حكم الواقع – لويس إقليمس

حكم الواقع – لويس إقليمس

بدأنا العام الجديد 2024 وسط تكهنات وتمنيات وترجيحات كما ذكرتُ في مقالة سابقة قبل انتهاء العام المنصرم 2023. لن أدخل في تفاصيل هذه الأخيرة، لكوني لستُ منجمًا ولا أومن بالتنجيم وقراءة الطالع وتحركات النجوم وتأثيراتها على حياة العالم وأفكار البشر وأوضاعهم وكيفية تسيير شؤون البلاد والعباد من جانب مَن يتحكمون بشؤون البلدان وشعوبهم. ما يهمني واقع حال وطني أكثر من أي ّ شيء آخر طالما آثرتُ العيش في تربة بلادي وتبادل الخير والسلام والقبول بما فيه من السرّاء والضرّاء وتقاسم اللقمة والحياة مع أبناء وطني وبني جنسي وبين أهلي وأصحابي وأحبائي. فهذا قدري، وأنا مؤمنٌ به!

تغيير شامل

لكني مقرٌّ بأنّ الأجيال القادمة التي ستدير بلادي في عقود لاحقة قريبة سوف تختلف كثيرًا. بل هي الآن فعليًا مختلفة كثيرًا عن سابقاتها من الأجيال التي وعيتُ لها في حقبة ما بعد الخمسينات من القرن الماضي ولغاية التغيير الشامل في البلاد نحو الأسوأ طبعًا، في عام 2003 ولغاية الساعة.

في احتفالات نهاية السنة سابقًا، جرت التقاليد والعادات أن تكون هادئة ورصينة وهادفة نقضيها بالصلاة في الكنائس عندنا نحن المسيحيين الصلاء في البلاد، وفيها الدعوة إلى التوبة والصفح عن الهفوات والأخطاء الصادرة طيلة أيام ما مضى منها وسط ضجيج الهموم والمشاكل والصعوبات في تلك الحقبة. مع انتشار الفوضى في البلاد هذه الأيام في فترة ما بعد الغزو الأمريكي-الغربي الطائش، بدءً من شبه فقدان التربية المنزلية ووصولاً إلى ضياع جيلين وأكثر في الإيغال في الجهل المجتمعي نتيجةً لضبابية مناهج التربية والتعليم والخسارة في غياب المربين الأكفاء والحريصين في مختلف المؤسسات التربوية والتعليمية النزيهة والقادرة فعلاً على تقويم أدوات الجهل والتخلّف عبر المناهج الهادفة لتقوييم المجتمع وتثقيفه وترقيته ليكون بمصاف دول العالم المتقدّم، فإنّنا اليوم نقف أمام جبالٍ كثيفة الثلوج في التأخر عن دول العالم التي أرادته أكبر قوّة غاشمة في العالم كي توقع بالعراق وأهله وتنزله إلى الدركات السفلى في مصاف الدول والأمم والشعوب. وهذا واقع حال بحكم الواقع الراهن! ما شهدناه ليلة رأس السنة 2023 ونحن نستعد لاستقبال السنة الجديدة 2024، لا يبشر بالخير أبدًا. ومَن لم يستوعب الدرس ممّا حصل في تلك الليلة من فوضى في طريقة الاحتفال بوداع السنة المنصرمة من وسائل وأدوات وديناميكيات طائشة، فهو قاصرٌ ومقصِّرٌ في واجبه ورؤيته وفكره تجاه مساعٍ حريصة من علّية القوم المثقفين والناضجين والمربين الحريصين على رفع شأن البلاد والعباد بطرقٍ ووسائل راقية تنسجم ليس مع تطلعات هذه الفئة النادرة في أيامنا هذه بل مع عامة الشعب الرافض لأية حركات أو أعمال متهوّرة لا تنتمي بصلة للتقاليد والعادات المتحضرة التي نشأت عليها الأجيال الراقية السابقة، وما زلنا نتباهى بها ونتذكرها للعبرة والذكرى الطيبة. لقد وصل الأمر لحدّ التراشق بالألعاب النارية وجهًا لوجه في بعض الحالات في تحدٍّ هزيل بين أفرقاء وأطراف يجهلون أسس الاحتفالات الوطنية والدينية والاجتماعية في أيام الزمن الأغبر. وهذه من خلفيات الواقع الذي يحكم مجتمع اليوم في بلدنا لغاية التباهي بإلحاق الإصابات المباشرة بالطرف الآخر الذي ليس خصمًا في واقعه الطبيعي، بل قد يبدو للطرف المقابل عدوّا من أعداء القهر والفكر والحسد والغيرة والسطوة عليه بمثل هذه الوسيلة الفوضوية البشعة. أليس هذا ضمن سوء واقع التنشئة المنزلية الهزيلة والهشّة وفي مناهج وطرق التربية والتعليم المنتشرة اليوم بكلّ أشكالها في مجتمعنا العراقي المتهالك والمتراجع في كلّ شيء جيّد وحسن وراقي في الأعمال والأخلاق والسلوكيات؟ أين دور المؤسسات التربوية الحكومية منها والأهلية والدينية في توجيه المجتمعات نحو صالح الأعمال وحسن الأفعال عوض الانجرار إلى مثل هذه الفوضى التي توقع سنويًا عشرات الضحايا بين قتيلٍ وجريح علاوةً على ما تصنعه من حرائق وأضرار في المال العام والخاص؟ ولنتصوّر من الآن، جلوس مثل هذه الأجيال على كراسي الحكم بعد عقدٍ أو أكثر من الزمن وما ستلحقه السلوكيات الخاطئة لبعض هؤلاء، إن لم نقل غالبيتُهم، بالمجتمع العراقي الذي تعرّض لهجمة أمريكية-غربية شرسة شاركت فيها زعامات عربية وصديقة بهدف الإطاحة بقدرات بلدنا بأية وسيلة، ومنها ما شهدناه في التسعينات من القرن المنصرم وتكملة المشوار والمشروع التدميري في 2003.

