حسن جودة في سفن فضية :
خطاب الإقصاء والحلم السردي – محمد جبير
هل يمكن لخطاب الانا ان يتقاطع مع خطاب النص ؟. ام يقود النص الى اناه ؟. ولماذا لايكون لكل منهما خطابه الخاص؟. بغية التكامل وصولا الى خطاب ممكن ان يتعايش مع المحيط الانساني في بقع جغرافية محددة يفترض بها القدرة على ان تعيش سلامها الخاص داخليا او خارجيا .
لاشك ان ” سفن فضية” لحسن جودة في حال الانتهاء من قراءتها قراءة اولى ، ترسخ لدى المتلقي قناعات في قصدية الكتابة السردية وظرفية هذه القصدية أي انها تناقش جدوى العمل السردي في زمن اصداره ، الا ان هذه القراءة قد تدفع الى قراءة اخرى متانية لتفكيك شفرات النص والتعرف على مدلولات الخطاب السردي ، من خلال اعادة تركيب او ترتيب البنية السردية وتعددية الايقونات التي استخدمت او استثمرها النص في تناميه على المستوى الافقي او العمودي إذا اردنا قراءة هذا النص قراءة سيميائية بتطبيق المربع السيميائي لغريماس وما جاء به من فتوحات على مستوى تفكيك شفرات النص . يخرج المتلقي بعد ان يفرغ من قراءة ” سفن فضية- الناشر دار سطور- 2016 ” ماسكا بشكل واضح بخطاب الآخر الاقصائي على المستوى الافقي في النص السردي ومن خلال التدرج التصاعدي لتنامي الحدث في متن النص ، اذ تحيلنا ” عتبة النص ” التي توسطت الغلاف الاول ” سفن فضية” بوصفها اول ايقونة بصرية جاذبة لعين المتلقي في الانتباه الى الكتاب والاحالة الى المكملات البصرية الاخرى في المشهد البصري الاول ، حيث الصورة ” اللوحة ، التي تتماهى مع العتبة وتتطابق في ترسيخ خطاب العتبة ذاتها ، من خلال مفردات البحر والسماء الغائمة بين الرمادي والابيض وكذلك مياه البحر الذي يلتقي بياضها مع بياض السماء فيما يفترق داكن البحر الى مناطق الاقصاء والتهميش في اسفل الصحفة.لحظة التأمل الفاحص للشكل الاخراجي لغلاف النص ، تحفز الذاكرة على نبش حفرياتها المعرفية والصورية بغية ايجاد شئ من التطابق في الشكل العام لسفن جودة مع محفوظات الذاكرة الصورية او المعرفية ، اذ يحيل الشكل الى السفن الحربية في عصور سحيقة والى سفن القراصنة كما قدمت اشكالها السينما العالمية او سفن الاستكشاف الجغرافي ، وهي احالة على التاريخ وليس احالة الى الحاضر ، فقد يوحي الامر او يضئ هذا الجانب من ذاكرة المتلقي ، الذي يقفز من هذا السطح البصري الى السطح الاخر وهو الغلاف الاخير الذي جاء اشهارا لنص من المتن السردي ، تم اختياره بعناية وليس عفويا ، من الصفحة 28 و29 ، من مقطع الافتتاح الذي حمل العتبة المسماة ” الفصل الاول ، الرض الاول”.وجاء على الشكل الاتي ” أصل الى المدرسة ، وأنا متأخر نصف ساعة عن الدرس الاول الذي هو ومن سوء حظي درس الست حذام . أطرق الباب وأنا الهث لاستأذن بالدخول الى الصف ، تواجهني بحاجبين مقطبين ، لاول مرة ادنو منها بهذا القدر فشاهدت كم كان لونها شاحبا ، وكم كانت طويلة كشجرة جرداء ، استحضر كل كلمة لقنتها لي والدتي ، وقبل ان انطق رأيت اسرابا كثيرة من الذباب الاخضر السمين بلونه اللامع الكريه وهو يخرج من تحت سقف فمها الاحمر وكأنه فر من سجن مظلم . تنتشر اسرابه المخيفة في الصف وتتجمع على شكل سرب واحد .يجوب ارجاء الصف وكأنه يبحث عن شئ ما . كان طنينه المزعج يشبه الصراخ . تجمع ليتحول الى خيط أخضر لامع ، أختار أذنيَ بابا للدخول الى رأسي وبدأ بالضرب على جدران جمجمتي محاولا تحطيمها . مست أرجله الخشنة التي تحمل اثار جثث متسفخة دماغي . اصبح المنظر أمامي كمن ينظر عبر زجاج أثقله الضباب . أنهالت دموعي على الرحلة ، يتحول سرب الذباب الاخضر الى احرف كلمات تترابط فتتحول الى….”.
