خطر‭ ‬غامض‭ ‬يفتك‭ ‬بالقنافذ‭ ‬المائية‭ ‬ويهدد‭ ‬المرجان‭ ‬في‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر

قناديل‭ ‬بحر‭ ‬بطول‭ ‬سنتيمتر‭ ‬واحد‭ ‬وليس‭ ‬لديها‭ ‬دماغ‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬التعلّم

إيلات‭- ‬باريس‭ – (‬أ‭ ‬ف‭ ‬ب‭) – ‬يحذر‭ ‬علماء‭ ‬الأحياء‭ ‬البحرية‭ ‬من‭ ‬تهديد‭ ‬جديد‭ ‬يطال‭ ‬الشعاب‭ ‬المرجانية‭ ‬المذهلة‭ ‬في‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر،‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬النفوق‭ ‬الجماعي‭ ‬لقنافذ‭ ‬البحر‭ ‬بسبب‭ ‬مرض‭ ‬غامض‭ ‬محتمل‭.‬

تستذكر‭ ‬ليزا‭ ‬ماريا‭ ‬شميدت‭ ‬لحظة‭ ‬اكتشافها‭ ‬وزملاء‭ ‬لها‭ ‬نفوقاً‭ ‬جماعياً‭ ‬لمجموعات‭ ‬من‭ ‬قنافذ‭ ‬البحر‭ ‬قبالة‭ ‬شواطئ‭ ‬إيلات‭ ‬في‭ ‬جنوب‭ ‬إسرائيل،‭ ‬قرب‭ ‬الحدود‭ ‬مع‭ ‬الأردن‭ ‬ومصر،‭ ‬في‭ ‬حادثة‭ ‬غامضة‭ ‬تُعرّض‭ ‬بقاء‭ ‬الشعاب‭ ‬المرجانية‭ ‬قبالة‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر‭ ‬للخطر‭.‬‮ ‬

وتقول‭ ‬شميدت‭ “‬عندما‭ ‬قفزنا‭ ‬إلى‭ ‬الماء،‭ ‬لاحظنا‭ ‬فجأة‭ ‬أنّ‭ ‬كل‭ ‬تلك‭ ‬العينات‭ ‬التي‭ ‬كنا‭ ‬نراها‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬زالت‭ ‬ولم‭ ‬يبق‭ ‬إلا‭ ‬هياكل‭ ‬عظمية‭ ‬وأكوام‭ ‬من‭ ‬الأشواك‭”.‬‮ ‬

في‭ ‬كانون‭ ‬الثاني‭/‬يناير،‭ ‬تناهى‭ ‬إلى‭ ‬مسمع‭ ‬الفريق‭ ‬أن‭ ‬قنافذ‭ ‬البحر‭ ‬قبالة‭ ‬إيلات‭ ‬تموت‭ ‬بسرعة،‭ ‬فتوجهوا‭ ‬إلى‭ ‬إحدى‭ ‬النقاط‭ ‬المعروفة‭ ‬بكثرة‭ ‬القنافذ‭ ‬من‭ ‬جنس‭ “‬دياديما‭ ‬سيتوسوم‭”.‬

في‭ ‬الموقع،‭ ‬لم‭ ‬يعثر‭ ‬الفريق‭ ‬إلا‭ ‬على‭ ‬بقايا‭ ‬لقنافذ‭ ‬بحر‭ ‬سوداء‭ ‬ذات‭ ‬أشواك‭ ‬طويلة،‭ ‬واعتقدوا‭ ‬بداية‭ ‬أن‭ ‬التلوث‭ ‬المحلي‭ ‬هو‭ ‬السبب‭.‬‮ ‬

لكن‭ ‬خلال‭ ‬أسبوعين،‭ ‬بدأت‭ ‬الأنواع‭ ‬نفسها‭ ‬التي‭ ‬تعيش‭ ‬عند‭ ‬الساحل‭ ‬في‭ ‬محمية‭ ‬المعهد‭ ‬المشترك‭ ‬بين‭ ‬الجامعات‭ ‬لعلوم‭ ‬البحار،‭ ‬بالنفوق‭.‬

