حوار هادئ وسط طبول الحرب

حوار هادئ وسط طبول الحرب
نصيف الجبوري ــ باريس لقد اصطف وجاهد الكثير من المخلصين من هذا البلد لمقارعة ظلم النظام السابق في الداخل والخارج. كنت مع اخوة كثيرين في فرنسا التي التجأنا اليها نحمل قضيتنا معنا ضد الظلم والاقصاء والدكتاتورية ونظام الحزب الواحد. لقد تعرضنا هناك في فرنسا الى مضايقات كثيرة وكبيرة اقلها التهديد بالتسفير القسري الى بلدنا. كنا مستعدين للتضحية بالنفس والنفيس من اجل حرية المواطن العراقي وسعادته ورفاهيته. كنا نهدف الى اشاعة العدل والسلام والوئام ومحاربة الرشوة والسرقة والاستئثار بالسلطة. كانت لنا أنذاك قضية نحارب من اجلها على امل الوصول الى غد افضل. نعم لقد قضيت فترة شبابي من 1980 حتى الاحتلال 2003 بعيدا عن وطني لاجئا سياسيا في فرنسا.
ورفضت كل الاغرائات من جهة والتهديدات من جهة اخرى من قبل النظام لأنه اهلك الحرث والنسل. كان ذلك النظام من المسببين الاساسيين لشقاء العراقيين كل العراقيين من شيعة وسنة وعرب وأكراد وتركمان ومسيحيين ومسلمين لم يستثن ظلمه احد. انه حقا نظام بائس لا يمكن لأحد ولا ينبغي لعراقي ان يتحسر عليه او يتمنى بقاءه. لقد نفد عطائه ووصل الى افق مسدود لا يمكن ولا يستطيع الخروج منه شانه شان الانظمة الدكتاتورية الاخرى.
ان التغيير سنة من سنن التاريخ في العالم والعراق ليس استثناءا وضمن هذا السياق جاء الاحتلال الامريكي. عدت الى العراق في تشرين الثاني عام 2003 شأني شأن المئات من المضطهدين وصاحبتي في رحلة العودة القناة التلفزيونية الفرنسية الثانية وقلت للصحفية التي سألتني عن شعوري لتواجد الاحتلال في العراق اجبت دون تردد بأننا نسير في نفس نهج النظام السابق ولا يرتجى من جيش محتل ودولة جائرة الخير لأنها كانت سببا اساسيا في استمرار ظلم النظام السابق. مع ان سعادتي الشخصية في ذلك الوقت كانت عظيمة حيث سألتقي مع الاهل والأحبة بعد فراق دام اكثر من ثلاثة وعشرين سنة. لقد وقع الفأس بالرأس وجيش الاحتلال شئنا ام ابينا على طول العراق وعرضه. لكننا مع هذه الفاجعة كنا نؤمل النفس متمنين ان لا يطول امد الاحتلال والخراب الذي تسبب به. أملين ان تأتي حكومة وطنية ديمقراطية عادلة تعيد الحقوق الى اهلها وتحاسب الظالم وتأخذ بيد المظلوم حتى يستعيد حقوقه. حكومة تبني العراق بأموال النفط الغزيرة بفترة قياسية. نريد ان يكون العراق قبلة الشرق والغرب وعاصمة الحضارة العربية الاسلامية ومنارة العلماء والشعراء والفنانين ونموذجا يحتذى به في التسامح والانفتاح والحوار مع الاخر ايا كان معتقده ودينه ولغته. كم كانت احلامنا كبيرة وكم كنا مثاليين بل كم كنا مخدوعين وسذج لذلك فقدنا توازننا وبمرور السنين بعد الاحتلال بتنا لا ندري بأي اتجاه نسير. بل وصل بنا التشاؤم الى التساؤل عن الوقت الذي سنصل فيه الى اسفل السافلين كي نحاول ان نعود مرة اخرى الى نقطة الصفر ومن ثم الى ما نحن عليه. أنه الحصاد المر فالعراق البلد الذي كان مثار فخر للعرب والمسلمين بات الان من اوائل الدول الفاسدة وبات بلد اثرياء الحواسم والرشاوى المليونية. ان نمو طبقات السحت والمال الحرام اضحت اقلية تسبح في بحر من الطبقات الفقيرة التي لا تجد لها لقمة تسد رمقها في الجنوب العراقي او الوسط او الشمال. تحول البلد الى الرأسمالية المتوحشة