في يوم الأديب الكردي (2-2)
جيل الرعيل الأول: المثقفون يحققون إبداعهم بالأحلام
ماجد الحيدر
بعد الانتفاضة عام 1991 أعيد تأسيس اتحاد الأدباء وانتخاباتها في كردستان فيما ظل الوجود الشكلي لممثلين للأدباء الكرد ضمن اتحاد أدباء العراق حتى الآن.
{ كيف تقيم مسيرة عمل الاتحاد والمؤسسة الثقافية عموما؟ هل نجحا في الوصول الى شرائح المجتمع المختلفة وفي تفعيل دور المثقف في الحياة الاجتماعية والسياسية في كردستان؟ وإذا كان الجواب بالنفي فما هو السبب برأيك؟
-للإجابة على هذا السؤال ينبغي أولاً أن نسأل أنفسنا سؤالا: هل إن الاتحاد للنخبة أم للجميع؟ أنا أعتقد أن الاتحاد لم يستطع حتى الآن أن يكون أداة فاعلة للجميع. والسبب لا يعود بالدرجة الأولى للاتحاد نفسه: فالأدب ومنذ القدم لا يمكن أن يعمم. حتى الأدب الشعبي هو خارج التعميم.. فاتحاد الأدباء أو الجمعيات الثقافية في أي مكان ليست دوائر لمكافحة الأمية. وحتى إذا نجحت في إحداث إضافة فهي إضافة نوعية وبطيئة وربما لا تزهر حالاً ولكن من بعد.
{هل هذا يعني بأنك غير مقتنع بالحالة الثقافية الراهنة؟
-أعتقد أن الوضع الثقافي وضع هابط والسبب هو هبوط الوضع الثقافي للأديب الكردي نفسه. الأديب الكردي لا يثقف نفسه.
{ هذا يعني أن هناك فرقاً بين مفهوم الأديب ومفهوم المثقف؟
-نعم. الأديب طبعا يجب أن يملك ملكة الإبداع، الأدب مسألة إبداعية. هناك الكثير من المواهب. لكن ألا يجب أن تثقف هذه المواهب وتصقل وتتصل بالمفكرين وبالعالم من حولها؟ كيف يكون المرء أديبا ولا يعرف، مثلاً، غير لغة مدينته؟ أيجوز هذا؟ وما الذي يضمن أنه على إطلاع بالآداب العالمية؟ أنا إذن لا أحمّل أية جهة غير الأديب نفسه وزر هذا الضعف في الأدب الكردي. أنا ، بصراحة، أعتقد أن أدباء السبعينيات بل وحتى الستينيات كانوا أفضل من نظرائهم الآن، ليس عند الكرد فحسب، بل على مستوى العراق برمته. لماذا؟ لأنهم كانوا قرّائين، وقرائين لتراجم. مع أن الترجمة فيها ما قد يسيء للعمل الأدبي.
{ باعتبارك أكاديميا وتربوياً مختصاً. هل تعتقد أن الحركة الثقافية قد نجحت في مد جسور التواصل مع المدرسة ومع الجامعة أم أن هناك قطيعة بين المثقف والأكاديمي؟ أذكر أنني قرأت قبل أعوام تقريراً أعده الزميل سامان نوح أكد فيه العديد من أصحاب المكتبات في دهوك أنهم نادراً ما يرون أستاذا جامعيا يدخل الى مكتباتهم أو يقتنون الكتب منها. كيف تعلق على ذلك؟
-نعم هذا صحيح. قبل أكثر من عشرين عاماً أجريت بحثاً عن الشعراء من خريجي الجامعات، ليس من الكرد فقط بل من الكرد والعرب وغيرهم. واكتشفت أن الجامعة، أساساً، لم تؤثر فيهم، إلا من الجوانب الفنية، كأن يكون مثلاً خريج قسم اللغة العربية فيكون من الطبيعي أن تقل عنده الأخطاء اللغوية أو الإملائية. لكن الى أي مدى استطاعت الجامعة أن تؤثر على الحالة الإبداعية عند الشاعر؟ تكاد النسبة تكون صفراً! وهذا موثق بالنتائج الإحصائية.
