
تشرفتُ بزيارة .. – محمد خضير الانباري
تتكررَ تلكَ العبارةِ كثيرا في منشوراتِ بعضِ الوجوهِ الاجتماعيةِ الشيوخ والوجهاء وأصحابُ المناصبِ العامة ، تكتبَ بعنايةٍ فائقة، وتزينَ بصورِ لامعةٍ توثقَ لقاءً معَ مسؤولٍ أوْ شيخٍ أوْ شخصية“ مهمةٍ ”، وكأنَ العالمَ لا يكتملُ إلا بتلكَ اللحظاتِ الموثقةِ .
لكنْ يبقى السؤالُ الذي يتسللُ بهدوءِ وسطَ هذا الزحام:
لماذا لا نرى منشورا يقول: “ تشرفتْ بزيارةِ فقيرٍ ”، أو“ قضيتُ وقتا معَ يتيمٍ ”، أو“ جلستْ معَ مريضٍ أنهكهُ التعبُ ”؟
هلْ فقدَ البسطاءُ حقَ الشرفِ في قاموسِ العلاقاتِ العامة؟
أمْ أنَ الكاميرا لا تعترفُ إلا بما يلمع؟
لقدْ اختلطتْ الأمورُ حتى صار“ التشريفُ ”مرهونا بالبروتوكولِ الاجتماعي، لا بالإنسانِ نفسه، فصارَ الجلوسُ معَ منْ يملكُ لقبا أوْ منصبي“ حدث تاريخيٍ ”، بينما مواساةُ محتاجٍ أوْ زيارةِ مريضٍ … مجردَ نشاطٍ جانبيٍ لا يستحقُ حتى فلترٍ جميلٍ على الصورة.
يا للمفارقة! المجتمع الذي يتباهى بتراصِ الصورِ وتكدسِ المتابعين، بدأَ ينسى أنَ القيمةَ ليستْ في الخلفياتِ المزخرفة، بلْ في القلوبِ التي تزارُ دونَ موعدٍ إعلامي، ودون“ وسمّ ”مناسب.
فقرة هامشية
إنَ زيارةَ فقير، أوْ مواساةِ يتيم، أوْ الجلوسِ قربَ سرير مريضٍ صامت، ليست“ فقرةً هامشيةً ”في جدولِ الأعمال، بلْ هيَ الأصلُ الذي تقاسُ بهِ إنسانيةٌ الإنسان، لا عددَ الإجاباتِ التي يحصدها، لكنَ المشكلةَ — كما يبدو — ليستْ في الزيارةِ ذاتها، بلْ في“ نيةِ التصويرِ ”.
هلْ هيَ لوجهِ اللهِ فعلا؟ أمٌ لوجهِ الكاميرا؟ هلْ نبحثُ عنْ الأجرِ … أمْ عنْ زاويةِ إضاءةٍ مناسبة؟ وهنا بالضبطِ تبدأُ الملهاةُ الحزينة: حينُ تتحولُ الأخلاقُ إلى محتوى، والإنسانيةَ إلى منشور، والنيةُ إلى“ كالشنِ محسن الصياغة.
وقدْ ذكرنا اللهُ تعالى بحدود هذا الاستعلاءِ حينَ قال( ولا تمشِ في الأرضِ مرحا إنكَ لنْ تخرقَ الأرضُ ولنْ تبلغَ الجبالُ طولا) الإسراء: 37، آيةٍ تختصرُ كلَ هذا الضجيج: لا الأرضُ تنبهر، ولا الجبالُ تصفق.
نحنُ في زمنٍ تقاسُ فيهِ قيمة الإنسان بعددِ الصور، لا بعددِ القلوبِ التي تمسها.
زمنٌ صارَ فيهِ الوجيهُ وجيهٌ ما دامَ في إطارِ الصورة، والمهمَ ”مهما ما دامَ في أعلى المنشور.
أما إعادةُ تعريفِ التشرفِ … فهيَ بسيطةٌ حدَ الإزعاج: إنَ تذهبُ لمنْ لا ينتظرك، أنْ تسمعَ منْ لا يسمع، أنْ تنيرَ لحظةٌ في حياةٍ لا أحدَ يلتفتُ إليها … دونَ كاميرا، دونُ إعلان، دونُ تصفيق. عندها فقط، وبشيءً منْ السخريةِ الجميلةِ.
منْ هذا العالم، يمكنَ أنْ نقول: “ تشرفتْ بزيارةِ إنسانٍ … لمْ يعرفْ أحدٌ أننا زرناه.



