والتي لا تملك أي مسحة انسانية او اجتماعية. فطبقات الفلاحين والعمال اندثرت وأضحت في خبر كان فلا مصانع ولا مزارع وبات الشعب كل الشعب ريعي لا ينتج شيئا يذكر. جيوش مجيشة من البطالة المقنعة التي تستنزف الكثير من ثروة الوطن اولها مليون وربع من الجيش والشرطة وكذلك الالف المؤلفة من الموظفين والمدرسين الذين لا ينتجون شيء وينتظرون رواتبهم نهاية كل شهر. اما المستوى التعليمي فقد انخفض الى درجات مقلقة وتخرج الجامعات اليوم جهلة من جميع المستويات ولعل الضحية الكبرى طلاب الابتدائية والثانوية لان حالة المدارس يرثى لها والتدريس متدن بشكل يثير الخوف على المستقبل التعليمي للجيل العراقي القادم. لكن الاخطر والانكى من كل ذلك ضياع هوية العراق وعودة الطائفية المقيتة بأسوأ صورها ويشعر العراقيون اليوم بأن مفردات حياتهم اليومية اقرب الى نموذج القرون الوسطى منه الى القرن الحادي والعشرين. ان طبيعة النظام الاجتماعي السياسي لشعب بلاد الرافدين منذ القدم مدني منفتح لم يستطع الاتراك او الفرس تغيره رغم ان هذا البلد كان ساحة لصراعاتهما. هناك محاولات العودة بالعراق حكم القساوسة في العصور الوسطى عندما كان البابا يأمر وينهي كما يشاء فقد كان يعتقد بأنه ظل الله في الارض. عراق اليوم بعد عشر سنوات من الاحتلال اكثر تمزقا وهو على اعتاب استحقاقات قاسية لا يعلم مدى خطورتها الا الله. فكردستان اقرب الى الانفصال منها الى البقاء مع العراق والشد الطائفي على اوجه من جميع الاطراف سيما الحكومة التي تدفع بهذا الاتجاه من خلال تصريحات غير مسئولة تصب الزيت على النار. طبول الحرب تقرع ليس ضد الكيان الصهيوني او الدفاع عن حدود العراق من الاطماع التركية الايرانية الكويتية او ضد التخلف والعطالة والظلم انما ضد احد مكونات الشعب العراقي الاساسية. أنه من الغريب ان يضيق الجيش العراقي ذرعا بمظاهرات مواطنيه في حين يصبر سنوات على الاعتداءات الحدودية لكل من ايران وتركيا والكويت دون الحديث عن الاحتلال الامريكي وتدخلات سفارته في شؤون العراق. ان الحرب تعلن ضد شريحة مهمة وأصيلة من الشعب العراقي اثر هجوم الجيش لساحة المعتصمين في الحويجة. ان من المؤكد ان هناك بعض العابثين في اية مظاهرة تحدث في كل انحاء العالم وليس في العراق وحده. ففي فرنسا هناك من السراق والمجرمين ممن يستغل هذه المظاهرة او تلك ليكسر الحوانيت ويسرق المحلات كما يشاء وهناك من يحرق السيارات ويعبث بالممتلكات العامة والخاصة.فسادا لكن كل هذه الخسائر وهذه المخاطر لم تثن الحكومة في فرنسا او غيرها من احترام حق التعبير عن الرأي واقامة التظاهرات والاعتصامات. لكن من المؤسف حقا ان يتعامل الجيش مع شعبه بهذه القسوة لأهداف سياسية حزبية كنا نعيب النظام السابق عليها عندما سيس الجيش. نرى مع شديد الاسف تكرار نفس الاساليب السابقة فالجيش شبه متحزب ويفرض على قادة الفرق الترويج التصويت لصالح قائمة السلطة لنبتعد شيئا فشيئا من الديمقراطية. التاريخ يعيد نفسه في بعض الاحيان فعندما خرج معاوية بن ابي سفيان على الامام على كرم الله وجهه ظلما وعدوانا من اجل الاستحواذ على الحكم. حاول البحث عن مبرر شرعي لكنه لم يجد غير حجة الثأر لمقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه والمطالبة بدمه من معسكر الامام على. علما بأن