حوادث إعتداء مؤسفة
حماية الكوادر الطبية مسؤولية من؟
ما زالت سطوة الأعراف والتقاليد العشائرية تفرض هيمنتها على مجتمعنا والتي زحفت نحو المدينة ولاسيما بعد 2003 عندما بدأت الفوضى تنخر كل مفاصل الدولة والمجتمع بعد تناثر السلاح هنا وهناك واصبح وجوده بيد الميليشيات والعشائر قانونا يعلو على قانون سلطة الدولة ان التوسع الحاصل لظاهرة العشائر وانتشارها لم يعد مرتبطا بعد عام 2003 فحسب بل الفترة التي سبقتها وذلك أيام الحرب العراقية الإيرانية وما تلا انتفاضة 1991 وكيف سيطر النظام السابق على مقاليد الأمور بعد تذرعه باستخدام العشائر لدعمه والاتفاف حوله من خلال الهبات والمكارم التي منحها الشيوخ العشائر واليوم جاءت النخب والقوى السياسية استغلت العشائر لزيادة حالة التشرذم والتفرقة من خلال وجودها كتمثيل في لجنة العشائر بمجلس النواب ووكيل وزارة الداخلية لشؤون العشائر ومستشار لرئيس الوزراء ورئيس الجمهورية لشؤون العشائر ونحن ندعي بلدا ديمقراطيا يختار أعضاء حكومته بنفسه عبر الانتخابات. وهذا ما اعطى دورا مهما للعشيرة بعد عام 2003 وغيبت معالم الدولة ونشرت الفوضى والاستهانة بالقوانين وانتشار السلاح بين أبناء العشائر اذ باتت قوة العشيرة بما تملكه من سلاح بالإضافة الى التقليد والعرف الذي يعتبرونه قانونا اقوى واعلى من سلطة القانون. فاليوم تتواتر الانباء المتواصلة من حالات مفزعة في المستشفيات والمراكز الصحية في بعض المحافظات عن الاعتداءات المتكررة على الملاك الطبي ولاسيما ذوي الاختصاصات الجراحية والتخديرية من قبل أبناء العشائر بالسلاح واستخدام كل أساليب العنف من ضرب وشتم وقذف بالإضافة الى التهديد بالفصل او (الدية) المعروف عنها عشائريا داخل الحرم الذي يقدم الخدمات الطبية لكافة أبناء المجتمع العراقي دون تمييز.
لقد وقعت في الآونة الأخيرة الكثير من حوادث الاعتداء على الأطباء في بعض المستشفيات والمراكز الصحية وأصبحت ظاهرة غير عابرة لدى المجتمع لكن في المقابل نرى هناك تعتيما لهذه الظاهرة من قبل السلطات والمسؤولين. ففي محافظة ديالى وحسب تأكيد نقابة الأطباء ان اكثر من 140 طبيبا رحلوا من المحافظة خلال الأعوام الماضية جراء استمرار التجاوزات والاعتداءات التي يتعرضون لها الى جانب الفصل العشائري كما اسلفنا سابقا، فتم تسجيل اكثر من خمس حالات اعتداء طالت الأطباء خلال الفترة الماضية أربعة منهم خلال أسبوع واحد في مستشفى البتول للولادة ومن ابرزها ظاهرة الفصل العشائري أي (ذوي المريض المتوفي يطالبون الطبيب بدفع الدية) بالإضافة الى تسجيل العشرات من حالات الاعتداء بالفصل العشائري قسم منها غير معلن بسبب تخوف الطبيب على سمعته وسلامة عائلته. وقد أعلنت صحة ديالى عن تسجيل 9 حالات فصل عشائري بحق أطباء ديالى وصلت مبالغ الدية أي الفصل الى 50 مليون دينار بالإضافة الى تسجيل 30 حالة فصل عشائري بحق الأطباء خلال الأعوام السابقة، اما في محافظة البصرة حصلت الكثير من الاعتداءات والفصول العشائرية ما أدى الى هجرة الكثير من الأطباء خارج العراق بحثا عن الامن والأمان ومنها حالة الطبيب الجراح البصري نزار المحفوظ والذي تعرض الى التهديد من قبل أهالي المتوفي جراء عملية جراحية وسبب هذا التهديد الذي وجه له من قبل أهالي المتوفي سافر الى خارج العراق هو وأهله بحثا عن الامن والأمان وسلامة عائلته. بالإضافة الى الاحصائيات الأولية للمصادر الطبية والتي تشير الى حدوث 32 حالة اعتداء وتهديد في محافظة البصرة ومحافظة القادسية. ففي عام 2012 جرت اعتداءات مع الملاكات الطبية بلغت 25 حالة اعتداء في عموم العراق واخذت تتزايد عاما بعد عام بسبب تجاهل هذه الظاهرة والسكوت عنها. ان شيوع ظاهرة التهديد بالفصل العشائري والقتل للأطباء ولكافة أبناء المجتمع لا تمت لاصالة العشائر العراقية ومخالفة الاحكام المادة 45 من الدستور والتي منعت الأعراق العشائرية التي تتنافى وحقوق الانسان. فاليوم الكثير من أصحاب النفوس يتاجرون بقضية الفصل العشائري والذي اكل الدهر وشرب عليه بظل تطور المجتمعات وتمدنها وشيدها للقانون لكن في ظل الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية المضطربة وغياب شكل الدولة أصبحت ظاهرة الفصل العشائري مصدرا للكسب السريع وبابا مربحا لبعض ضعاف النفوس الذين يدعون انهم أبناء عشائر، والذين لا يفقهون القانون ولا يهابونه بسبب ضعف سلطة الدولة وإعطاء العشيرة دورا مهما في سلطاتها كما اسلفنا سابقا. فالامتيازات التي حصلت عليها العشيرة أدت الى ان البعض من هذه الأعراف العشائرية بتزايد حدتها وخطورتها على التعايش السلمي والاجتماعي والمدني واخذت تهدد المجتمع العراقي بالتفكك والانحياز للعشيرة باعتبارها المظلة الحامية للفرد. ان هذه التصرفات الهوجاء والسلوك المرتجل من قبل البعض لعشائرنا وعدم الاحتكام الى القانون والانصياع لمقرراته وضوابطه امر مرفوض من قبل المجتمع بكل شرائحه وندعو بدورنا كمنظمات مجتمع مدني الى الانضباط والاستظلال بمظلة القانون ليكون الجميع بمأمن من هذه التصرفات وإشاعة اخلاق المسؤولية والتحلي بها كما ندعو الى تطبيق قانون حماية الأطباء حفاظا على حياتهم بدلا من الحلول العشائرية علما بأن العشيرة في نظر الإسلام ضرورة اجتماعية ومصدر قوة وتكافل وتسامح للفرد والمجتمع.
ماجدة البابلي- بغداد
























