دنى غالي: لازلت حتى اللحظة أكتب عن حياتي بالعراق
صعوبة التعايش مع الواقع في منازل الوحشة
إسلام عادل
دنى طالب غالي روائية عراقية تقيم في كوبنهاغن. أصدرت ثلاث روايات : النقطة الابعد (2000)، حين تستيقظ الرائحة (2006) و منازل الوحشة (2013)، اضافة الى العديد من الترجمات. تتعمق غالي في ادبها بأغوار الشخصية العراقية و انعكاسات الاضطرابات السياسية و تأثيرها فيها. ففي روايتها . ففي “حين تستيقظ الرائحة” عرجت على ايام القمع و الاستبداد و كيف ادت الى شتات العراقيين من اصحاب الآراء و الانتماءات المعارضة الى اصقاع العالم البارد. فيعيشون بذاكرة الوطن التي لم يبق منها سوى شرارات تومض في لحظات الاحباط. اما رواية “منازل الوحشة” الحائزة على جائزة كتارا فتتمحور حول ما عقب حرب سقوط الصنم و تبعاتها التي لا تزال طازجة في ذاكرتنا. في حوارنا معها، تجيب غالي عن اسئلتنا المتعلقة بالكتابة، الادب، تأثير الغربة و روايتها الاخيرة منازل الوحشة.
{ متى كتبتي اول مرة؟ و لماذا لازلت تكتبين؟ و لماذا تكتب المرأة؟
ذكرت مرة أن مادة الانشاء ضمن درس اللغة العربية كانت من أحبّ المواد إلي، من ناحية أخرى لم يكن حتى وصف “يوم ممطر” سهلا عليّ في الابتدائية، لكل منا في ظني تصوراته المعقدة عما تعنيه الكتابة ومنذ البدايات. يمكن باختصار القول إني لا أصلح لغير ذلك، ولكن يذهب البعض في الظن ان مواصلة الكتابة هي مواصلة في الهروب وهذا اعتقاد خاطئ بما يخصني فعالم الأدب هو عالم مواز لعالمنا نعيد فيه كتابة ما يذكره الناس مما عاشوه في ماض بعيد وما يعيشونه وذلك كله وفق تصوراتنا فنضيف حنينا، احتقارا، تعاطفا، غبطة لهذا الوجه أو تلك الحادثة، وإن لم نقم بالمهمة على وجه أكمل لن يكون باستطاعتنا أن نقنع أحدا، كأن وظيفتنا تتلخص أحيانا في أن نجعل القارئ يصدّق اكذوبتنا، أن تنطلي اللعبة عليه، ويعني ذلك أيضا أننا ككتّاب نتصدى لمهمة شاقة منذ بدايتها. كيف تسألين لماذا تكتب المرأة؟ المرأة تكتب كما يكتب الرجل، كإنسان يمتلك القدرة في أن يخلق نصا يميزه عن غيره، هذا هو التصنيف الأهم لمن يقف خلف النص. تميّز هذا النص يكون لأسباب عديدة، منها مدى حساسية الكاتب لما حوله، مدى انسانيته، ذكاء تناوله لموضوع ما، في التقاطه لإشارات ومواقف تلّخصه بالإضافة إلى لغته. حين نقرأ عن مشاعر “أيما” التي وصفها غوستاف فلوبير في روايته مدام بوفاري التي كتبها في العام 1857 لن نفكر بمن كتبها، سنفكر بذلك السأم الذي أصاب تلك الشابة بسبب روتين حياتها، سنفكر في محنتها بين أن ترقى لما يفرضه المجتمع وبين ما يتناوشها من أهواء وجنون ورغبة شديدة بفضّ هذا الرباط والانعتاق. الرواية أثارت الازدراء في حينها لأنها فرضت جدلا جديدا تناول جوانب حياتية انسانية دقيقة تختفي وراء واجهة السيدة التقليدية الفاضلة وما تحت قبعتها، حتى قيل إن فلوبير تحدث هنا عن نفسه. بدوري فقد كتبتُ كثيرا عن أبطال رجال في رواياتي من دون تهيب أو تردد في الولوج داخل الشخصية بغض النظر عن جنسها.