وفي‭ ‬غضون‭ ‬48‭ ‬ساعة،‭ ‬عثر‭ ‬العلماء‭ ‬على‭ ‬القنافذ‭ ‬نافقة‭ ‬بسبب‭ ‬مرض‭ ‬مجهول،‭ ‬بعدما‭ ‬كانت‭ ‬تعيش‭ ‬في‭ ‬خزانات‭ ‬مملوءة‭ ‬بالماء‭ ‬المتدفق‭ ‬من‭ ‬البحر‭ ‬على‭ ‬بعد‭ ‬أمتار‭ ‬قليلة‭.‬

وخلص‭ ‬الباحثون‭ ‬الذين‭ ‬رصدوا‭ ‬قنافذ‭ ‬نافقة‭ ‬على‭ ‬مساحة‭ ‬كبيرة‭ ‬وصولا‭ ‬إلى‭ ‬جنوب‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الحالات‭ ‬طالت‭ ‬نوعين‭ ‬من‭ ‬القنافذ‭ ‬البحرية‭ ‬هما‭ “‬دياديما‭ ‬سيتوسوم‭” ‬و‭”‬إكينوثريكس‭ ‬كالاماريس‭”‬،‭ ‬دون‭ ‬غيرهما‭ ‬من‭ ‬الأنواع‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تطرأ‭ ‬عليها‭ ‬أي‭ ‬تغييرات‭.‬‮ ‬

عند‭ ‬زيارتها‭ ‬للمنطقة،‭ ‬رصدت‭ ‬صحافية‭ ‬من‭ ‬وكالة‭ ‬فرانس‭ ‬برس‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الأسماك‭ ‬الملونة‭ ‬تسبح‭ ‬حول‭ ‬المحمية‭ ‬البحرية‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تسلم‭ ‬من‭ ‬تأثير‭ ‬البشر،‭ ‬إذ‭ ‬انتشرت‭ ‬فيها‭ ‬أكياس‭ ‬وأكواب‭ ‬بلاستيكية‭ ‬أمسكت‭ ‬شميدت‭ ‬بمجموعة‭ ‬منها‭ ‬وألقتها‭ ‬على‭ ‬بزة‭ ‬الغوص‭ ‬الخاصة‭ ‬بها‭ ‬للتخلص‭ ‬منها‭ ‬لاحقا‭.‬‮ ‬

بالنسبة‭ ‬للفريق،‭ ‬فإن‭ ‬فقدان‭ ‬أنواع‭ ‬قنافذ‭ ‬البحر‭ ‬المعروفة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬له‭ ‬تأثير‭ ‬مدمر‭ ‬على‭ ‬البيئة،‭ ‬إذ‭ ‬أنها‭ ‬تأكل‭ ‬الطحالب‭ ‬التي‭ ‬تنمو‭ ‬بشكل‭ ‬أسرع‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬الشعاب‭ ‬المرجانية‭.‬‮ ‬‭ ‬وتقول‭ ‬شميدت‭ “‬تتفوق‭ (‬الطحالب‭) ‬على‭ ‬الشعاب‭ ‬المرجانية‭ ‬وتخنقها‭ ‬وتقتل‭ ‬مساحات‭ ‬كاملة‭ ‬منها‭”.‬‮ ‬‭ ‬وتضيف‭ “‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يؤدي‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬تدمير‭ ‬النظام‭ ‬البيئي‭ ‬للشعب‭ ‬المرجانية‭ ‬بأكمله‭”.‬‮ ‬

