

حياة ٌ تختفي أمام أعيننا
مروان ياسين الدليمي
1 : ( العشّ )
بجانب نافذة المطبخ،
حيث يتعفن رغيف البارحة،
وينخر الضوء الخفيف أركان الطاولة،
تبني حمامةٌ عشّها.
لم يكن ذلك مكانًا للبيوت،
كان مكانًا للعبور،
للصوتِ المكتوم،
للأبوابِ تُفتحُ وتُغلقُ
مثل أفواهِ بلا شهية.
النافذةُ نصفُها زجاجٌ ونصفُها خشب،
المكانُ ليس مكانًا،
المكانُ هو فكرةٌ تعثّرت،
هو انتظارُ ماءٍ لم يأتِ،
ظلُّ امرأةٍ تحملُ صحنًا بلاستيكيًّا مرشوشًا بنُثارِ الخبز،
يذوبُ مع الوقتِ كأنه صلاةٌ قديمة.

الحمامة، تلك الكتلةُ البيضاءُ الرخوة،
تُحدقُ فينا، بجناحٍ لا يُرفرف،
بعينين لا تغلقان،
تسأل: كيف تمرُّ الحياةُ في هذا الفراغ؟
كيف يصيرُ المطبخُ مَحجًّا، والنافذةُ حافةَ عالمٍ هشّ؟
كان هناك سؤالٌ يترنح، ينقرُ على زجاجِ الوعي:
هل نكونُ هنا لنشهدَ الفقد، أم لنكملَ ما بدأته الطيور؟
**
في الليل،
أصغي لصمتِها كأنه موسيقى بطيئة
تصعد من قاعِ القلب.
البيتُ نصفُه ظلمة،
ونصفهُ حُلمٌ يتلوّى.
أراقبها من بين الشقوق،
أطراف أصابعي تُلامس الخشب البارد،
تحت النافذة، يُولدُ العُشُّ كأنه نداءٌ لا يسمعه أحد.
وأتساءل :
من الذي وضعنا هنا، نحن الثلاثة،
أمام نافذةٍ تُطل على عصفٍ خفيّ،
وعشٍّ يُشبهُ خفقةً مرتعشة،
في قلبِ امرأةٍ تصنعُ الشاي عند الفجر،
وفي ضحكةِ طفلٍ يتهجى صوتَ الحمام.

**
تعودُ الحمامةُ في الصباح،
تُقلّبُ البيضتين كأنهما سرٌّ مدفون،
كأنهما حلمٌ لم يُكتب بعد،
تدورُ ببطء،
تطبطبُ عليهما بريشةٍ ترتجف،
كأنها تلمس جُرحًا لا يُرى.
وأنا،
على بُعدِ خطوة،
أنظرُ إليها،
وأحملُ داخلي سؤالًا لا ينطفئ:
ماذا يعني أن تبني العشَّ في مكانٍ خاطئ؟
ماذا يعني أن نكون بيتًا لشيءٍ لا نفهمه؟
هل نحن الحُماة، أم اللصوص؟
**
في المطبخ،
تتحركُ يدُ زوجتي على الطاولة،
تمسحُ حافةَ الكوب،
تضعُ الفتاتَ في طبقٍ قديم،
وتقول:
“إذا لم نرحمْهم، لن يُرحمنا الله”.
أبتسمُ،
لكني أشعرُ أن الكلمات
تتكسرُ بين أسنانها،
كأنها تعرفُ أن الرحمةَ
لا توقفُ القطط.
**
أُغلقُ البابَ ببطء،
وأبقيه مواربًا،
كأنني أضعُ فخًّا للقدر،
وأحرسُ شيئًا أعرفُ أنني لن أستطيعَ حمايته.
ثمة شقٌّ في الجدار،
يطلُّ منه ظلي،
وأنا أتأمل،
أتأمل…
بين عشٍّ هشّ،
وحياةٍ تتكئُ على جناحٍ لا يرفرف.