{ من هو عرابك؟ و ما هو العمل الادبي الذي تعيدين قرأته دائما؟
في الصف السادس الابتدائي حظيت بمعلمة لغة عربية شديدة جدا، ولكن دورها كان كبيرا في تضاعف حبي للغة وللأدب عامة. كانت تفرض علينا استعارة كتاب من مكتبة المدرسة وفق جدول منظم ويتعين علينا التحدث أو كتابة ملخص عنه. ما زلت أذكر عنوانا مثل “حول العالم في ثمانين يوما” ودواوين لبدر شاكر السياب وأخرى من التراث. قد قرأت كل الأدب العالمي الكلاسيكي المترجم الموجود على رفوف المكتبة في البيت مبكرا جدا، ولم أقرأ لنجيب محفوظ بشكل كاف. قرأت لغادة السمّان ونوال السعداوي في المتوسطة والاعدادية والتهمت الروايات الأولى للكاتب اسماعيل فهد اسماعيل، لجبرا ابراهيم جبرا وعبد الرحمن منيف وفؤاد التكرلي. وأتمنى لو كان لدي وقت لأعيد قراءة كتاب أو كتابين، فكثير من الكتب التي قرأتها مبكرا اكتشفت أني لم أفقه منها شيئا.
{ سؤال تقليدي لا بد من طرحه، كيف ساهم نشوؤك في عائلة مثقفة على اكتشاف و صقل موهبتك؟
ولكي لا يكون الجواب تقليديا فالعائلة مضافا إليها المحيط الذي عشناه كان لهما دور عظيم في بثّ الرعب في نفسي من التقرب من الشعر على سبيل المثال، وفي الحذر الشديد من الكتابة السهلة. لا أبالغ في ذلك فالدعم الذي منحتني العائلة إياه يقابله الجانب الذي ذكرته أولا.
{ كيف اختلف تفاعلك مع الأدب قبل وبعد الاغتراب؟
القراءة والكتابة شأن علوم انسانية أو تطبيقية أخرى ادراكها يصير أعمق بالتجربة والفضاء الحر. كل المناهج التي درسناها سواء في الاعدادية أو الجامعة كانت بطريقة الحفظ والتلقين على يد مدرسين ومدرسات أغلبهم كانوا فاشلين، لم ندرس تطبيقات مادة الرياضيات مثلا أو الهندسة أو الفيزياء عمليا. والتفاعل هو عملية تراكمية لا علاقة لها بما قبل وبعد. أن تكوني مستقلة في قرارك، ان تسافري وتتعرفي على تقاليد قرية نائية، ان تفاجئك الحياة بمحنة، كل ذلك له تأثير مباشر وغير مباشر في تفاعلك مع تقرأين وتكتبين.
{ كيف أثرت أوربا ادراكاتك الفكرية لتغني و توسع تجربتك الادبية؟
الخيارات تكون مفتوحة أمامك و لا شيء غير هذا. بالإمكان التملص من الجمع إلى حد ما. ثقافة ال”نحن” أمام ال”انا” تقذفك رأسا إلى مختبر الحياة. ما زلت بين فترة وأخرى أخطأ بين قوسين باستهلالي الكلام بـ “إحنه” فيأتي السؤال إياه مباشرة؛ أنتم من؟ يجب أن يكون لك رأيا في كل شيء، رأيك الخاص الذي ينم عن قناعتك أنت ونابع من تجربتك انت، أو قراءتك أنت. وأيضا تختزل صيغ المبالغة شيئا فشيئا حتى تلغى، وتصطف الحقائق الى جانب بعضها بخصوص أمر ما بدلا من الحقيقة الواحدة.
{ كتبتي الادب بلغتين مما يعني بثقافتين مختلفتين، كيف اختلفت تجربة الكتابة بأكثر من ثقافة خصوصا انك انفصلت عن الثقافة الأولى منذ اكثر من عشرين سنة؟
لم أكتب قبل مغادرتي العراق، ولكني لازلت حتى اللحظة أكتب بذاكرة حياتي في العراق وبجزء من مخيلتي ووعيي أنذاك مع تواصلي الحالي مع ما يحدث، ما يختلف ربما هو المحيط فالجملة تكون نتاج كل ما ذكرت مضافا إليه إيقاع الحياة هنا، الطقس، الكلمات اليومية المتداولة، الذائقة والانشغالات بتدرجّها والسلوكيات، المحيط ينشّط أيضا زوايا في الدماغ قد تختلف فيما لو كنت ما زلت في البصرة. وما تبقى متروكا لحكم القارئ والناقد. وشعريا فمجاز القطار باستخدامي اليومي له كان إلى جانب النخلة التي لازمت حياتي بكل مراحلها.
{ هل تتضايقين ان علمتي اني و في احدى قراءاتي لمنازل الوحشة كنت استمع لشوبان؟
لا، لا أجمل من “ليليات” شوبان، انسيابيتها وروحها الشفافة ولكأن ضوءا خافتا ينعكس من موشور، يسطع بألوانه عبرها، وأتمنى عليك أن تستمعي إلى قصيدة غوته “أيرل كوينغ” أيضا التي ذكرت في منازل الوحشة، وضع موسيقاها شوبرت وهناك عدة ترجمات لها على النت، كنت أستمع إليها في الفترة التي كتبت فيها الفصل الذي يتحدث فيه سلوان لأول مرة بلسانه. مستوحاة من الأساطير الاسكندنافية، عن الخوف المتربص بنا والشعور المكرس بفقدان الطمأنينة في عالمنا ، عن رعبنا من تلك الروح الشريرة التي ستأخذنا بغتة من هذا العالم.