يتضح من خلال هذا المشهد السردي والذي بني بعناية تعبيرية فائقة من اجل ايضاح قصد ما لم يتضح في مقتبس الغلاف لانه اخفي منه ليكون الثيمة المركزية او بؤرة الحدث الذي تفجر مايليه من تدفق سردي ، لنقف عند العبارات التالية التي اثثت المشهد المذكور وهي :
اولا : وصول التلميذ الى قاعة الدرس متأخرا بنصف ساعة .
ثانيا: سوء الحظ
ثالثا: مشاعر كره متبادلة
رابعا : شجرة جرداء
خامسا: استحضار كلمات الوالدة
سادسا: ذباب اخضر سمين
سابعا: سقف فمها الاحمر
ثامنا : سجن مظلم
تاسعا ” طنينه يشبه الصراخ
عاشرا: زجاج أثقله الضباب
يمكن توزيع مؤثثات المشهد هذه على العناصر القائمة في تجسيده الا وهي السارد والمتلقي المشارك في الحدث ” المعلمة” وفضاء النص ” زمانه ومكانه وهو الصف الدراسي”. فقد اشر المشهد منذ البداية مشاعر الكره المتبادلة بين التلميذ والمعلمة وهذا لم يأت بشكل فوري آني وانما جاء عن طريق سلسلة متوالية من المواقف التي انتجت حالة الكره التي ستؤدي في النتجة الى اقصاء الاخر او ازاحة سلطة مقابل سلطة اخرى تمتلك مركزية القرار والتأثير من حيث الازاحة والتهميش . في مقابل ذلك تكون كلمات الام التي تحفز السلطة ” المهمشة ” الابن – التلميذ لان يكون اكثر فعالية لتحقيق ذاته في البنية المجتمعية متجاوزا الذات التي يراد تحطيمها بفعل الاقصاء . مثلما يكون لخطاب الاقصاء ادوات اقصائية ورسالة واهداف ، فانه بالمقابل ينتج خطابا اخر مواجها لخطابه يتخذ من وسائله الدفاعية الاحتمائية وسيلة للدفاع عن خطابه الخاص الذي يشكل سر وجوده في مقاومته وتصديه للاخر .لكن كيف تصور ادوات الحماية والدفاع بوجه الاخر ؟. منذ البداية اراد السارد ان يحطم صورة الاخر المواجه مرتكزا على ” سوء الحظ” الذي اوقعه في هذا الموقف في مواجهة ” المعلمة” التي انتقم منها بالصاق صفات تقبح صورتها لدى المتلقي الذي يمكن ان يتعاطف معه اثناء فعل القراءة “حاجبين مقطبين ” علامة استياء من فعل التاخير او الشخص الذي قام بفعل التاخير وهو ماينسجم وجملة ” سوء الحظ” لتشكل ثنائياً درامياً في تسخين حال المشهد السردي ، وهذا القرب منها ادى به الى اكتشاف ” اللون الشاحب ، طويلة كشجرة جرداء “، وهو مايشيرالى حالة مرضية ” الشحوب ، جرادء ” وليس شرطا ان يكون مرضا عضويا وانما قد يكون مرضا نفسيا يتحكم في تصرفات وردود افعال الاخر . لذلك كان ” الذباب الاخضر السمين ، الفم الاحمر ، السجن المظلم” فقد اقرن الفم بدمويته بالسجن المغلق المظلم الذي اطلق الذباب الذي يقتات على الجثث المتفسخة ، تلك هي الصورة المرعبة للاخر في كلامه الذي يطلقه في فضاء النص ليلوث العقول البريئة عبر تشكله ” كخيط ” يدخل الى داخل الجمجمة ليكون طنينه في الخارج صراخا في داخل الجمجمة ، لكن ماهي تلك الجثث المتفسخة واين تقبع ؟. تضافر فضاء النص بما شكله من عناصر ضاغطة وخانقة للسارد ” التلميذ” مع سلطة المعلمة المركزية لازاحته الى زاوية الانهيار بعد ان كان يتخذ من الرحلة الاخيرة في الصف زاوية اقصاء على الرغم من قصر قامته الذي يمنعه من رؤية لوح الصف الاسود ، لينفجر ببكاء مر ، لكن لماذا هذه الصورة السوداء الاقصائية وليس هناك مايشير الى دوافع كل هذا الحقد الذي تجسد في عبارات هذا المشهد الذي ثبت على الغلاف الاخير والذي يبدو انه مقطوع او منفصل او غير كامل في سياقه الخاص كوحدة مستقلة ، اذ انه يحتاج الى جملة لتكملة النص بعد حرف الجر ” الى” الذي توقف عنده نص الغلاف الاخير ، حيث غيب السبب لنتعرف على نتائجه ، مما يضطر المتلقي الى الانتقال الى صفحات النص بين دفتي الغلاف لاكتشاف السبب ، والذي هو جملة الست ” حذام ” التي قالت فيها” اذن ايها الزنجي الصغير !!” .” الرواية – ص 29″.