هذه القطيعة (الموجودة فعلاً) لا أعتبرها غريبة، لأن الجو الجامعي جو أكاديمي، جو ممنهج، جو ترتيب العقل. في حين أرى أن الأدب جو غير مرتب، جو فوضوي، وتتحكم به الصدفة أحيانا في الإتيان بعبارة بليغة أو بيت بليغ أو لمحة بليغة في قصة لا تخضع الى طريقة من الطرق. فهذه القطيعة أو اللاإنسجام بين الجامعة والأدب هو شبه طبيعي.
-لكن هناك مجتمعات يتواصل فيها الأديب والأكاديمي بشكل كبير. يحضرني هنا مثال هو الشاعرة الأمريكية مايا أنجلو التي انحدرت من بيئة فقيرة واضطرت الى الإشتغال في أسوأ المهن ولم تستطع إكمال دراستها الأكاديمية لكنها وصلت ، بإبداعها ومنجزها الأدبي الى مستوى جعل أرقى الجامعات الأمريكية تفتح لها أبوابها لتدريس الأدب فيها.
-نعم هذا جائز. ولكن يبقى السؤال: كيف ستدّرس الشعر؟ ربما تفشل في ذلك. أنا أعتقد أن الشاعر هو أردأ معلم.. مثلما قد يكون أردأ ميكانيكي! فقد يخرّب السيارة التي يضع يده فيها! للشاعر طريقة أخرى في التفكير، طريقة غير ممنهجة. كل شيء جائز عند الشاعر. لكن هذا لا ينطبق على العالم الأكاديمي. فلكل نقطة موضعها، وإلا لما كانت أكاديمية.
{ أي أنك باختصار غير راضٍ عن المستوى الثقافي للأستاذ الجامعي؟
-أنا أولا غير راض لا على المستوى الثقافي للأستاذ الجامعي فحسب، بل على أول مهمة للأستاذ الجامعي وهي المهمة الأكاديمية! إنه غير متمكن حتى في مجال اختصاصه. هناك مأساة بهذا الصدد في العراق. مأساة حقيقية. أنا أعتقد أن سبعين بالمائة من أساتذة الجامعات العراقية بما فيها جامعاتنا الكردستانية يجب أن يدخلوا دورات تدريبية في اختصاصهم لمدة سنتين على الأقل لكي يؤهلوا للتدريس! إنهم غير مؤهلين عملياً. والسبب هو السياسة طبعا. السبب الذي أساء الى مستوى الأساتذة الأكاديميين هو أنهم قبلوا على أسس حزبية، دون اعتبار للمعدل الأكاديمي، ذلك المعدل الذي أصبح شبيها بالدينار العراقي الذي كان في الخمسينيات والستينيات والسبعينيات يعادل ثلاث دولارات بينما الآن أصبح 1200 دينار عراقي يعادل بالكاد دولارا واحدا!
لتقريب الفكرة أضرب هذا المثال: كان الطالب الذي يحصل على معدل سبعين بالمائة في ذلك الزمان يتأهل للقبول فيكلية الطب، أما الآن فإن حصوله على معدل 95 بالمئة لا يؤهله لذلك. ما معنى هذا؟ معناه أن هذه الـ 95 بالمئة التي يحصل عليها اليوم لا تعادل في قيمتها أكاديميا تلك الـ 70 بالمئة لذلك الوقت.
{ سؤال أخير: بماذا يحلم المثقف الكردي وبماذا تحلم أنت؟ لو كنت صاحب القرار في تطوير الواقع الثقافي للمجتمع العراقي كيف ستكون الخطة التي تضعها من أجل ذلك.
