات ومن تحديات، قد يكون بعضها سياسيا اذ تتعامل بعض الحكومات العربية مع دور الطبع والنشر والتوزيع وكأنها المسؤولة عن سياسة حكوماتها، وتضع الشك وعدم الثقة بمجمل ما تعرض من كتب الامر الذي يدفع هذه الدور الى اغلاق اجنحتها وعدم تكرار العرض في معرض هذه الدولة او تلك، ويصل التدخل في المعرض الدولي للكتاب الى حد عدم السماح لكتب والسماح لكتب أخرى ومع أهمية دور الطباعة والنشر والتوزيع في العملية الثقافية والترويج للكتاب وايصاله للقراء والباحثين الا ان هذه الوسائل كانت وماتزال بعيدة عن تاريخ الحركة الثقافية، وعن تطورها وما يحصل فيها من متغيرات، وكان ومايزال الباحث في شؤون الثقافة ودورها وحضورها لا يجد ما يحتاج اليه من معلومات عن النشر والطباعة والتوزيع، لان هذه المعلومات ان وجدت فهي قليلة ومحدودة وقد تكون مراحل مهمة من مراحل الواقع الثقافي غائبة عن التوثيق والتاريخ، او ان العلاقة فيها بين الثقافة والنشر والطباعة غير موجودة بما ينبغي من التفاصيل والوثائق وكأن هناك من يحاول عزل الطباعة والنشر والتوزيع عن الواقع الثقافي واعتبار الثقافة متضمنة لهذه الوسائل المهمة ولا توجد ضرورة لذكرها ما دامت الثقافة قد احتوتها واحتوت نتائجها. ونستدل من الدراسات والبحوث التي تنشر أحيانا ان لا تتعامل مع الطباعة والنشر والتوزيع من خلال العملية الثقافية وما يحصل فيها من تطورات وانتكاسات وانما تضعها بمعزل عن هذه العملية وهذا ما نلاحظه في اغلب الدراسات والمقالات، وكأن هناك اجماعا على عزلها عن الواقع الثقافي وكأن الحلقة مفقودة بين الثقافة ووسائل تصنيعها والترويج لها والعمل التقني الموجه لخدمتها، وعلى أساس ذلك فان المطلوب تعزيز حضور دور النشر والطبع والتوزيع في الحركة الثقافية وإيجاد هيئات في كل اتحاد ادبي، تتابع عملية طبع ونشر وتوزيع الكتب التي تطبع في بلده وعملية نقل الكتب المطبوعة الى بلد المؤلف وان تكون المعلومات والتفاصيل الخاصة بالطبع والنشر والتوزيع متوفرة، وذات علاقة مع التفاصيل الأخرى للعملية الثقافية. ومع أهمية دور الطباعة والنشر والتوزيع في العملية الثقافية وطبع ونشر وتوزيع الكتاب والترويج له وايصاله للقراء والباحثين الا ان هذه الطرق والوسائل كانت وماتزال بعيدة عن تاريخ الحركة الثقافية وعن تطورها ومتغيراتها وما يحصل فيها من مستجدات ويحصل أحيانا ان يلجأ مؤلف الى عرض معاناته الناجمة عن اقدامه على طبع ونشر وتوزيع كتابه ولكن هذا العرض غالبا ما يكون محدودا وقصيرا ولا يتم متابعته في اطار دراسة موسعة عن الموضوع نفسه. ان تاريخ الطباعة والنشر والتوزيع في العراق يقدم نفسه من خلال مراحل سابقة ومن خلال بعض العموميات عن هذه المراحل فيما تزدحم المرحلة الراهنة بالكثير من المشكلات الخاصة بالطبع والنشر والتوزيع، ولا تقدم دراسات عنها، ذلك ان من يقدم على دراسة قضايا ومشكلات الطباعة والنشر والتوزيع يجد نفسه امام معلومات شحيحة وامام ظاهرة خطيرة تتعامل مع دور الطباعة والنشر والتوزيع على انها ذات تقنيات مستوردة وليست من الحركة الثقافية وان اتحاد الادباء والكتاب العرب بحاجة شديدة لان يدرس إشكاليات العلاقة بين دور النشر والطباعة والتوزيع وبين الكتاب والادباء وتصحيح مسارها وتعزيزها وزيادة فاعليتها، اذ اصبح من المؤسف وغير الصحيح ان تسير المطبوعات الجديدة نحو المجهول وان تكون ساحة للصراع بين المؤلفين وأصحاب المطابع ودور النشر وان تأخذ المنظمات الثقافية دور المتفرج او تتصرف وكأن الأمور ليست من مسؤوليتها واختصاصها، وانها غير معنية بهذه القضية المهمة من العمل الثقافي.