يتضح مما تقدم ان البؤرة الرئيسة للنص هي ” الزنجية ” كلون وشكل وعقيدة وسلوك ، ليس في زمن مضى وانما في الزمن الحالي ايضا زمن القص الحكائي ” هرعنا مسرعين الى المستشفى ، الذي اكتظت بوابته الرئيسة بالمصابين أثر انفجار سيارة مفخخة بالقرب من سوق للخضار ” .” الرواية – ص44″ وهذا مايدل على الزمن الحالي الذي يجري فيه سرد الحكاية في حين ان زمن الحكي يمتد الى عمق التاريخ في استرجاع الوقائع والشخصيات وايقونات الاحداث البارزة من خلال بحث المهتم بالتاريخ السارد ، الذي يريد ان يكتشف “مختارة السلام ” ويأتي الاهداء مكملا للصورة المقصدية او لرسالة النص المراد ابلاغها الى المتلقي اذ نص على “الى مهمشي الارض الى من يقفون هناك ..في أخر الصفوف ” ، مما تقدم من اشارات ودلال وقرائن يبرز السؤال الاتي ، هل يريد ان يستنهض هذا النص مهمشي الارض ليتقدموا الصفوف ويبنوا مدينتهم الفاضلة بعيدا عن الاقصاء والاخصاء ؟.يكشف الفصل الاول المعنى العام للنص من خلال انتظار” السارد – المؤلف “رسالة صديقه رياض ” الرسالة تتكون من ملف كتبت عليه قصة بأحداث تفصيلية ومقطع فديو ، وصورة لطفل يبتسم ابتسامة عريضة ، توحي ملامحه أن جسده يهتز وكأنه يرقص على نغمات قهقهة عالية “.” الرواية- ص9″. مادونه رياض بعد ذلك يؤكد الرؤية الحلمية للحكائية التي ولدت من رحم النص .
“- امي كنت تتحدثين عن زوارق ، وتكررينها عدة مرات ، وهذه هي الكلمات الوحيدة التي فهمتها منك .تجيبني بصوت منخفض:تحول لون الشط الطيني الى لون ازرق ، وقدأمتلأ بزوارق فضة “.” ص27. وهو مايربط مشهد الافتتاح بعتبة النص وخاتمته ايضا التي توجد في مدونة رياض ” كانت السفن تعكس أشعة الشمس الفضية وكأنها تتهادى على سطح الماء في حلم طفولي “. ” الرواية – ص149″ لينتقل في النهاية الى صورة الطفل ، التي كتب اسفلها ” ابدا لم يجلس مانديلا في الصفوف الاخيرة “.”الرواية-ص150″. وهو الامر المختلف مع ابتداء النص ، حيث كان الاب يرغم على الجلوس في الصفوف الخلفية من قبل الست ” حذام” وهومتغير موقعي وفكري وانساني بعد ان حدث المتغير الجغرافي من المكان الاول العراق بما كشفت عنه التفاصيل والمسميات الواقعية للمدرسة والمستشفى والسيارات المفخخة الى المكان الثاني افريقيا ، حيث يشكل المكان الاول مكاناً طارداً للوجود الانساني فيما يشكل الثاني جاذباً للوجود الانساني وهذا الامر ليس وليد اللحظة التاريخية كما هو الحال مع مانديلا الابن الذي يتقدم الصفوف وانما بني على تأسيس تاريخي فكري وحضاري منذ القدم ، من خلال احتضانه لايقونات المشهد التاريخي ” بلال ” الان الذي يحيل الى ” بلال الحبشي ” وشهرزاد التي تحكي قصص الليالي المبتكرة لانقاذ بنات جنسها من بطش السلطان الجائر او مانديلا الحاضر الذي يستثمر التاريخ النضالي الطويل لنلسون مانديلا من السجن الى السلطة ليبني بلدا حرا ومثالا للانسانية في التعايش السلمي فيما نعيش نحن على تاريخ الدم والتهجير والعنف الطائفي والسيارات المفخخة والجثث مجهولة الهوية التي تتفسخ مهملة على مزابل اطراف المدن يعبث بها الذباب الاخضر . فاذا كانت تلك الشخصيات الحلمية تبحث وتحلم بإيجاد ” مختارة السلام” خارج منطقة القتل والموت الجماعي الاعمى فالاحرى بنا ان بحث عن مدينتنا الفاضلة داخل انفسنا بعد ان نطهرها من ادران الحقد والكراهية والغيرة والتنـافس غير المشروع ، ندرك ان رسالة ” سفن فضية ” رسالة انسانية قبل ان تكون عملاً روائياً سردياً وهذا الامر لايقلل من قيمة النص وانما يعزز مكانته وسط الكثير من ارث الانشاء الذي حسب زورا على الرواية العراقية الجديدة.
























