
دراسات حرة في الأدب الحديث
إستقراء أدباء من أجيال مختلفة
ناطق خلوصي
صدر مؤخرا ً ضمن ” منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتّاب في العراق ” ، كتاب ” دراسات حرة في الأدب الحديث ” للباحث والناقد الدكتور نجاح كبة، وجاء في 283 صفحة من القطع المتوسط، وضم ثلاثا ً وعشرين دراسة تتوزع بين الشعر والسرد، كان للشعر الحصة الأكبر فيها .
يقول المؤلف في تبرير وصف دراساته بأنها ( حرة ) : ” وقد حاول المؤلف أن يستعين بأدوات نقدية استنتاجية ، وأن يبتعد قدر الإمكان عن النقد الكمي لكي تكون دراساته موضوعية ومستندة إلى الأسلوب النقدي السليم …… وهي ترجح كفة التحليل النقدي المستند إلى الاستقراء والوصف ” ( ص 5 ) ?وفي المنحى الذي سلكته الدراسات ما يؤكد ذلك .
لعل في مقدمة ما يميز دراسات الشعر في هذا الكتاب أنها تعتمد التنويع وتستقرىء واقع الشعر العراقي من خلال شعراء وشاعرات من أجيال مختلفة ، وتُستهل بالدراسة التي تحمل عنوان ” الحداثة في شاعرية محمد سعيد الحبوبي وفكره” التي تستعرض جوانب من سيرة حياة الشاعر، وتحفل بمعلومات ربما تكون غائبة عن أذهان الكثيرين من المهتمين بهذا الشاعر الكبير. تتوقف الدراسة عند موضوعة الحداثة في شاعرية الحبوبي فتقول أن من حداثة الحبوبي في شاعريته ” أن شعره يجمع بين الغزل العرفاني الحسي والخمرة وهذه المتعة أو اللذة كانت كسرا ً لرتابة الحياة في بيئة النجف آنذاك ” ( ص 8 ) . وتتوقف الدراسة عند اختيار الحبوبي لنمط فني من الموشحات الأندلسية وتورد نماذج مما كتبه من هذه الموشحات ، ثم تعرّج على استعمال الحبوبي للتخميس في شعره في شكل من أشكال حداثته الشعرية .. ويخلص المؤلف إلى القول بأن الحبوبي ” أراد أن يربط الدين بالحياة وألا يكون الدين بعيدا ً عن العقل ” ( ص.(21 في الدراسة الثانية ، يتناول الكتاب سيرة حياة الدكتور عبد الرزاق محي الدين ويستقرىء مسيرته الإبداعية شاعرا ً ومفكرا ً ،متتبعا ً مراحل تحصيله العلمي ، مارا ً بما شغله من مواقع تعليمية وثقافية وسياسة ومتوقفا ً عند ما أصدره من كتب . يشير الكتاب إلى دور الدكتور محي الدين في عملية التحديث داخل المجتمع النجفي إذ وقف إلى ” جانب الفئة المثقفة يسندها بأفكاره وشعره ” و ” وقف موقفا ً حداثويا ً آخر في المعركة التي حدثت في النجف التي تسمى بمعركة ( الشيوخ والشباب ) التي تصاعد مدها أوائل العشرينات وكانت هذه المعركة بين فريقين من الشعراء هما ( المجددون والمقلدون ” ص 32 ) ) وقد انحاز إلى المجددين سواء في مواقفه أو في شعره ، لكنه ظل منحازا ً إلى الشعر العمودي وكان له موقف متشدد من بعض الشعر الحديث الذي انقطعت الصلة بينه وبين الشعر القديم كما يقول .
شاعرية الصاقي
ويقدم الكتاب في دراسته الثالثة قراءة عن شاعرية أحمد الصافي النجفي وشعره.، يناقش من خلالها ما جاء في كتاب ” شاعرية الصاقي ” لخضر عباس الصالحي فيما يخص مسيرة الصافي الحياتية وعبقريته وحلوله في السجن وموقفه من قضية فلسطين والصافي العاشق وعلاقته بالرئيس الفرنسي ديغول .. والصافي بحكم انتمائه إلى النجف وترعرعه فيها نشأ في بيئة دينية وتأثر بها . وتوقف الكتاب عند موقف الصافي النجفي في ثورة العشرين التي ” استطاعت أن
تغذي بذرة الشاعرية فيه وتنميتها فاندفع حبه للثورة ” ص 42 ) .) وكان بيت الصافي باندلاع الثورة ” مقرا ً عاما ً ضد الاحتلال الإنكليزي ، وموئلا ً للخطباء والشعراء والقادة الوطنيين ” ص 43 ) ) و يرد المؤلف على ما ورد في كتاب الصالحي من آراء وأفكار لا يراها دقيقة أو سليمة .