**
2: ( البيضة )
ليلاً،
حين تسقطُ ظلالُ المطبخِ على أرضية المرآب،
كأنها أشباحٌ تتنفس،
أفتحُ البابَ ببطءٍ
وأُحدّقُ في العشّ كمن ينتظرُ اعترافًا.
هناك،
تحت وهجِ مصباحٍ واهن،
تنامُ الحمامةُ فوق البيضتين،
كأنها تخفي العالمَ كلهُ تحت جناحيها.
عالمٌ ضيق،
ضوءٌ خافت،
وصمتٌ كثيفٌ يلتصقُ بجدرانِ البيت
مثل بقايا رطوبةٍ في زوايا لا تصلُها الشمس.
أتوقف،
أتساءل:
هل هذا العشُّ هو الزمنُ نفسهُ؟
هل هذه البيضتانِ هما ذاكرةُ اليومِ الذي لن يعود؟
أم أننا نحنُ، العائلةَ التي انحنتْ أمام الزجاج،
مجردُ شهودٍ في محكمةٍ لا ينعقدُ فيها الحكم؟

**
في النهار،
حين تتسللُ القططُ كالأفكار السوداء،
أبقى مستيقظًا،
أراقبُ،
أشعرُ أنني حارسُ حلمٍ هشّ،
حارسُ بيتٍ لا سقفَ له،
وأنَّ كلَّ خطوةٍ نحو المطبخ
تُربكُ الحمامة،
تُربكنا.
أُدرك فجأةً أن الحريةَ
قد تكون قفصًا،
وأنَّ الرحمةَ
تُثقلُ جناح الطير،
تجعلهُ يتردد،
يتلكأ،
يرتجفُ في لحظة الطيران.
**
البيضتان،
كرتان من ضوءٍ صغير،
ينبضانِ في العتمة،
لا صوتَ لهما،
لكنني أسمعُ
في خفقهما البعيد
صوتَ أمي وهي تُصلّي عند الفجر،
صوتَ أبي وهو ينفضُ الغبارَ عن وجهِه،
صوتَ الشارعِ الفارغِ بعد منتصف الليل،
صوتَ الباب يُفتح ببطءٍ
لئلا يوقظ أحدًا.
**
ذات صباح،
حين خرجتُ إلى المطبخ،
وجدتُ أن الحمامة لم تكن هناك.
كان العشُّ وحده،
والبيضتانِ وحدهما،
تتوسدانِ فراغَ العالم.
انتظرت،
تأملتُ،
تساءلت:
هل هجرتنا؟
هل نحن غرباء حتى في عينِ الطيور؟
حين عادت،
كانت تحملُ معها شيئًا يشبه الندم،
يشبه الريح التي لا تعرفُ أين تستقر.
**
الحياةُ تمرُّ من النافذة،
تُطلُّ أحيانًا،
تختبئُ أحيانًا،
وأنا أُدركُ أنني لا أحمي شيئًا،
لا أملكُ شيئًا،
حتى هذا العشُّ،
حتى هذا الضوءُ الصغير
الذي يضيءُ بيضةً في عتمة،
ليس لي.

**
3: الظلال التي تمشي على أطراف أصابعها
في الليل،
حين ينسحب الضوءُ من زوايا البيت
كأنّه يُلقي بنفسه في بئرٍ معتمة،
تتسلّلُ الأصوات،
صوتُ قطّةٍ تخمشُ الأرض،
صوتُ الريح وهي تطرقُ نافذةً متعبة،
صوتُ أنفاسي،
كأنها تتعلّقُ بين صدرٍ ضيّقٍ وعتمةٍ ثقيلة،
صوتُ الزمن وهو يشهقُ تحت ثقل الأيام.
كنتُ هناك،
أقفُ أمام العشّ،
أشعرُ أنني أقفُ أمام نفسي.
البيضة،
كوكبٌ صغير،
يتقلّبُ تحت جناحٍ خائف،
يحملُ احتمالاتِ الفقدِ كلها،
وأنا،
كائنٌ يُراقبُ من وراء زجاج،
من وراء قلبٍ لم يُعِدَّهُ أحدٌ لمثل هذا الهشاش.