وأثناء‭ ‬سيرها‭ ‬على‭ ‬طول‭ ‬الشاطئ،‭ ‬التقطت‭ ‬شميدت‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الطحالب‭ ‬وألقتها‭ ‬داخل‭ ‬زعانف‭ ‬الغوص‭ ‬الخاصة‭ ‬بها‭ ‬قبل‭ ‬إطعامها‭ ‬لقنافذ‭ ‬البحر‭ ‬التي‭ ‬تعيش‭ ‬في‭ ‬الخزانات‭. ‬حادثة‭ ‬مشابهة‭ ‬لما‭ ‬حصل‭ ‬في‭ ‬إيلات،‭ ‬شهدها‭ ‬البحر‭ ‬الكاريبي‭ ‬في‭ ‬المحيط‭ ‬الأطلسي‭.‬‮ ‬

اكتشفت‭ ‬عالمة‭ ‬الأحياء‭ ‬ميا‭ ‬بريتبارت‭ ‬أخيراً‭ ‬سبب‭ ‬حالات‭ ‬النفوق‭ ‬الجماعي‭ ‬لقنافذ‭ ‬البحر‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬البحر‭ ‬الكاريبي،‭ ‬وينتابها‭ ‬قلق‭ ‬من‭ ‬التأثير‭ ‬المستقبلي‭ ‬المحتمل‭ ‬لهذا‭ ‬النفوق‭.‬‮ ‬‭ ‬وتقول‭ ‬لوكالة‭ ‬فرانس‭ ‬برس‭ “‬أعتقد‭ ‬أن‭ ‬الأمر‭ ‬مخيف خصوصاً‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬المنطقة،‭ ‬وفي‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر‭ ‬حيث‭ ‬من‭ ‬الشائع‭ ‬أن‭ ‬الشعاب‭ ‬المرجانية‭ ‬لها‭ ‬قدرة‭ ‬عالية‭ ‬على‭ ‬التأقلم،‭ ‬أعتقد‭ ‬أن‭ ‬العالم‭ ‬يتوسّم‭ ‬خيراً‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الشعاب‭”.‬‮ ‬

العام‭ ‬الماضي‭ ‬وتحديدا‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬بدأت‭ ‬بريتبارت‭ ‬تسمع‭ ‬أن‭ ‬أنواع‭ ‬من‭ ‬جنس‭ “‬دياديما‭ ‬أنتيلاروم‭” ‬المشابهة‭ ‬للقنافذ‭ ‬البحرية‭ ‬في‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر‭ ‬تغيّر‭ ‬سلوكها‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تموت‭ ‬بأعداد‭ ‬كبيرة‭.‬‮ ‬

استمر‭ ‬الوضع‭ ‬في‭ ‬التدهور‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬الكاريبي‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تعاني‭ ‬حتى‭ ‬اليوم‭ ‬تبعات‭ ‬حادث‭ ‬مماثل‭ ‬في‭ ‬الثمانينات‭ ‬لم‭ ‬يُكتشف‭ ‬سببه‭ ‬بعد‭ ‬وتصفه‭ ‬بريتبارت‭ ‬بأنه‭ “‬مدمر‭ ‬تماما‭”.‬‮ ‬

خلال‭ ‬أشهر،‭ ‬خلصت‭ ‬بريتبارت‭ ‬مع‭ ‬العلماء‭ ‬العاملين‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬أنحاء‭ ‬منطقة‭ ‬الكاريبي‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬النفوق‭ ‬الجماعي‭ ‬عائد‭ ‬إلى‭ ‬عامل‭ ‬مَرَضيّ،‭ ‬ما‭ ‬بعث‭ ‬الأمل‭ ‬في‭ ‬إمكان‭ ‬اكتشاف‭ ‬سبب‭ ‬نفوق‭ ‬القنافذ‭ ‬البحرية‭ ‬في‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر‭.‬‮ ‬‭ ‬يحاول‭ ‬عمري‭ ‬برونشتاين‭ ‬من‭ ‬جامعة‭ ‬تل‭ ‬أبيب‭ ‬والفريق‭ ‬في‭ ‬إيلات‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬المواقع،‭ ‬التوصل‭ ‬إلى‭ ‬سبب‭ ‬الحالات‭ ‬المسجلة‭ ‬في‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر‭.‬‮ ‬

