حول الشعر (2)
اما النصوص الشعرية الموجهة الى فضاءات غير مسكونة باحد وقارات غير مسكونة باحد والمكتوبة بلغة لا يتكلمها احد فهي مثل الاسلحة الفاسدة التي تنفجر في ايدي صانعيها قبل اطلاقها.
واذا كانت المصائب والمحن تحاصر الانسان والوطن فما فائدة التورية والمجاز والتعتيم واذا كانت الكتابات التجريدية تستطيع ان تغطي خمسة بالمئة من مجموع الشعب فماذا نفعل بالـ 95 بالمئة الباقية.
الشهر هو هذا الصراخ الذي نطلقه في وجه الليل حتى يصير صباحا وفي وجه اليباس حتى يصير اخضرارا وفي وجه السجون حتى تصير حدائق وفي وجه الخنجر حتى يصير وردة والشعر هو هذا الانقلاب الي يقوم به الشاعر في داخل اللغة وفي داخل القناعات الثابتة من اجل تغيير صورة الكون.
والشعر هو هذا السلاح السري الذي يدافع به الشعب عن نفسه ضد القهر والظلم والاستبداد.
والشعر اخيرا هو راية الحرية التي يسلمها شاعر لشاعر وهو انتصار اللون الازرق على المعتقل وانتصار شجرة الياسمين على حبل المشنقة.
ان كثيرا من الشعراء والذين لم يتسلحوا جيدا بالمفاهيم العقلية والافكار نراهم يدورون في مكان واحد كالناعور يصاب من ينظر اليهم بالدوار بسبب من عماهم الفكري والتورية والاختفاء وراء الالفاظ والابهام وينسحبون الاوهام والاباطيل حول شعرهم وهم يطمحون من وراء ذلك الى اخفاء عجزهم الشعري وعقم موهبتهم.
ان الشعر يجب ان يقرأ للمجتمع برمته من اجل الاسهام في تغييره خلافا لاراء النخبة المثقفة التي تدعو لقراءة الشعر في اجواء تحبوية خاصة.. يقول الناقد (فوزي كريم في كتابه المرايا الخادعة لحداثة الشكل) موضوعة الحداثة الملتبسة الموهمة التي وقع العديد من المبدعين اسرى هواها واسرى زركشتها دون معرفة ان الكثير الصادر عن هذه الحداثة انما هو محض هراء وهباء وتدليس على القارئ والمتلقي انهم يهربون من الابانة والايضاح الى اللغو والتهويم والانكفاء على الذات للتخلص من الحذاء الفكري الذي يعانونه يرون الابهام فكرا ويرون التدليس على القارئ فلسفة وحداثة وما بعد حداثة، يقول اراكون: اشفق على هؤلاء الشعراء الذين لم يدركوا بعد ان وضوح الشعر هو غموضه بالذات. ويقول محمود درويش هناك ازمة ثقة بين الشعر العربي الحديث والمتلقي الذي لا يجد نفسه في هذا الشعر الذي يبدو وكأنه غير معترف بالقارئ ان نصا شعريا بلا متلق يصبح ميتا. ويقول (بروس وكسلر) المجتمع ايضا قد تغير بحيث اصبح لا يفضل قراءة الشعر وبالنسبة لي فان جيل السبعينات وجيل الثمانينات اصبحت ثقافته تميل وبشكل مركز الى النثر، ان الغموض والتعقيد والتناقض قد اصبح خارج الاهتمام.. الناس لا يمتلكون الصبر لقراءة قصيدة عشرين مرة قبل ان يمسكوا باحساسها ومغزاها انهم لا يرغبون بترك الكلمات تغسلهم كموجة بحر بل يطلبون بدلا من ذلك جريان المعنى بوضوح وبسرعة انهم يرغبون بصيغ سردية فن يقف لوحده لا يتطلب فهما عن طريق سياق اكبر انا ايضا اريد هذه الاشياء انا جزء من عالم يمجد هذه النزعة والشعر لا ينحو هكذا هناك شعر غير ملائم وغير اخلاقي ايضا في مواجهة المعاناة الانسانية او انه غير مجد ومن هنا فهو عديم الفائدة ان الشعر لا لزوم له اذا كان لمجرد الزينة ويجب تحرير الشاعر من الابراج العاجية وتضامنه مع البشر الآخرين.
يقول الشاعر (يحيى السماوي): اذا كان الشاعر يؤمن بأن هدف الشعر هو اضاءة ما هو معتم في الحياة وفي الانتصار للجمال والحق والمحبة فان المهمة تصبح ايصال الفكرة الى القارئ – ولكن ليس ايصالا ميكانيكا ساذجا يخلو من متعة الابداع اما اذا كان الشاعر يؤمن بنظرية (الفن للفن) فانه يترك للقارئ حريته في تفسير النص وتأويله – انا مع الحالة الاولى لان الشعر عندي ليس ترفا لفظيا.
الهوامش
1. الشاعر نزار قباني
2. الشاعر محمود درويش
3.الشاعر يحيى السماوي
4. الشاعر والناقد فوزي كريم
5. الشاعر اراكون
6. بروس وكسلر
عبد الحميد الجبّاري – بغداد
/6/2012 Issue 4237 – Date 28 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4237 التاريخ 28»6»2012
AZPPPL
