**
أقولُ في داخلي:
هذا هو بيتُنا،
وهذه هي حياتُنا،
خطواتٌ نحسبُها،
همساتٌ نخشى أن تُفزعَ مخلوقًا صغيرًا،
شعورٌ بأننا ضيوفٌ في مكانٍ يُفترضُ أننا نملكه،
لكن الحمامة،
الحمامة وحدها تعرفُ
أن البيتَ الحقيقي ليس الجدران،
بل ذلك العشُّ المعلق على حافة الخوف،
على حافة الزمن،
على حافة اللامرئي.
**
ثم تأتي القطة،
في وضحِ النهار،
كأنها فكرةٌ سوداء تقفزُ من ظلالنا،
تسرقُ ما لم نعرف كيف نحميه.
لا صراخ،
لا صوت،
فقط الريشُ المبعثرُ في زوايا المرآب،
والفراغ الذي يخترقُ الصدر
كما لو أن بابًا قد انفتح فجأةً
على غرفةٍ مهجورةٍ منذ سنين.
**
أجلسُ في المطبخ،
أتأملُ العشَّ الفارغ،
صار شاهدًا على خيبةٍ صامتة،
أكادُ أسمعُ دقاتِ الساعةِ
كأنها تطرقُ رأسي بمطرقةٍ باردة،
كأن الزمنَ يسألني:
ماذا كنتَ تظن؟
أنك قادرٌ على حمايةِ المعجزة؟
أنك تستطيعُ إيقافَ شهوةِ القتلِ التي تحملها الطبيعة؟
أنك أكثرُ رحمةً من الريح؟
**
زوجتي تمسحُ دموعها
كمن يحاولُ أن يخفي ندبةً قديمة،
ابني ينظرُ إليّ كأنه يطلبُ تفسيرًا لعالمٍ لا يعرفه،
وأنا،
أشعرُ أنني أخون الحمامة
كما خذلت نفسي،
كما خذلتُ كلَّ شيءٍ هشٍّ كان بإمكاني أن أحميه ولم أفعل.
**
وفي الليل،
حين ينام الجميع،
أبقى جالسًا،
أتأملُ العشَّ الفارغ،
أتلمّسُ الفراغَ بيدي
كمن يتحسّسُ جرحًا لا يلتئم.
أسأل نفسي:
هل نحن الذين اخترنا أن نستضيفَ العش؟
أم أن العشَّ اختارَنا
ليفضحَ هشاشتنا؟
هل نحن أصحاب البيت،
أم مجرد ظلالٍ تمشي على أطراف أصابعها،
تُراقبُ الحياةَ وهي تخلقُ وتدمّر دون أن تنتبه لنا؟
**
4: (الريشُ الذي لا يطير)
في صباحٍ رماديّ،
فتحتُ نافذة المطبخ،
الهواءُ كان خفيفًا، كأنه خيطُ دخان،
يحملُ رائحةَ الغبار القديم،
وبقايا أصواتٍ لم نعد نسمعها.
العشُّ هناك،
ظلُّهُ متكوّمٌ مثل فكرةٍ ذابلة،
كأنه شاهدُ قبرٍ صغير،
ريشٌ عالقٌ بين أسلاك النافذة،
ينتفضُ مع النسيم كأنّه يريد أن يُكمل الرحلة،
لكنه لا يعرفُ كيف.

**
قلتُ لنفسي:
هل كانت الحمامة تعرف أنها ستتركنا؟
هل كانت تدرك أن الحياة،
في النهاية،
مجرد محاولة عبورٍ خاطفة؟
أن كلَّ ما نبنيه،
من أعشاشٍ وكلماتٍ وذكريات،
قد يُفلت منّا في لحظةِ غفلة،
حين نكون منشغلين بتقليب وسادةٍ،
أو إعداد طعامٍ،
أو الوقوف في زاوية المطبخ،
نحدّق في الفراغ،
ولا نعرف أن ثمّة حياةً تختفي أمام أعيننا؟
**
القطّة،
لم تكن سوى يدٍ أخرى للموت،
وجهٌ للحظّ الأعمى،
أو ربما مرآةٌ لنا،
لأننا أيضًا نُفلتُ الحياةَ من بين أصابعنا،
لأننا أيضًا،
نحن الذين نقتاتُ على هشاشة الآخرين،
بطرقٍ لا نجرؤ على الاعتراف بها.
