حيٌّ في المنْفى

حيٌّ في المنْفى

أيـــاد آل عبــّار
لَوْ لَمْ أُخْلَقْ
لَوْ لَمْ أَنْظُرْ
لَوْ لَمْ أَقْرَأ ْ
لَوْ لَمْ أَسْمَعْ
لَوْ لَمْ أَعْشَقْ
مَا زَرَعََ الهَمُّ بِقَلْبِي مَوْتََ العَصْرْ.
الغَيثُ صَُُراخٌ يَمْضُُغُهُ الصَّمْتُ
وَعُمْقُ الدَّرْبِ حَكايا تَتَداوَلُهَا أَشْبَاحٌ فَرْعَاءٌ، عَارِيَةٌ
كانَ نَبِيّاً،
كانَ غَرِيباً،
كانَ يُحِبُّ العَنْقاءَ
وكانَ وَحِيداً يَسْتقْصِي الصَّحْرَاءَ وَوُدْيَانَ اللّيْلِ
المَسْكونةِ بالأرْوَاحِِ المَحْرُوقَةِ بالدَّمْعِِ ـ العِشْقِِ ـ الحَيْرَى،
كانَ سَلاماً تَقْتُلُهُ الحَرْبُ
وكانَ ألِيفاً تَعْرِفُهُ عَادٌ وَثَمُودٌ وَطَسَمْ.
مِِنْ وِدْيَانِ المَاضِي
مِِنْ خَلَجَاتِ القََسََمِِ الأوَّلِ
مِِنْ أعْلَى بُرْجٍ في بَابِلَ
يَصْرُخُ وَجْهِي،
يَتَمَادَى جُرْحِي
وَيَطُولُ غِِيَابِي بَيْنَ المَوْتَى.
فِي الحَيِّ فَتَاةٌُ تَشْرَبُ مِنْ حَوْضٍ
مَخْتُومٍٍ، مَرْسُومٍ فِي شَرْقِيِّ الأرْضِ عَلَيْهِ حِجَابٌ
مَعْسُولٌ، مَنْقُوشٌ بالأسْمَاءِ الحُسْنَى.
فِي الحَيِّ عَسَاكِرُ جَلاّدٍ
تَقْمَعُ، تَقْتُلُ، تَحْكُمُ…تَزْرَعُ مَوْتاً، نَارَاً
تَحْصُدُ كُلَّ حُقُولَِ العِشْقِِ ـ الرُّؤْيَا.
فَتَحَتْْ فَاهَا تَيْمُ وَقَالتْ
لا تَطْمُرْنِي
واحْرِِقْنِي بالحُبِّ ـ العِشْقِِ ـ الذِّكْرَى
فِي الحَيِّ مَرَاجِيحٌ وَسَلالِمُ مِنْ عَسْجَدِ
هذا الوَجْدِ الطَّافحِِِِ مِنْ بَيْنِ ضُلُوعِي،
أطْفَالٌ تَصْعَدُ تَهْبِِِطُُ، تَلْعَبُ بالمِجْلاعِِ ـ المَنْفَى.
فِي الحَيِّ جَوَامِعُ هَدْيٍ
وَكَنَائِسُ مِِْن عِشْقٍ
وَبيُوتَاتٍ تَتَداعَى طَلَلا ً يَبْكِي، يَفْهَقُ يَعْوِي.
تَحْتَ الحَدْبَاءْ
أسْتَجْدي
أَعْطِي جُرْحِي مِمَّا أعْطَاكِ الّله،
أعْطِينِي وَجْداً،
خُبْزاً، بِتْرُولاً،
أعْطِينِي مِِمّا أعْطَاكِ الّله
فِي الحَيِّ غُرُوبٌ وَأغَانٍٍ
تَنْصَبُّ عَلى صَدْرِي،
تَحْرِقُنِي، تَكْوِي جُرْحِي،
تُسْكِرُنِي
وتُمِِيتُ الزَّمَنَ القُرْصَانَ بِقَلْبِي.