ويتساءل‭ “‬هل‭ ‬نتحدث‭ ‬عن‭ ‬العامل‭ ‬الممرض‭ ‬نفسه‭ ‬الذي‭ ‬ضرب‭ ‬منطقة‭ ‬الكاريبي‭ ‬مثلا؟‭ ‬أما‭ ‬أننا‭ ‬أمام‭ ‬سيناريو‭ ‬مختلف‭ ‬تماما‭”. ‬وأعرب‭ ‬بورنشتاين‭ ‬الذي‭ ‬يدير‭ ‬مختبرا‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬تل‭ ‬أبيب‭ ‬حيث‭ ‬يضع‭ ‬القنافذ‭ ‬البحرية‭ ‬في‭ ‬أوعية‭ ‬زجاجية،‭ ‬عن‭ ‬أسفه‭ ‬لأنه‭ ‬من‭ ‬المستحيل‭ ‬وقف‭ ‬هذا‭ ‬النفوق‭ ‬الجماعي‭.‬‮ ‬‭ ‬ويستدرك‭ “‬لا‭ ‬يمكننا‭ ‬أن‭ ‬نتعامل‭ ‬مع‭ ‬المحيط‭ ‬كما‭ ‬نتعامل‭ ‬مع‭ ‬البشر‭ ‬المصابين‭ ‬بفيروس‭ ‬كورونا‭”‬،‭ ‬أي‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬اللقاحات‭.‬‮ ‬

ويحاول‭ ‬الفريق‭ ‬العلمي‭ ‬حالياً‭ ‬إنشاء‭ ‬مجموعة‭ ‬حاضنات‭ ‬من‭ ‬أنواع‭ ‬قنفذ‭ ‬البحر‭ ‬المصابة‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬فصلها‭ ‬وحجزها‭ ‬قبل‭ ‬إطلاقها‭ ‬في‭ ‬البحر‭ ‬عند‭ ‬زوال‭ ‬الخطر‭.‬‮ ‬‭ ‬كما‭ ‬يسعى‭ ‬الفريق‭ ‬إلى‭ ‬معرفة‭ ‬كيفية‭ ‬وصول‭ ‬المرض‭ ‬إلى‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر،‭ ‬هل‭ ‬جاء‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬سفينة‭ ‬وبالتالي‭ ‬يجب‭ ‬تنظيف‭ ‬السفن‭ ‬لتقليل‭ ‬خطر‭ ‬انتشار‭ ‬العامل‭ ‬المسبب‭ ‬للمرض،‭ ‬أم‭ ‬هناك‭ ‬سبب‭ ‬آخر‭.‬‮ ‬

ويحذر‭ ‬برونشتاين‭ “‬هذا‭ ‬أمر‭ ‬يمكننا‭ ‬إصلاحه،‭ ‬لأن‭ ‬المرض‭ ‬التالي‭ ‬في‭ ‬الطريق،‭ ‬ربما‭ ‬يكون‭ ‬في‭ ‬أحد‭ ‬الموانئ‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬إحدى‭ ‬السفن‭ ‬التي‭ ‬تبحر‭ ‬حاليا‭ ‬في‭ ‬محيطاتنا‭”.‬‮ ‬

فيما‭ ‬تتمتع‭ ‬قناديل‭ ‬بحر‭ ‬لا‭ ‬يتجاوز‭ ‬طولها‭ ‬سنتيمتراً‭ ‬واحداً‭ ‬وليس‭ ‬لديها‭ ‬دماغ‭ ‬بالقدرة‭ ‬بواسطة‭ ‬عنصرين‭ ‬هما‭ ‬الرؤية‭ ‬والمحفزات‭ ‬على‭ ‬تعلم‭ ‬تجنّب‭ ‬العوائق،‭ ‬وبالتالي‭ ‬يُعدّ‭ ‬الأداء‭ ‬المعرفي‭ ‬أمراً‭ ‬لم‭ ‬يسبق‭ ‬له‭ ‬مثيل‭ ‬لدى‭ ‬هذه‭ ‬الحيوانات‭ ‬التي‭ ‬تعود‭ ‬سلالتها‭ ‬إلى‭ ‬بدايات‭ ‬عالم‭ ‬الحيوان‭.‬‮ ‬