**
في الليل،
تبدأ الأسئلة تتراكم،
تصبح مثل الأثاث المتروك في بيتٍ قديم:
ماذا يعني أن نُراقب حياةً لا نملكها؟
أن نُحبّ كائناتٍ لا تعرف أسماءنا؟
أن نُحاول حمايةَ شيءٍ لم يطلب منا الحماية؟
أن نخسر معركةً لم نعرف حتى أننا نخوضها؟
هل كان العشُّ رسالةً؟
أم كان اختبارًا صغيرًا،
ليقول لنا: أنتم لستم أكثر من ضيوفٍ في هذا العالم،
ضيوفٍ عابرين،
كلماتٍ مُعلقة بين فاصلين من الصمت؟
**
اليوم،
بعد أن تلاشى الهديل،
وبعد أن صار العش ذكرى،
أجلسُ وحدي،
أراقبُ انعكاسي في زجاج النافذة،
أفكر:
ربما لم يكن العشُّ بيتًا للحمامة،
ربما كان بيتًا لنا،
لنكتشف أن الحرية – أحيانًا – هي
أن تفقد الأشياء التي تُحبها،
أن تتركها تذهب،
أن تعرف – متأخرًا –
أنك كنتَ مُجرّد راصدٍ للحياة،
لا أكثر.
5: ( الأثر الذي يبقى )
في صباحٍ غريب،
أفتحُ النافذة.
لا حمامة.
لا هديل.
لا أثرٌ سوى بضع ريشاتٍ عالقةٍ في زاوية الضوء،
ترتجف كأنها تقول شيئًا
لا نعرف كيف نُصغي إليه.
الغرفة فارغة،
المطبخ هادئ،
لكن الصمت أثقلُ من كلِّ ما كان.
**
أجلسُ وحدي،
كأنني انتبهتُ الآن فقط،
أننا كنا نُراقب حياتنا،
لا حياتهم.
أننا كنا نحنُ العش،
ونحن البيض،
ونحنُ الفزعُ الذي يداهم الطمأنينة.
كنا نحنُ القطة،
تلك التي تدخل دون أن تَسأل،
تُخرب،
ثم تخرج،
تتركنا نتساءل:
كيف حدث كلُّ هذا؟
كيف مضت الأيام ونحن لا نعرف،
أن كل ما حولنا كان ينتظرُ لحظة الانهيار؟
أن الحكاية لم تكن عن الطيور،
بل عنّا،
عن خوفنا الذي يغطيه الحب،
عن الأمل الذي لا يعرف أن يتكلم،
عن العجز الذي يُراكمه الوقت،
حتى يصير قفصًا شفافًا،
لا نراه إلا بعدما يُغلق علينا.
**
أغلقُ النافذة.
أضع يدي على الزجاج.
الضوءُ شاحبٌ،
والهواءُ خفيف،
والبيتُ كأنه استراح بعد أن تعبَ من الانتظار.
أسألُ نفسي:
هل كانت الحمامة تعرف؟
هل نحن الذين لم نعرف؟
هل كان علينا أن نمنحها الأمان؟
أم أن الأمان وهمٌ،
نخلقه كي نحتمل الحياة،
ثم نكتشف أن لا شيء آمن،
حتى العش الذي نُراقبه من خلف الزجاج؟
**
في الليل،
أسمع في رأسي هديلها،
كأنه صدى بعيد،
يرتطم بجدران البيت،
ينطفئ،
ثم يعود،
ثم ينطفئ…
كأنه يقول:
“الأثرُ هو ما يبقى،
حتى بعد أن يغادر الجميع.”
**
أُطفئُ المصباح،
أتكئ على ذاكرتي،
أُدرك أنني لم أكن أُراقب الحمامة،
بل كنت أُراقب نفسي.
























