
لندن – عدنان أبوزيد
أدى ارتفاع سعر الدولار في العراق، إلى جدل واسع حول السبل الكفيلة برفع قيمة الدينار العراقي، لمواجهة ارتفاع أسعار السلع والخدمات، وانخفاض القدرة الشرائية، وزيادة التضخم، وضعف الميزان التجاري العراقي، لارتفاع تكلفة الاستيراد الذي يقابله انخفاض في الصادرات.
ويشير استطلاع الزمان بين خبراء المال والاقتصاد إلى إن تأثير الاحتياطي النقدي العراقي على المشكلة، سيكون محدودا إلى حد ما، على الرغم من إن هذه الاحتياطي كبير نسبيًا، ويبلغ حوالي 140 مليار دولار، ولكن لا يمكن استخدامه بالكامل لضبط سعر الصرف، لأن استخدام الاحتياطي النقدي لبيع الدولار في السوق المحلية سيؤدي إلى انخفاض قيمة الدولار، لكن بصورة مؤقتة، ما سيؤدي إلى ارتفاع الطلب على الدولار مرة أخرى بعد نفاد الدعم من الاحتياطي النقدي.
ويقول الباحث الاقتصادي زياد الهاشمي لـ الزمان إن «المعضلة التي تواجه البنك المركزي العراقي والحكومة، هي مسألة تقاطع المصالح بين مساعي الحكومة لضبط حركة الدولار والسيطرة على اسعار صرفه وبين مصالح اللاعبين الكبار الذين يملكون تأثيراً سياسياً وميدانياً والمستفيدين من حركة الدولار الموازي في تعظيم مواردهم المالية».
ويرى الهاشمي أن «تقاطع المصالح هذا، حجّم كثيراً من قدرات الدولة في إنفاذ الكثير من الاجراءات التي يمكن من خلالها السيطرة على الاسواق وإعادة الاستقرار لأسعار الصرف وتخفيف حمى الطلب الكبير على الدولار الموازي، لذلك فان المسألة تتطلب نهجاً اكثر حزماً وجرأة من الحكومة اذا كانت تستهدف فعلاً حل معضلة الدولار الموازي وارتفاع اسعار الصرف».
واعتبر استاذ الاقتصاد السياسي جليل اللامي في حديث لـ الزمان، أن «مبادلة عملة بعملة أخرى يقتضي وجود نسبة مبادلة هذه العملة بتلك، اذ أن احدى العملتين تعتبر سلعة والعملة الاخرى ثمنا لها».
ويشير اللامي إلى ان «سعر الصرف هو عبارة عن عدد الوحدات التي يجب دفعها من عملة معينة للحصول على وحدة من عملة أخرى، لذلك فان أهمية سعر الصرف تكمن من خلال إسهامه في تحقيق الأهداف الاقتصادية الكلية والتي تتمثل في تحقيق التوازن الاقتصادي الداخلي والخارجي إذ يتمثل التوازن الداخلي في استقرار الأسعار المحلية إلى جانب تحقيق مستوى من النمو الاقتصادي في حين يتمثل التوازن الخارجي في توازن ميزان المدفوعات والذي يظهر مختلف المبادلات التجارية للدولة وبالتالي فان ارتفاع سعر الصرف يؤثر على الطلب الكلي للسلع والخدمات بسبب ارتفاع أسعارها محلیاً».
ويستطرد «في المقابل فان انخفاض الطلب على السلع المستوردة، یؤثر سلباً على حركة الحساب الجاري، وبالتالي على میزان المدفوعات، ومن جانب آخر فانه يؤدي الى انخفاض الإيرادات الضريبية على الصادرات ثم انخفاض الايرادات في الموازنة العامة، وفي الوقت نفسه زیادة النفقات وانخفاض في القدرة الشرائية للمواطن».
ويرى اللامي انه «في حالة انخفاض سعر الصرف فهناك إيجابية، فعند انخفاض اسعار الصرف الاجنبي، فانه یؤدي الى انخفاض اسعار السلع المستوردة، وبالتالي يقود الى انخفاض عجز الموازنة، لذلك على الحكومة العراقية السيطرة على المنافذ الحدودية والمطارات لمنع محاولات التهريب سواء كانت البطاقات الصادرة من قبل مصارف وشركات الدفع الإلكتروني المرخصة من البنك المركزي والتي لم تتضمن أي اسم بهدف استخدامها خارج العراق، حيث اصبحت قضية البطاقات وتهريبها لتنفيذ حوالات سلسة بعيدة من القيود المفروضة على المنصة الالكترونية وإجراء الحوالات من دون قيود، أو اساليب التهريب الأخرى، كذلك تسهيل و زيادة الكاش عبر النافذة لأغراض الصرف وليس التحويل، وكذلك العمليات التجارية التي تستغلها شركات السياحة، إذ كانت تمنح الفرد الواحد 20 فيزا كارد يمكنه من خلالها إيداع آلاف الدنانير في مقابل سحب 3 آلاف دولار من البطاقة الواحدة، لذا يمكن اعتبار إن أزمة سعر صرف الدولار، أزمة مؤقتة ناتجة عن عوامل داخلية وخارجية تزامنت مع نهاية السنة».