ويتسم‭ ‬قنديل‭ ‬البحر‭ ‬الكاريبي‭ ‬أو‭ ‬قنديل‭ ‬البحر‭ ‬الصندوقي،‭ ‬واسمه‭ ‬العلمي‭ ‬Tripedalia‭ ‬Cystophora‭ (“‬تريبدالا‭ ‬سيستوفورا‭”) ‬بقدرة‭ ‬مذهلة‭ ‬على‭ ‬إيجاد‭ ‬طريقه‭ ‬في‭ ‬المياه‭ ‬العكرة‭ ‬أو‭ ‬داخل‭ ‬متاهة‭ ‬من‭ ‬جذور‭ ‬المنغروف‭ ‬المغمورة،‭ ‬وسواها‭ ‬من‭ ‬العوائق‭ ‬التي‭ ‬يُفترض‭ ‬به‭ ‬تجنبها‭ ‬لئلا‭ ‬تتلف‭ ‬الغشاء‭ ‬الجيلاتيني‭ ‬الهش‭ ‬الذي‭ ‬يغلف‭ ‬جسمه‭ ‬الشبيه‭ ‬بشكل‭ ‬جرس‭.‬

وتتمكن‭ ‬هذه‭ ‬القناديل‭ ‬من‭ ‬تفادي‭ ‬العقبات‭ ‬ببراعة‭ ‬بفضل‭ ‬منظومة‭ ‬تتألف‭ ‬من‭ ‬اربعة‭ ‬أعضاء‭ ‬خاصة‭ ‬بالحواس،‭ ‬موزعة‭ ‬على‭ ‬جسمها‭. ‬يُسمى‭ ‬كل‭ ‬منها‭ ‬روباليا،‭ ‬ويحوي‭ ‬عينين‭ ‬على‭ ‬شكل‭ ‬عدسة‭ ‬ومركزاً‭ ‬لمعالجة‭ ‬الصور‭.‬

ويقتصر‭ ‬عدد‭ ‬الخلايا‭ ‬العصبية‭ ‬لكل‭ ‬روباليا‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬ألف،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬أن‭ ‬لدى‭ ‬ذبابة‭ ‬دروسوفيلا‭ ‬الصغيرة‭ ‬مثلاً،‭ ‬المرغوبة‭ ‬من‭ ‬المختبرات،‭ ‬200‭ ‬ألف‭ ‬خلية‭ ‬عصبية‭ ‬في‭ ‬دماغها‭ ‬الصغير‭.‬

والأهمّ‭ ‬أن‭ ‬سلالة‭ ‬اللاسعات‭ ‬التي‭ ‬ينتمي‭ ‬إليها‭ ‬قنديل‭ ‬البحر،‭ ‬على‭ ‬عكس‭ ‬كل‭ ‬الأنواع‭ ‬تقريباً‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬الحيوان،‭ ‬لا‭ ‬تمتلك‭ ‬دماغاً‭ ‬بالمعنى‭ ‬الدقيق‭ ‬للكلمة،‭ ‬بل‭ ‬لديها‭ ‬نظام‭ ‬عصبي‭ ‬مشتت‭. ‬وتبدو‭ ‬هذه‭ ‬الميزة‭ ‬مثيرة‭ ‬للفضول‭ ‬نظراً‭ ‬إلى‭ ‬القدرة‭ ‬الإدراكية‭ ‬لهذه‭ ‬القناديل‭.‬‮ ‬