وينتقل الكتاب بعد ذلك إلى الشعر الحديث فيتوقف أولا ً عند جوانب من تجربة عبد الوهاب البياتي .الشعرية مشيرا ً إلى تعدد المدارس الأدبية التي طرقها بدءاً بالرومانتيكية ومرورا بمدارس ” أخرى منها السريالية والوجودية والواقعية الثورية الاشتراكية موظفا ً الأسلوب الدرامي والملحمي والحكائي والقناع والرمز وسائحاً كونيا ً عبر المنافي والمدن ” ( (59علما ً أن الوجودية حركة فلسفية تركت بصماتها على الأدب والفن من خلال المبدعين المؤمنين بها وبالتالي فهي ليست مدرسة أدبية، وليس هناك مصطلح يحمل تسمية ” الواقعية الثورية الاشتراكية ” فالمصطلح المتداوَل هو” الواقعية الاشتراكية” Social Realism. قد لا نتفق مع بعض ما ذهب إليه المؤلف لاسيما أن النماذج الشعرية التي اختارها لا تشي بمثل هذا التنوع والتنقل بين المدارس المختلقة .ومما يؤكد قولنا أن المؤلف نفسه يقول عن الشاعر : ” وفي تحولاته الفكرية والشعرية كسر العلاقات اللغوية المألوفة ومال إلى اللغة المحلية ووظف الأمثال والحكايات الشعبية وصارت قصائده عبارة عن مقاطع بلقطات سريعة أو على شكل سردي يفتتح بمركز و سرد ثم النهاية ” ص59 ) .) وبعد أن يعرّف المؤلف السريالية ويتناول جوانب من تاريخها ،بشير إلى أن الأسس التي قامت عليها السريالية في شعر البياتي تتمثل في : التهكم والفكاهة وما هو مدهش وغير طبيعي في الأدب والفن وفي الحلم والآلية والجنون والمخيلة ، ويورد أمثلة على ذلك من خلال نماذج من شعره .
ولمحمود درويش حضور في الكتاب حيث يتناول المؤلف ديوانه الأخير ” لا أريد لهذه القصائد أن تنتهي ” فيستعرض من خلال ذلك جوانب من سيرة الشاعر وما عاناه منذ طفولته وانعكاسات معاناة وطنه على شعره ، و يقول: ” يتناغم محمود درويش مع شعراء المهجر في إيجاد بعد فلسفي ديوانه الأخير …. فاللاأدرية مهيمنة على مسرودات شعره الذي يتداخل فيه الأسلوب السردي والميلودرامي والحكائي وكأنه يتناص مع إيليا أبو ماضي ولكنه يأتي باسلوب جديد ” ( ص 79 ).
وتحت عنوان ” التورية في الشعر: مقتربات بين محمد الماغوط وموفق محمد انموذجا ً “يقارن المؤلف بين هذين الشاعرين ويستهل الحديث عنهما بقوله ” يقطر شعر محمد الماغوط وموفق محمد ألما ً وحزنا ً ويتفجر أسىً وحسرة على الواقع المأساوي الذي يعيشه الإنسان ولاسيما الانسان العربي والعراقي ” (ص 98 ) ? ويعقد مقارنة بينهما من خلال ما يستشهد به من شعر كل منهما، ويخلص إلى القول أن الصورة الشعرية ” عند الشاعرين منتزعة من الواقع وهو ما جعل شعرهما بعيدا ً عن الخيال اللاواعي متجذرا ً بحب الوطن والإنسان بعيدا ً عن المزايدات ” ص (108 ).
ويتحدث الكتاب عن سايكولوجية تاشعر العراقي النسوي المعاصر ويحدد المحطات السايكولوجية لهذا الشعر ، ومن خلال النماذج الشعرية ، بـ ” الإعلاء والتسامي والتقمص وشحنة الموضوع والسادية والمازوخية والكبت ومبدأ الواقع والاغتراب والإحباط “. ومما قد يؤخذ على هذه الدراسة أنها تجمع بين شاعرات معروفات مثل نازك الملائكة وعاتكة الخزرجي ولميعة عباس عمارة وبشرى البستاني وزهور دكسن ، بشاعرات لم تترسخ أسماؤهن بعد .
وتكاد الدراسة التي تحمل عنوان” من العواطف الأنثوية في إبداع الشاعرة العراقية ” تأتي امتدادا ً للدراسة التي سبقتها في طبيعة مضمونها والنماذج التي اختارها المؤلف .