يتحدث اللامي عن أن «اجراءات البنك المركزي العراقي، رغم انها ضعيفة الا انها تساهم في تعزيز الاستقرار النقدي وتدفع باتجاه عودة أسعار الصرف إلى وضعها الطبيعي».
يؤكد اللامي على «أهمية الحفاظ على قيمة العملة المحلية من خلال ضمان استقرار سعر الصرف بالاضافة الا ان زيادة حجم الاحتياطيات لدى البنك المركزي حيث تعتبر مؤشرا لقوة ومرونة السياسة النقدية، بالاضافة الى رفع مؤشرات الجدارة الائتمانية للعراق لدى مؤسسات التصنيف الدولية».
وتشير تحليلات إلى إن حل مشكلة ارتفاع الدولار بشكل جذري، يكمن في اجراء إصلاح شامل للاقتصاد العراقي، بما في ذلك زيادة الصادرات، من خلال تشجيع الاستثمار الأجنبي وتطوير القطاعات الإنتاجية في البلاد، وتقليل الاعتماد على الاستيراد، من خلال تنمية الصناعة المحلية وزيادة الإنتاج المحلي، وتقوية القطاع المصرفي، عبر تطبيق معايير حوكمة قوية ومكافحة الفساد.
وإلى أن يتم تحقيق هذه الإصلاحات، فإن ارتفاع الدولار سيظل يشكل عبئًا على الاقتصاد العراقي وسيؤدي إلى تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين العراقيين.
ينتقد الباحث الاقتصادي عبد السلام حسن حسين في حديثه لـ الزمان «عدم برمجة النظام الاقتصادي في العراق بسبب المتنفذين على العملية المالية في العراق»، معتبرا ان «ارتفاع سعر الدولار ينعكس بصورة سلبية على الواقع»، و مشيرا إلى «تخبط واضح ادى الى عدم الاستقرار لسعر السوق ومن أسباب ذلك عدم التحكم بالتجارة الداخلية قبل الخارجية فيما التضخم سوف ينفذ الاحتياطي مع وجود أخطبوط يتحكم منافذ البيع».
يرى حسين «الحل في تنظيم ارتباط جميع مكاتب الصيرفة بنظام الامن الاقتصادي وليس بطريقة الملاحقة البوليسية ضاربا المثل في وزار التجارة التي تتحكم بتوزيع الحصة التموينية عبر الوكلاء اذ ليس منم حق للوكيل بيع السلعة اعلى من التسعيرة وهذه يولد سيطرة على المواد الأساسية».
ويكشف حسين عن مقترح ارسله إلى الجهات الحكومية «فمن ملف واحد وهو العقار فان بالإمكان توفير 600 مليار دينار عراقي شهريا، اذ إن مثل هذا الاستثمار سوف ينعكس على الدولار ويسيطر على مفردات الحالة الاقتصادية».
والخلاصة وفق حوار الزمان مع خبراء الاقتصاد، فان رفع سعر الدينار العراقي يتطلب اتخاذ مجموعة من الإجراءات المتكاملة والمترابطة، منها استقرار الوضع الأمني والسياسي لانه من أهم العوامل التي تؤثر على قيمة العملة، حيث يخلق بيئة جاذبة للاستثمارات الأجنبية، ما يؤدي إلى زيادة الطلب على العملة المحلية ورفع قيمتها.
كما ان زيادة الصادرات العراقية من السلع والخدمات إلى الأسواق العالمية سيؤدي إلى زيادة الطلب على الدينار العراقي، وبالتالي رفع قيمته.
و تقليل الواردات العراقية من السلع والخدمات سيقلل من الحاجة إلى العملة الأجنبية، فضلا عن الحاجة إلى ضبط السياسة النقدية من خلال البنك المركزي العراقي، اذ يمكن اتخاذ إجراءات لضبط السياسة النقدية، مثل رفع أسعار الفائدة، بهدف جذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية وزيادة الطلب على الدينار العراقي.
كما أن تحسين أداء الاقتصاد الكلي العراقي، من خلال زيادة النمو الاقتصادي وخفض معدلات التضخم، سيؤدي إلى زيادة ثقة المستثمرين الأجانب، وبالتالي زيادة الطلب على الدينار العراقي.
وبشكل عام، فإن رفع سعر الدينار العراقي يتطلب جهودًا مشتركة من الحكومة العراقية والقطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني، من أجل خلق بيئة اقتصادية مناسبة تدعم استقرار العملة المحلية وزيادة قيمتها.
