تَحْتَ الحَدْبَاءْ
أُسْفِرُعَنْ جُرحِي، عَنْ قَدَرِي
ـ مَنْ أنتَ؟
صُوفِيٌّ أبْحَثُ عَنْ دَرْبِ اللّهْ
ـ مَنْ مَعَكَ؟
الجُنّيْدُ ، الحَلاّجُ، البَصْريُّ وشَطرٌ مِنْ إبنِِ عَطَاءْ
ْ
فِي الحَيِّ قََصََائِدُ صََبْرٍ
وَمَلاحِمُ أَعْتَقُهَا فُلْكٌ تَسْبَحُ فِي مَلَكُوتٍ جَيَّّاشٍ،
أخّاذٍ ، مَجْرُوحٍٍ جُرْحاً
أَعْمَقُُ مِنْ دِهْلِيزٍ فِي هَرَمِ المَنْفَى.
فِي سَقْفِ القُبَّّةِ، فِي المِصْبَاحِ المَحْرُوقِ،
فِي شِمْعَةِ نَذْرٍ يَحْرِقُهَا الصَّمْتُ، التّهْدِيجُ ـ الفَهْقَةْ
أدْعُو رَبِّي رَبُّ العِزَّةِ…
أسْمَعُ صَوْتَ أذَانٍ، تكْبِيرٍ، أَخْشَعُ،
أمْسَكُ بالعُرْوَةِ، يَسْحَرُنِي الوَجْدُ
فَيَأْخُذُنِي اللّهْ
تَحْتَ المِنْبَرِ سَجّادِي،
فَوْقَ المِِنْبَرِ صَمْتِي ودُعَائِي،
في المَابَيْنِ الكَلِمَاتُ تَضِيعُ،
تُهَلّلُ، تَكْبُو تَحْتَ حَفِيفِ
السَّيْفِ البَتّارِ شَهيدَةَ مَجْدِ اللّهِ ـ المَنْفَى
رَحَلَتْ تَيْمُ
وغَادَرَني الضَّيْفُ القَادِمُ مِنْ أُورْ.
الزَّيْتُ قَوَارِيرٌ سَائِلَةٌ، رَاقِدَةٌ فِي طََنْجَرَةِ الدّهْرِ
تُعَانِِقُهَا الحُمَّى
قُدْسِيٌّ
وَرْدِيٌّ
صُوفِيٌّ،
جَفَّ الزَّيْتُ وَمَاتَ الدَرْوِيشُ عَلى بَابِ اللّهْ.
هذا قَسَمٌ
إنِّي أَتَخَلّى عَن وَجَعِي،
هذا عِِشْقٌ
إنِّي أسْتَحْلِفُ رَبّي أنْ يُنقِذُني
فِي الحَيِّ حَكَايا وَتَرَاتِيلٌ جَمَّى
تَبْدَأُ فِي الفَجْرِ وَتُنْهَى فِي المَنْفَى
فِي الحَيِّ حُبُورٌ، حُزْنٌ ، فَقْرٌ
وَتَمَاثِيلٌ مِنْ تَمْرٍ، عَسَلٍ يَعْبُدُهَا
العَرَّافُونَ الكَهَنَهْ.
فِي الحَيِّ هَدِيرٌ، صَمْتٌ ، حُبٌّ
فَوْقَ فُرَاتِ الدُّنْيا
وَعَلَى دِجْلَةِ رُوحِي
يَنْسَابُ سِرَاطاً، يَبْكِي، يَتَلوَّى،
يَأْخُذُهُ الغَثَيَانُ ـ المَوْتُ ـ المَنْفَى.
وَهَجَرْتُ البَحْرَ ـ الحَيَّ السَّاكِنَ فِي صَدْرِي
وَقَرَأْتُ وَصَايَا أَبَتِي
فانْهَارَتْ مِقْصَلَةٌ فَوْقَ دَوَاتِي،
مَاتَتْ كَلِمَاتِي.
مِيثَاقُ الوَحْدَةِ فِي جَيْبِي،
عُلْبَةُ تَبْغٍ،
قَلَمٌ،
مِحْفَظَةٌ خَاوِيَةٌ،
حُلُمٌ
وَبِطَاقَةُ هَجْرٍ…
رَجُلٌ عَارٍ حَتَّى مِنْ أُذُنَيْهْ.
/4/2012 Issue 4177 – Date 18 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4177 التاريخ 18»4»2012
AZP09