تحديات العراق في العام الجديد

عراقُنا في الواقع الحالي يتأرجح بين أيادي خبيثة، هزيلة، أثبتت فشلَها باعتراف علنيّ لأغلب ساستها غير الجديرين في الإرادة والإدارة، بسبب ضعف الانتماء إلى ترابه وهوائه ومياهه وولاء العديد منهم لدولٍ وأمم أخرى لا تريد له خيرًا ولا تقدّمًا ولا رفاهةً. ومهما سعى رئيس الوزراء الحالي، السيد السوداني، وفريقُه، يبقى شخصًا لا حولَ ولا قوةَ له، إنّما  بسبب كونه موظفًا تنفيذيًا بدرجة «مدير» لدى زعامات وأحزاب السلطة التي تسيّرُ البلاد والعباد وفق منهجها التحاصصي الفاشل الذي لن يفضيَ إلى برّ الأمان. ونحن أمام تحديات كثيرة في هذه السنة العتيدة ليس من السهل تجاوزها جميعًا بالأماني والتمنيات وبعبارة « إنشاء الله» التي اشتهر بها العراقيون والعرب عمومًا. فهي عبارة فضفاضة لا يمكن الاتكال عليها في بناء الأوطان وضمان الخدمات الآدمية لشعب يزداد بحجم مليون وأكثر بولادات جديدة عبثية متوقعة ومئات الآلاف من الطاقات البشرية الشابة المتدفقة لسوق العمل والتعليم، علاوةً على الملايين من الباحثين عن السكن الكريم. فيما تبقى مسألة معالجة الزخم المروري والازدحامات في الشوارع والطرق من أكثر المسائل الشائكة في إيجاد الحلول لها مع تزايد عدد المركبات والتكاتك والدراجات التي لا تعترف بالنظام المروري ولا بقوانين الجهات المنظمة له لأسباب عديدة أيضًا، منها عدم تأهيل رجال المرور، وفشلهم في تطبيق القانون على الجميع، واللامبالاة في رصد المخالفات وتوجيه المخالفين بأسلوب صحيح وراقٍ، والخوف للجوء لوسائل الردع القانونية إن اقتضى الأمر أحيانًا بسبب مجاملات والخشية من الانتقام منهم. أمّا في مسألة معالجة الطلب المتزايد على الطاقة الكهربائية، فحدّث ولا حرج، طالما هناك جهات خارجية تعمل مع أيادي داخلية خفية لمنع المعالجة الشاملة لكونها في حالة معالجتها نهائيًا، ستوجّه ضربةً صاعقة للدول والأطراف المستفيدة من السمة الاستهلاكية المتزايدة للشعب العراقي مع تواصل مغادرة العملة الصعبة لدول الجوار الإقليمي والدولي المستفيدة والمتربصة من خشية عودة الماكنة الصناعية الحقيقية للبلاد ودورانها من أجل الاكتفاء الذاتي، حالها حال هذه الدول المتقدمة في صناعتها وزراعتها.

ننتظر مع سائر الخلق في العراق، ما ستأتي به الأيام والأسابيع والأشهر القادمة من السنة الجديدة 2024 للبلاد والشعب، ونحن منهم.