ويخص المؤلف قصيدة ” القطة في الوجود ” للشاعر رعد عبد القادر بدراسة عن السريالية والصوفية في هذه القصيدة ، يخلص فيها إلى القول ” رسم الشاعر العلاقة بين الذكورة والأنوثة بقصيدة تشكيلية ” ( ص 271 9 .. ويختتم محور دراسات الشعر بالدراسة التي تحمل عنوان ؟ حينما يرثي الشاعر نفسه ” يتحدث فيها عن قصيدة الغراب لمحفوظ داود سلمان يعمد فيها إلى تحليل القصيدة .
يضم محور السرد ثماني دراسات تُستهل بالدراسة التي تتناول قصصا ً من الأدب العبري وهي الدراسة الوحيدة التي تتناول مثل هذا الموضوع حتى لتبدو غريبة عن السياق الذي اعتمده المؤلف والذي يتمثل في تناول الأدب العربي والعراقي منه على نحو ِ خاص ، وقد يشفع لزجها هنا كون الكتاب يشير إلى أنه يتناول دراسات حرة تحديدا ً .
عالم الحداثة
يتناول المؤلف موضوعة التكنيك الأسلوبي في مجموعة ” ماما تور …. باب تور ” القصصية لميسلون هادي ، فيقول أن القاصة ” تتوغل في تأطير قصصها بصياغة أسلوبية تقتحم بها عالم الحداثة وما بعد الحداثة فهي تجرب أكثر من أسلوب حداثي في مدونتها القصصية لأنها تطوع الفانتازيا واللامعقول كالخيال العلمي وأسلوب الأسطورة في البناء السردي لتفاجىء القارىء بلا معقولية حياة الإنسان المعاصر واغترابه ـ أو هكذا هي ترى ـ بأسلوب ساخر ” ص (303 ) فيلخص بذلك الأسلوب الذي تعتمده القاصة في التعامل مع مادة قصصها .الثلاث عشرة التي تضمها المجموعة .
ويخصنا المؤلف بثلاث دراسات عن ثلاث من رواياتنا المنشورة ، ويعمد في قراءته النقدية للرواية إلى تحليل النص والكشف عن مواقع القوة والضعف فيه . يقول عن رواية ” شرفات الذاكرة ” أنها ” تتناص مع السيرة الذاتية وتسرد على لسان راوِ من الدرجة الأولى وهو الذي يروي قصة بنفسه ، وحين تتداخل القصة أو الرواية مع السيرة الذاتية لابد أن يتلون الصدق الواقعي مع الصدق الفني “( ص (209 . أما عن رواية ” اعترافات زوجة رجل مهم ” فيقول : ” وظف الروائي فن التداخل والاسترجاع فكان يسرد قصتين متداخلتين تلعب فيها الشخوص نفسها في كل قصة ” ( ص (223 . وتحت عنوان ” المرئي واللامرئي في رواية البحث عن ملاذ ” يقول : ” الرواية جاءت بحق من صانع ماهر أتقن لعبة صنع روايته بأفكار شاعرية ” ( ص (232 .
يتناول المؤلف مجموعة ” المسلات ” القصصية لعبد الستار البيضاني من خلال الحديث عن ثيمات السرد القصصي واستخدام القاص الأسلوب المونودرامي والسيرة الذاتية والعامة مع الإشارة إلي حالات التناص في أكثر من موقع.وفي دراسته عن رواية ” بصراوية ” لصادق التميمي يقول أن الرواية جاءت ” بلقطات سينمائية كان الروائي فيها يمارس استعمال السيناريو للمونتاج الصائب في إنتاج الرواية إذ يتخطى القاص استعمال الأسلوب الكلاسيكي في روايته ويعمد إلى تصوير الأحداث الصغيرة ليخلق منها عالم الرواية الكبير ” ( ص (249 .
ويختتم محور السرد بدراسة تحمل عنوان ” قراءة في ثلاث قصص ” يتناول فيها قصتي ” في صباح ما ” و ” شمس وفنارات ليل وأرجوحة ” لموسى كريدي ، وقصة ” الحادث ” لعائد خصباك ، ويستشهد برأي إيجابي للناقد نهاد التكرلي حول قصة موسى كريدي الأولى ويرى في الوقت نفسه أن قصة ” الحادث ” لعائد خصباك انما هي رد فعل انعكاسي لقصة ” في صباح ما ” وإنها ” تشكل معها تعاكسا ً ضديا ً والتقاء وبعبارة موجــــزة كانت قـــصة ” في صباح ما ” تمشي على رأسها فجعلها عائد تمشي على قدميها ” ( ص (262 .
على الرغم مما رافق هذا الكتاب من أخطاء طباعية وخلل في التبويب أ فإنه يظل إضافة نوعية للمنجز الإبداعي للدكتور نجاح هادي كبة في مجالات البحوث والدراسات والنقد الأدبي ، وهي المجالات التي عرف بها ويواصل التوغل فيها بشكل متواصل ..
























