الكتابة الإبداعية وآثارها الواقعية
خصوصية الموضوع في التعامل مع المفاجآت
احمد ابو ماجن
احاول جاهدا اعطاء نبذة يسيرة عن الكتابة واثرها في التطور لذا يعد اختراع الكتابة من أهم مراحل تحول الإنسان الحضاري وأخطرها أثرًا في حياته وتكوينه، وأولى النقلات النوعية التي منحته صفته الإنسانية عبر التواصل الذي حققه هذا الكائن مع سائر الموجودات من جهة , ومع البعد الزمني والتاريخي لأسلافه وأحفاده من جهة أخرى , حيث إن هذا الاختراع هو الذي مكَّن الإنسان من التوسع المعرفي , كما أن اختراع الكتابة قد أعان الإنسان على الاستفادة من تراكم المعرفة والخبرات بعد عملية تدوينها , مع حسن الاستفادة منها في مجالات متعددة .
ومما يؤكد أهمية الكتابة باعتبارها حدثًا تاريخيًا وثقافيًا فريدًا في حياة الإنسان هو التصنيف التاريخي الذي أعطاه علماء التاريخ والجيولوجيا للمراحل التي قطعها الإنسان في حياته عبر العصور – قبل اختراع الكتابة وبعدها – حيث يطلق على بعض الحقب التاريخية عصور ما قبل التدوين أو ما بعده وإذا ما نظرنا إلى الحضارات القديمة للأمم السابقة نجد أنها لم تُسجَّل لنا إلا من خلال التدوين والكتابة سواء أكانت لغة الكتابة رمزية كالرسومات والنحوت الأثرية التي أشرفت على جانب هام من تاريخ هذه الحضارات , أم عن طريق اللغة الكتابية بوسائلها الأخرى ، ومنها الكتابة الحرفية والتي استقرت لاحقاً بعدة أنماط من الحروف , والتي أسهمت في نشأة العديد من اللغات السائدة , وكل المعلومات التي تم تسجيلها إنما كان صاحب الفضل فيها هي عملية التدوين والكتابة , وسواء أكانت هذه الكتابة بالرموز أم بالأحرف , وأياً كان التاريخ الذي بدأت منه، فإن الشكل الحضاري للإنسان لم يبدأ إلا منذ خطَّ الإنسان بقلمه جميع ما مر به من أحداث وأفكار, وبدأ يسجل هذه الأحداث والأفكار لتُتَوارث بعد ذلك , وليستفيد منها أناس قد يأتون بعده , أو حتى يستفيد بها أفراد يبعدون عنه زماًنا ومكانًا .
وكما أشار ( ابن خلدون) إلى أن الكتابة سمة إنسانية , وأنها صناعة من جملة الصنائع البشرية إذ يقول : إن الكتابة صناعة شريفة , إذ الكتابة من خواص الإنسان التي يميز بها عن الحيوان, وأيضًا فهي تطلع على ما في الضمائر وتتأدى بها الأغراض إلى البلاد البعيدة فتقضي الحاجات , وقد دفعت مئونة المباشرة لها , ويطلع بها على العلوم والمعارف وصحف الأوليين وما كتبوه من علومهم وأخبارهم , فهي شريفة بهذه الوجوه والمنافع .
كما لو انك عزيزي (القارئ) تنوي كتابة قصة ابداعية فبأمكانك أن تجلس عدة أيام تدون خلالها على الورق مايجول في بالك. اجلس الى الكمبيوتر أو أستخدم الورقة والقلم لتكتب عن أي شيء يخطر في ذهنك. لاتشعر بالقلق أذا وجدت أن كتابتك ليست بالكيفية المطلوبة أو أن الأفكار التي ترد في بالك غير مترابطة في هذه الفترة لأنك بعد عدة جلسات كتابة يتعين عليك أن تمعن فيما كتبته وأن تبحث عن أي مصدر ألهام تنطلق منه لكتابة القصة. أضف الى ذلك أن الأفكار التي وضعتها على الورق يمكن أن تدور حول أحداث حصلت لك في ذلك اليوم أو أنها تتناول الطقس في الخارج أو العرض الذي شاهدته في التلفاز في الليلة الماضية أو اية مواضيع أخرى. في هذه الأثناء ربما تجد (شيئا ما) يعينك على كتابة قصتك.