عن “منازل الوحشة”:
{ يصدم القارئ و منذ الصفحات الاولى من الرواية بالإخفاقات و التناقضات التي ينتكس بها الشخصيات، فيجد نفسه مشتتا و في منتصف أحداث لا يعرف كيف بدأت، هل من الممكن أن يكون هذا التشتت سببا لجذب القارئ الذي سيبحث عن مخرج؟
إن كان السؤال يخص الجانب التقني فلو أتيح للقارئ أن يدخل دماغي سيتفاجأ بمنطق سير الأحداث وتعاقبها ومبررات تناوبها. في الذهن هناك خزانة كبيرة تحوي أرففا وجوارير وخانات للتعليق، والمادة التي بحوزتي تكون لها مصنفات مصففة وفق نظام، تماما كما في ترتيبنا لملابسنا، البدلات، ملابس النوم، الملابس الداخلية، الجوارب الأحزمة والأربطة. الروابط أو الأنظمة التي تجمع بين الأفكار الكبيرة والصغيرة في الرواية خفية، بحاجة إلى تأمل ، تمعن، استنتاج وخيال. وعلى أرض الواقع فالكثير من الأحداث ذاتها كانت على درجة من التعقيد، ولكن المغامرة في تناولها لم تكن لتخلو قطعا من الوقوع في التكرار والعادية والتسجيلية . وأنا سعيدة للقراءات المختلفة تماما التي جاءت بخصوص النص.
{ كيف حبكتي الصراعات النفسية التي تجذب القارئ لواقعيتها و سلبيتها، الصراع مع المحيط و الصراع مع الذات، عبرتي عن مشكلة عدم الانتماء التي يعاني منه الفرد!
سلوان لا مكان له ضمن مجتمع قائم على أساس البقاء للأقوى وقد جرّد من طابعه المدني وما صار عليه كان نتيجة للصراعات التي احتدمت في داخله. الذي يتابع ما مر به العراق ويمر به يفترض مقدما ظهور هذه الصراعات التي ذكرتيها والتضاد بين ما يكون عليه الفرد من الداخل وبين ما يعيشه على السطح ضمن واقعه. هذه الشخصيات كانت معارضة أساسا لواقعها، ملكت درجة من الحساسية لما حولها تصل لدرجة المرض لبعض منها، لذا صعب عليها التواطن مع ما فرضه الواقع بتحولاته السلبية المتسارعة. وحتى آراء بعض القراء التي لم تنسجم مع طبيعة هذا الشاب ولم تحببه عكست وجوده ورفض الاعتراف به في آن واحد.
{ تناولت واحدة من الفترات المتوترة سياسيا و امنيا و هي الفترة الممتدة من 2006 الى ما بعد صولة الفرسان في نهاية 2008، برأيك لماذا يعمد الكتاب بعد 2003 الى ان تكون السياسة عامل اساسي لتخطيط العالم الروائي؟
السياسة تحكمنا و لا يمكن المراوغة بفعل واقعنا وتاريخ العراق في كتابة قصة حب على سبيل المثال تتناول حبيبين يجلسان على مصطبة في حديقة ضمن كواليس مستقرة لا تخيم عفونة الحروب فيها، لا تحوم عليها أشباح جنود، دكتاتور، سجون، مليشيات ودماء.
{ شخوصك خائفة، ربما تبالغ بخوفها، لم عمدتي الى خلق شخصيات تطاردها اشباح الخوف، تتكأ على المجهول؟ لأني و حين افكر بهم لا اجدهم الا خائفين بلا مصدر قوة غير الهروب من الواقع بسيجارة.
لأنك أكثر واقعية منهم. كما ذكرت صعوبة التعايش مع الواقع تضاعف من خوفنا في الخطو خارج الصدفة التي نشعر بحمايتها لنا. الروي كان على لسان أم سلوان ( عدا الفصل الذي تحدث سلوان بنفسه)، وهي أم مرتعبة من فكرة فقدانها لابنها فتبذل ما بوسعها لإنقاذه، لذا عشنا جوا لم يخل من هذه المفردة. الخوف له تعريفات عديدة والنوبات التي مر بها سلوان ليست مجرد خوف. يمكن ان يتملك الخوف شابا يعيش ظرفا مستقرا كأن يكون في الدنمارك ما يجعله غير قادر على ممارسة يومه وحياته من دون مساعدة. لدى سلوان حالة مرضية غير معترف بها في بلداننا ولا يتنبه إليها الغالبية حتى من الاطباء بسبب فوضى كل ما يدور من حولنا. لسلوان محاولتا انتحار يجب التوقف عندها، واللجوء إلى الشرب والسيجارة لم يكن مجرد تعبير عن هروب فقط.