وأثبتت‭ ‬الدراسة‭ ‬التي‭ ‬أعدّها‭ ‬يان‭ ‬بيليكي‭ ‬من‭ ‬جامعة‭ ‬كيل‭ ‬الألمانية‭ ‬وأندرس‭ ‬غارم‭ ‬من‭ ‬جامعة‭ ‬كوبنهاغن،‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الحيوان‭ ‬يستجيب‭ ‬مع‭ ‬ذلك‭ ‬لـ‭ “‬التكييف‭ ‬الفعال‭”. ‬وهذا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬التدريب‭ ‬يمكّنه‭ ‬من‭ ‬استباق‭ ‬نتيجة‭ ‬محتملة،‭ ‬وهي‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحالة‭ ‬اصطدامه‭ ‬بأحد‭ ‬الجذور‭.‬

وأوضح‭ ‬أندرس‭ ‬غارم‭ ‬لوكالة‭ ‬فرانس‭ ‬برس‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬القدرة‭ “‬تتجاوز‭ ‬قليلاً‭ ‬التكيّف‭ ‬الكلاسيكي‭” ‬كذلك‭ ‬الذي‭ ‬أظهره‭ ‬كلب‭ ‬بافلوف،‭ ‬بحيث‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬يسيل‭ ‬لعاب‭ ‬الحيوان‭ ‬عندما‭ ‬يرى‭ ‬وعاء‭ ‬طعامه‭.‬‮ ‬

من‭ ‬خلال‭ ‬تدريبه،‭ ‬يتعلم‭ ‬قنديل‭ ‬البحر‭ “‬التنبؤ‭ ‬بالمشكلة‭ ‬المستقبلية‭ ‬ومحاولة‭ ‬تجنبها‭”. ‬واشارت‭ ‬الدراسة‭ ‬التي‭ ‬نشرت‭ ‬في‭ ‬مجلة‭ “‬كارنت‭ ‬بايولوجي‭”‬‭ ‬الجمعة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬القدرة‭ ‬لم‭ ‬يسبق‭ ‬أن‭ ‬رُصدت‭ ‬لدى‭ ‬حيوان‭ ‬له‭ ‬جهاز‭ ‬عصبي‭ ‬بدائي‭ ‬مماثل‭.‬

‭- ‬المحفزات‭ ‬والتعلّم‭ -‬

وتحقق‭ ‬الباحثون‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬قنديل‭ ‬البحر‭ ‬الصندوقي‭ ‬يتعلم‭ ‬تقييم‭ ‬المسافة‭ ‬التي‭ ‬تفصله‭ ‬عن‭ ‬أي‭ ‬عائق‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ربط‭ ‬المحفزات‭ ‬البصرية‭ ‬للجذر‭ ‬والميكانيكية‭ ‬للاصطدام‭ ‬به‭.‬

ولهذا‭ ‬الغرض،‭ ‬وضعوا‭ ‬قنديل‭ ‬البحر‭ ‬في‭ ‬قفص‭ ‬صغير‭ ‬مستدير‭ ‬مملوء‭ ‬بالماء،‭ ‬جدرانه‭ ‬مطلية‭ ‬بأشرطة‭ ‬يزيد‭ ‬بالتدرج‭ ‬‮ ‬لونها‭ ‬الداكن‭ ‬تمثّل‭ ‬الجذور‭. ‬ولاحظ‭ ‬الباحثون‭ ‬أن‭ ‬القنديل‭ ‬تعلّم‭ ‬بسرعة‭ ‬التحرك‭ ‬على‭ ‬أوسع‭ ‬نطاق‭ ‬ممكن‭ ‬في‭ ‬قفص،‭ ‬عندما‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬رؤية‭ ‬الأشرطة‭ ‬وبعد‭ ‬اصطدامات‭ ‬قليلة‭ ‬بالجدران‭.‬‮ ‬