معاوية يعلم علم اليقين بأن الامام برئ وقد سبق ان ارسل ولديه للدفاع عن الخليفة المحاصر من المنتفضين. لتحقيق مطامعه الشخصية والمضي في طريق الاستيلاء على السلطة واثارة الفتنة طلب من الامام على البحث عن قتلة الخليفة عثمان المحتمل تواجدهم في جيشه العرمرم. ان تحقيق هذا الطلب شبه مستحيل ويخفي وراءه شق وحدة المسلمين لهدف شخصي معلوم. فحصل ما حصل وتمزقت وحدة المسلمين. أكتفي بهذا السرد التاريخي لأعود الى الحويجة ونقارن بين الماضي والحاضر لنجد ان الجيش العراقي يتعامل مع المتظاهرين كما تعامل معاوية مع الخليفة الرابع الامام على. فهو يطالبهم خلال فترة زمنية محددة ان يسلموا له قتلة بعض افراد الجيش العراقي دون تحديد الاسماء او احتمالية تواجدهم في الساحة او عدمه وهو يعلم علم اليقين بان قرار الهجوم معد سلفا. نعم هناك نية مبيته للجيش لفض اعتصام الحويجة فوجدوا السبب او أوجدوه. من جانب اخر فان تعميم هذه اللهجة المجة التي سمعناها ونسمعها كل حين على لسان الاحتلال ومقلديه بأن كل من يخالف الحكومة بالرأي بعثي صدامي تكفيري وهابي ناصبي من القاعدة. لقد باتت هذه الاسطوانة مملة ولا تصلح لشيء ولا طائل لها ولن تغني عن الحق شيئا. ان حزب البعث قد قضى عليه صدام حسين نفسه. لكنه ان عاد من جديد لا سامح الله فبسبب الدعاية التي تقوم بها الحكومة له ليل نهار وذلك من خلال قانون المسائلة والعدالة او محاولة استصدار قانون تجريم البعث. نفس هذه الدعاية البلهاء هي التي خلقت من عزة الدوري مجاهدا بطلا علما بأنه كان صفرا على الشمال عندما كان في السلطة فما الذي يمكن ان يقدمه للشعب اليوم. أما المتاجرة بالقاعدة واتهام مكون كبير بالانتماء لها فتهدف الى تقويتها لجعل الصراع عنيفا بين اتباع ذلك المكون. ينبغي على الحكومة ان توطن نفسها وتتحمل مخالفيها وتدرك بأن في العراق سنة وشيعة وعرب وأكراد وتركمان ومسلمين ومسيحيين وصابئة كلهم اصلاء وليس بينهم مواطن من الدرجة الثانية او الثالثة ولهم حقوق كغيرهم مثلما عليهم واجبات. فلا فرق بين بغداد والموصل والبصرة ولا فرق بين الانبار والناصرية ولا بين الفلوجة والنجف ولا بين كربلاء وبعقوبة. انه نداء لمن القى السمع وهو شهيد نداء لا يدعوا العودة الى الماضي الدكتاتوري البغيض ولا يدعوا الى اليأس والاستسلام للواقع السيئ الذي نعيش فيه. انما نداء يدعوا الى شحذ الهمم والعمل دون كلل او ملل على التغيير لان الله تعالى يقول فأن مع العسر يسرا ان مع العسر يسرا. لا ندري ان كان الله قد كتب على اجيالنا الامتحانات العسيرة والخروج من محنة للدخول في محن اشد واقسى او ان نقضي بقية عمرنا صامدين في البأساء والضراء بحيث بات حديث رسول الله ينطبق على الكثير من اهل هذا البلد القائل ارحموا ثلاثة عزيز قوم ذل وغني قوم افتقر وعالم يتلاعب به الجهال. نتساءل اخيرا هل سنرى طباشير التغيير فقد صمدنا لأجله عشرات السنيين من وقت النظام السابق حتى هذه اللحظة وهل سنرى اليوم الذي يتبوأ فيه مخلصون لا يخافون في الله لومة لائم قيادة هذا البلد العزيز ويضعون مصلحة الشعب دون تمييز فوق المصلحة الفردية الانانية. لكن وفي النهاية نقول لا يعلم الغيب الا الله.
/4/2013 Issue 4488 – Date 27 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4488 التاريخ 27»4»2013
AZP07