{ موضوع الاختباء و الوحدة و الذي يتمثل بحياة سلوان المنعزلة، كيف شابه وحدة الانسان العراقي قبل و بعد حرب سقوط الصنم؟
كما ذكرت يشترك كثيرون في العالم في نوعية الأزمة التي يعاني منها سلوان وجزء منها هو صعوبة التأقلم مع الواقع بشروطه، حالة نجدها في المجتمعات المستقرة والمائجة على السواء، هذا من جانب، ومن جانب آخر فسقوط الصنم كشف عن حقيقة مؤلمة في كونه أحد الاسباب وليس جميعها، أي إن هناك خلل أعظم يكمن فينا نحن.
{ اشعر ان منازل الوحشة هي الوجه الاخر من المعاناة التي سردتها في رواية حين تستيقظ الرائحة. فحين تعصف بنا هموم الوطن اما ان نتشتت و نعيش بذاكرة ترعبنا كما حصل لرضا و مروى و نهلة الذين يحاولون نسيان مرارات الوطن في العالم البارد او يستسلمون للواقع المفروض و يبحثون عن منافذ في داخل الوطن كما حصل لسلوان و امه و سعد، ما تعليقك؟
حسنا، مازلنا نتحدث حول خصوصية مجتمعنا ضمن ظروف حرب لذا لابد من مشتركات، ولكن بتصوري فالشخوص التي تناولتها في حين تستيقظ الرائحة تختلف في كونها واجهت عالما مختلفا، وضعت على المحك عبر تجربة تغيير المحيط و”نهلة” على سبيل المثال تنفرد في كونها الشخصية التي حاولت ان ترمي بماضيها خلفها وتواصل من أجل حياة أكثر إيجابية لأطفالها ولها. “رضا” الرجل العراقي الذي يدعمه المجتمع ويخلق له شخصية لم يتبناها هو ذاته يجد نفسه فجأة وقد جرد من كل هذه “الدروع” وصار عاريا. اهتــــــزت شخصيته وتخبط في اتخاذ قرارات صــــــائبة.
{ السؤال التالي في الصفحة 28 من منازل الوحشة: من حرك هذه البشاعة؟ لماذا نحن؟ لماذا في هذه البقعة من العالم؟. بعد ثلاث سنوات من كتابة الرواية، هل وجدتي جوابا؟
ربما في الانضمام إلى فريق المؤمنين بنظرية المؤامرة ولو لفترة، تحتاج النفس إلى تسكين لأن الدماغ ظل يعمل 24 ساعة في بحثه عن جواب . التقيت في سفرتي الاخيرة بأستاذ جامعي هندي أمريكي كان مؤمنا تمام الايمان في تفسير ما حصل في الحادي عشر من سبتمبر، بأن أمريكا كانت بحاجة الى ” بيرل هاربر” جديدة وهو الهجوم المباغت الذي شنته اليابان على القوة الجوية الامريكية في المحيط الهادي في ميناء هاربر وأدى من بعد الى دخول أمريكا الحرب مع أوروبا. ولكن هذا لا يعني أن نخلي مسؤوليتنا مما حدث ويحدث حاليا للأسف.
لو سمحتي، علقي على الاقتباسات التالية:
{ “بودي لو تسود هذه الشاشة و تكتم صوت تلك الحرية المضحكة التي يتحدثون عنها”(ص. 45).
الصورة كانت شديدة الوضوح من على مبعدة!
{ ” بغداد مثل ذبيحة خرجت احشاؤها فأثارت معدتي، كل شيء اخذ بالتعطل في ظل ايمان واه غريب بالأمل” (ص.46).
ببالي مقولة مؤداها ان عالم الكاتب يشبه ذهنه ولا يشبه وجهه بالضرورة!
{ “ان صوت الله ضائع بين المولدات التي لا تهجع” (ص. 88).
قصدت ضعف هذا الإيمان الذي يسنّون باسمه وكل ما يدعون.
{ “العالم من حولي مجموعة من الاشياء غير المنسجمة مع بعضها، مثلي تماما” (ص. 162).
رغبته الشفافة في الكمال ربما!
{ “يدربون الذكور على الافتراس كما يدربونها هي على ان تتقن دور الفريسة المثالية.. ان الاحتفال بالرجولة يكون عن طريق الغريزة و العنف” (ص. 165).
يا إلهي، هل كتبت أنا هذا؟ معقول هذه المباشرة؟ يجب إعادة صياغتها.
دنى غالي. منازل الوحشة. 2013. دارالتنوير. بيروت.
























