
خطوات جديدة في قصائد هاربة
إنبعاث من فضاء بنية النص
يوسف عبود جويعد
تأتي قصيدة الومضة الشعرية حالة متممة لمسيرة حركة تطور الشعر ، ابتداء من قصيدة الشعر العمودي ، ثم قصيدة التفعيلة او الحر ، وقصيدة النثر ، وهي نتاج هذه المسيرة الكبيرة والطويلة لتاريخ الشعر ، كونها تعتمد على التكثيف العميق ، والمفردة التي يجب ان تكون منبثقة من اعماق هذا التاريخ الشعري الطويل ، وهذا يعني ان قصيدة الومضة ليس بالامر السهل ، بل انها اصعب الانماط الشعرية ، واهمها ، كونها لحظة توهج شعري عميق ، تنطلق من مخيلة الشاعر كومضة تضيئ دهاليز افكاره ، وعليه احتواؤها وتدوينها ،وتكوينها في بناء شعري متكامل ، لا يختلف عن بناء اي قصيدة اخرى ، اذ يجب ان تتوفر فيها كل ادوات بناء القصيدة ، الثيمة ، وحدة الموضوع النسق التصاعدي ، والسياقات الفنية الاخرى ، ويقدم لنا الشاعر حسن الموسوي ، في مجموعته الشعرية الومضية (قصائد هاربة) وهي مجموعته البكر ، قصائد شعرية ومضية ، دخلت في كل جوانب حياتنا ، وغاصت في اعماق النفس لتستخرج مكنونها ، وهي تزيح عنها الرماد لتؤجج من جديد وتتوهج لتكون ومضة شعرية تمس شغاف القلب ،تؤثر في المتلقي ، وتثير فيه الشجون الشعرية ، وهو يمتلك مخيلة شعرية خصبة ، ومفردة مكثفة عميقة الصور والدلالات والاستعارات والانزياحات ، التي تصب في خدمة وحدة الموضوع ، اذ أننا سوف نجد ما يؤكد استخدام البناء الفني الصحيح ، خلال اول قصيدة ومضية نطالعها في هذه المجموعة وهي (شكوك)
الخطوات الثقيلة
تسير
هاربة منك ،
لا اعباء
سوى
ظنونك القديمة ..
ما زالت
على كتفيك ..
وبالرغم من اختزالها وتكثيفها ، الا انها تعد قصيدة شعرية استخدمت فيها كل ادوات صناعة قصيدة الشعر ، اضافة الى هذا الصوت الذي يرافقها ، المفعم بالهم والكبير ، والشكوك التي تهيمن عليها ، وقدرتها على تقديم الصورة الرؤية بشكل واضح ، ثم نجد ذلك اكثر عمقاً واكثر تأثيراً ، واعمق صورة في القصيدة الومضية (توحد)
أشباح آخر الليل
تعبث بأوراقي دائماً،
رسائلي المشفرة
لا احد يقرؤها ..
أن هذا الحس الشعري ، المنبعث من فضاء بنية النص ، وهو مزيج مركب ، بين سكون الليل ، ووحشة النفس ، والاحساس بالوحدة ، والاحساس بالضياع ، كلها تشير الى قدرة الفصيدة الومضية على تقدية الثيمة بمقوماتها الفنية المطلوبة ، اما قصيدة الومضة الشعرية (ثمن) والذي استطاع الشاعر ان يعد بناءها بتكثف عميق ، وبأختزال موفق ، حيث ان عدد كلماتها خمس كلمات فقط، الا انها قامت بدورها كقصيدة ومضية جمعت كل ادوات صناعة القصييدة الشعرية .
الجسد
قائمة رخيصة
لنهايات مكلفة..
وفي القصيدة الشعرية (دائماً) نجد ملامح الخط الشعري الذي اتخذه في صياغة هذا النمط من الانماط الشعرية
احلام مدمنة
تسكن رأسي
رغم اشباح حميمة
تثمل
في وقت متأخر ..
وكذلك نجد الصورة الشعرية ودلالاتها ورموزها واستعاراتها الانزياحية ، تتجلى بابهى صورها ، وهو يعيش حالة التأمل والاسى والندم في القصيدة الومضية الشعر ية (تلاشي)
مثل حبات الرمل ،
من بين يدي
تسربت
ملامحك
القديمة ..
اما القصيدة الومضية الشعرية (ماضي..) فأنها تنقل لنا ملامح صورة هذا الماضي بلغة شعرية مفرطة بالحساسية ، وبتكثيف جاء في خدمة البنية النصية ، وهو ينقل هذه الذكريات محض جراح
تنزف،
تلك الذكرى
المسكونة بالرغبة ..
ونجد هذا الاستحضار الجميل والمتناقض في ذات الوقت ، في القصيدة الومضسة الشعرية (تجدد) اذ انه يضع امامنا صورتين للمحبوبة ورؤيتين مختلفتين ، فهو يرى وعبر مفعومه واحساسه بالزمن صدئة ، بينما يراها في روحه تتجدد كل يوم
وجهك
في مرايا الزمن
ملامح صدئة ،
لكنك
داخلي
صورة كل يوم ..
بعد هذه الرحلة في نثايا النصوص الومضية في المجموعة (قصائد هاربة) للشاعر حسن الموسوي ، نجده قد وفق في ان يضع خطوته في هذه المسيرة الشعرية ، وان بامكانه ان يكون اكثر وقعاً ، واكثر تأثيراً في صياغة هذا النمط من الانماط الشعرية الصعبة ، والتي تتطلب مقدرة فائقة وحسا شعريا مرهفا، معرفة تامة بكل الانماط الشعرية ، لانها حصيلة هذا التطور الكبير.
