استثمر خيالك لتتمكن من أستحداث أفكار لقصتك ، لأن بمقدورك أن تجعل الأشياء التي تحصل خلال اليوم مصدرا لألهامك ، فلو أنك ، على سبيل المثال ، شاهدت وميض ضوء غريب في السماء في الليلة الماضية فأنك تستطيع أن تكتب عدة سطور عن ماذا سيحدث لوأن ذلك الوميض قد صدر بالفعل عن أجسام طائرة غير معروفة. ولوحصل أنك قد شاركت في الليلة الماضية بلعبة اليانصيب وخسرت فأن بأمكانك أن تكتب عن وضعك وكأنك فزت فيه.
في بعض الأحيان ربما تراودك أفكار عن شخصيات في قصة ما دون أن تعرف التوجه الذي تسير فيه القصة. دوّن قائمة بالشخصيات التي رسمتها في ذهنك من قبل ثم ضع بعض التفاصيل عن كل شخصية منها. هل تعيش تلك الشخصيات في شقة أم في بيت؟في أي بلد أو مدينة يقيمون؟ ماطبيعة شخصياتهم ونزعاتهم؟ هل يتمتعون بأية مواهب؟ هل تتسم طبائعهم بالطيبة أم أن السوء طابعها؟ ماأن تبدا بتحديد معالم شخصياتك حتى تشعر أن العصارات الأبداعية للقصة برمتها ربما تتدفق في ذهنك.
ربما تكون أساليب الكتابة الأبداعية سهلة ميسورة مثل ألتقاط الأفكار من واقع حياتنا اليومية أو من أحداث مررت بها في حياتك أو حياة الناس الذين تعرفهم أو قصص تسمع بها أو تقرأ عنها في الأخبار. فأن آثرت الكتابة عن شخصيات حقيقية فعليك أن تحترم خصوصياتها وأن لاتستخدم أسماءها الحقيقية أو أسماء الأماكن التي تعيش بها أو تعمل فيها.أجعل قصصك مطبوعة بالحياة الواقعية وأجعل ذلك منطلقا لها. ولاشك أنك سوف تشعر بالأندهاش من طبيعة القصص التي سوف تستقيها من خلال التمعن في حياتك والعالم من حولك. فلو أنك تعرف، على سبيل المثال، أما أو أبا بالتنشئة فأن بمقدورك أن تكتب قصة ملهمة تدور حول أمرأة تغّير حياة أطفال محرومين من خلال رعايتها لهم بصفتها أما بالتنشئة (أو الرضاعة): وتأسيسا على ذلك يمكنك أن تبتدع شخصيات تستلهم الأم بالتنشئة وكذلك أطفالها بالتنشئة. هذه القصة يمكن أن تتبلور شيئا فشيئا مع سعيك لخلق قصصاً جديدة تتحدث فيها عن الأطفال الذين يكبرون ليكونوا أشخاصا راشدين منضبطين وناجحين.
كما يمكنك الأستعانة بالقصص التي تنقلها الأخبار والتي تتصف بنهاياتها الحزينة لتعيد صياغة تلك النهايات وتجعلها سعيدة. فلو حصل ، على سبيل المثال ، أن أحد المصانع في الجوار قد أغلق ابوابه مما أدى الى تسريح الكثير من العمال من وظائفهم ، فأن بأمكانك أن تكتب قصة عن هذا الحدث لكن بنهاية سعيدة ومسرّة.
بأختصار، مادمت تشعر بأنك سائر في درب الكتابة الأبداعية فأن الورقة والقلم لابد أن يلازمانك ، فأنت لاتدري متى ينزل عليك الألهام لتشرع بكتابة قصة جديدة أو تبدأ برسم شخصيات جديدة. عليك أن لاتجازف بأمكانية نسيان أفكارك لدى وصولك البيت ليتسنى لك كتابتها أو طباعتها على الكمبيوتر. أبق على الدوام متهيأ للقصص الجديدة وواظب على البحث عنها حيثما أسعفك الوقت.