وتبيّن‭ ‬أن‭ ‬قنديل‭ ‬البحر‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يصطدم‭ ‬بالجدران‭ ‬إطلاقاً‭ ‬عندما‭ ‬تكون‭ ‬الشرائط‭ ‬ظاهرة‭ ‬جداً،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬يبقى‭ ‬بحذر‭ ‬في‭ ‬وسط‭ ‬القفص،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يحول‭ ‬دون‭ ‬تنقله‭ ‬في‭ ‬داخله‭ ‬وحصوله‭ ‬على‭ ‬الغذاء‭. ‬أما‭ ‬عندما‭ ‬كانت‭ ‬الشرائط‭ ‬غير‭ ‬ظاهرة،‭ ‬فكانت‭ ‬القناديل‭ ‬تصطدم‭ ‬باستمرار‭ ‬بالجدران‭.‬

‮ ‬باختصار،‭ “‬إذا‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬أحد‭ ‬المحفزين‭ ‬متوافراً‭ ‬لقنديل‭ ‬البحر،‭ ‬لا‭ ‬يستطيع‭ ‬التعلّم‭”‬،‭ ‬بحسب‭ ‬أندرس‭ ‬غارم‭. ‬ولكن‭ ‬إذا‭ ‬توافر‭ ‬المحفزان،‭ ‬لا‭ ‬يتطلب‭ ‬الأمر‭ ‬سوى‭ ‬ثلاث‭ ‬إلى‭ ‬ست‭ ‬محاولات‭ ‬لتعلم‭ ‬التنقل‭ ‬بسلاسة‭. ‬وقال‭ ‬العالم‭ “‬الأمر‭ ‬نفسه‭ ‬تقريباً‭ ‬ينطبق‭ ‬على‭ ‬الحيوانات‭ ‬التي‭ ‬تُعدّ‭ ‬أكثر‭ ‬تقدماً،‭ ‬كذبابة‭ ‬الفاكهة‭ ‬وسرطان‭ ‬البحر‭ ‬‮ ‬وحتى‭ ‬الفأر‭”.‬‮ ‬

وتحقق‭ ‬الباحثون‭ ‬من‭ ‬صحة‭ ‬فرضيتهم‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تكرار‭ ‬التجربة‭ ‬خارج‭ ‬الجسم‭ ‬الحي،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تحفيز‭ ‬عين‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬الروباليا‭. ‬واشار‭ ‬بيليكي‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬التجربة‭ ‬أكدت‭ “‬النظرية‭ ‬القائلة‭ ‬بإن‭ ‬عدداً‭ ‬صغيراً‭ ‬جداً‭ ‬من‭ ‬الخلايا‭ ‬العصبية‭ ‬يتيح‭ ‬التعلم‭”.‬

واعتبر‭ ‬أندرس‭ ‬غارم‭ ‬أن‭ ‬توافر‭ ‬قدرة‭ ‬كهذه‭ ‬لدى‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬الكائن‭ ‬البسيط‭ “‬يُظهر‭ ‬أنها‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬خاصية‭ ‬أساسية‭ ‬للجهاز‭ ‬العصبي‭”.‬

واضاف‭ ‬أن‭ ‬اللاسعات،‭ ‬وهي‭ ‬المجموعة‭ ‬التي‭ ‬ينتمي‭ ‬إليها‭ ‬قنديل‭ ‬البحر‭ ‬الصندوقي‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬الحيوان،‭ ‬تُعتبر‭ “‬مجموعة‭ ‬شقيقة‭ ‬لكل‭ ‬الحيوانات‭ ‬الأخرى‭”.‬

‮ ‬وافترض‭ ‬أن‭ ‬السلف‭ ‬المشترك‭ ‬لهاتين‭ ‬المجموعتين‭ ‬قبل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬500‭ ‬مليون‭ ‬سنة،‭ ‬طور‭ ‬نظاماً‭ ‬عصبياً‭ ‬كان‭ ‬يمتلك‭ ‬منذ‭ ‬ذلك‭ ‬الحين‭ ‬هذه‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬التعلم‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬الربط‭ ‬بين‭ ‬المحفزات‭.‬