وهنا اشير الى الفرق بين الموهبة والتدريب كما هو معروف هناك بعض المقولات الكلاسيكية مثل: احفظ ألف بيت من الشعر ثم انسها بعد ذلك لتكون شاعرا، كما حدث بين (خلف الاحمر وابو نواس) أو اقرأ لكل من سبقوك وانسَ أنك قرأت لهم لتتعلم كتابة الرواية، كانت متوهجة وتتردد كثيرا، وهكذا كان طرح مثل تلك الأفكار الجديدة غير وارد بالمرة، وغير مرحب به في مناخ تسوده عنجهية الثقافة، وتحكمه الأفكار الثابتة ، فمنذ خمس سنوات، ظهرت الجائزة العالمية للرواية العربية، المسماة البوكر العربية، ولأنها ليست جائزة عربية أصلا، ولا نبتت في صحراء حفظ أبيات الشعر ونسيانها، وقراءة روايات الجميع ونسيانها لتعلم الإبداع، فقد كانت مختلفة تماما، ولها تقاليد متوارثة من جائزة المان بوكر البريطانية التي خرجت من عباءتها.ومن بين تلك التقاليد الكثيرة، ورشة سنوية منتظمة للتدريب على الكتابة، لها مشرفون من الكتاب المعروفين الذين أمضوا سنوات طويلة في الكتابة، ويحضرها في العادة عدد من الكتاب الشباب، أو الكتاب الذين خاضوا تجربة الكتابة من قبل على استحياء، ويمكن أن يفيدهم الحضور لاكتساب خبرات جديدة، تطور من أساليب كتابتهم.
“في ورشة البوكر وغيرها من الورش الأخرى التي بدأت تنتشر، مثل الورش المسرحية وورش القصة القصيرة والسيناريو، قد تجد خامات جديرة بالالتفات إليها، ويمكن بقليل من الإرشاد أن تصنع من كتابتها نصوصا أخاذة” بالطبع ليست جائزة البوكر أول من أوجد ورش الكتابة، التي كانت موجودة على نطاق ضيق ولمدد قصيرة، ولكن عنيت هنا الانتظام السنوي، وأنها تمتد لأيام أطول، محققة أقصى قدر من الفائدة، حيث قد ينشر نتاج هؤلاء الكتاب الشباب ويترجم.
هذا التقليد الذي أصبح الآن معترفا به، ويتنافس الكتاب المبتدئون لحضوره في كل عام، أعتبره تطبيقا هاما لجزء من طرح طلعت الشايب، لكن الأمر هنا ليس مدرسة لها مبان معروفة، ومدرسون وطلاب نظاميون، وحصص يومية، وامتحانات في نهاية العام، لكنه اعتراف ضمني أو معنوي بالفكرة، وهي أن الكتابة أيضا يمكن أن تعلم، أو بالأحرى تطور لدى من يملكون بدايات مبشرة بحاجة إلى تطوير. في ورشة البوكر وغيرها من الورش الأخرى التي بدأت تنتشر، مثل الورش المسرحية وورش القصة القصيرة والسيناريو، قد تجد خامات جديرة بالالتفات إليها، ويمكن بقليل من الإرشاد أن تصنع نصوصا أخاذة، في نفس الوقت، قد تجد خامات رديئة، تحتاج إلى إرشاد مكثف، وخبز وعجن لزمن طويل، حتى تحصل على نص قابل للتداول ومن ثم قابل للنشر.
ومن المهم الإشارة هنا إلى جهود الكاتبة اللبنانية المقيمة في فرنسا نجوى بركات، التي اهتمت بمسألة التدريب الكتابي المحترف، وانتقلت بمحترفاتها إلى أكثر من بلد عربي، وخرج من تلك المحترفات، كتاب جديرون بتتبعهم ومطالعة نتاجهم، مثل الزميلة رشا الأطرش من لبنان، وروايتها “صابون” التي تشد الأنفاس ، وهنا لا أريد أن ألغي دور الموهبة، ولن أسميها الموهبة، ولكن أسميها حب الكتابة، فالذي يحب الكتابة، يمتلك من الصبر ما يجعله يناضل لينال ثقة حبه، ويكون كاتبا.
وحين يجد من يمسك بيده في مثل تلك الورش أو المحترفات، قطعا ينتج بصورة لا يمكن تخيلها. وربما كان كثيرون يملكون الموهبة، ولكن يفتقدون الصبر الذي يساند مواهبهم، ومن ثم لا نسمع لهم صوتا إلا نادرا.
