-أية خطة أضعها سيكون بندها الأول هو أن أطلب من السلطة في المكان الذي أعيش فيه أن تحميني من الاغتيال! وبعد ذلك فقط أبدأ بخطة صارمة. لماذا يتخرج الطالب من كلية الطب لكنه ليس طبيباً؟ لماذا يتخرج الطالب من كلية الزراعة لكنه ليس زراعيا؟ هناك في بلادنا فرق بين أن يتخرج الطالب وبين أن يتعلم. هذا الفرق يجب أن يزول. حلمي أن نسمي الأشياء بأسمائها: الكلية يجب أن تكون كلية مثل تلك الموجودة في دول العالم المتقدمة، لنقل في بريطانيا مثلا مثلما كانت في الخمسينيات. الدراسة الثانوية تصبح دراسة ثانوية حقيقية، لا نجاح على أسس اعتباطية، فليرسب سنة واثنتين أو ثلاثة. لا يهم. أنا أريد نخبة متعلمة. الى أن تتشكل القيادات الأكاديمية في البلد من خلال هذه التصفية. وعندئذٍ فقط تتحول الحالة الأكاديمية في البلد وحتى الحالة الثقافية غير الأكاديمية الى أخلاق، الى نهج وسلوك.
مع أنور محمد طاهر
بين ذلك الجيل، جيل الرعيل المؤسس لاتحاد الأدباء الكرد، الذي تحدث عنه الدكتور السندي، وبين الجيل الذي تولى قيادة الحركة الثقافية في أعقاب الانتفاضة الظافرة والذي تحدث عنه السليفاني، ثمة جيل آخر: أدباء ومثقفون حملوا لواء الثقافة الكردية في كردستان وخارجها في ظل ظروف شائكة وعصيبة وفي خضم معوقات ومخاطر حقيقية سلطها النظام الفاشي البائد وكانت تهدد حياتهم في كل لحظة ومع كل حرف يكتبونه، وأعني بذلك تلك النخبة التي عملت في الفترة التي أعقبت انتكاس الحركة التحررية الكردية عام 1975 ولغاية انتصار انتفاضة آذار المجيدة عام 1991 وتحرير المنطقة من الوجود العسكري والسياسي والقمعي للنظام السابق.
من بين تلك الأسماء التقينا بالقاص والروائي المعروف أنور محمد طاهر فسألناه أولا عما تحتفظ به ذاكرته الطرية آنذاك عن تلك الأيام.
-تشكل اتحاد الأدباء الكرد في العاشر من شباط عام 1970 أي قبل شهر من إعلان اتفاقية 11 آذار. كانت المفاوضات مع البارزاني قد قطعت شوطا متقدما وأرادت الحكومة العراقية أن تظهر بعض النوايا الحسنة للجانب الكردي وقيادة البارزاني فوافقت على طلب السادة الموقعين على طلب تأسيس الاتحاد وكانوا من الرعيل الأول من الأدباء الكرد. وفى صيف العام نفسه انعقد المؤتمر التأسيسي للاتحاد وانتخب الشاعر هزار موكريانى رئيسا للاتحاد وقد شارك ابرز الأدباء الكرد في ذلك المؤتمر ومنهم من رحل عنا امثال د معروف خه زندار وسعيد ناكام وممدوح البريفكاني ومحمد أمين عثمان وغيرهم.
وبعد اتفاقية آذار كانت الأجواء مهيئة لإقامة النشاطات الأدبية وفتح الفروع في محافظات كردستان (أربيل-السليمانية-كركوك-دهوك) في حين بقي المركز العام في بغداد.
ومن أهم نشاطات الاتحاد حينئذ إقامة مهرجان الشعري الكردي الأول في كركوك حيث شارك معظم شعراء الكرد وبعض من العرب مثل الشاعر الأكبر الجواهري ومحمد صالح بحر العلوم وغيرهم وكان برعاية رئيس الجمهورية وأناب عنه الشهيد صالح اليوسفي .وبعد ذلك صدرت مجلة (نوسه رى كرد- الأديب الكردي ) وتم عقد العديد من الندوات الأدبية وأصبح الاتحاد ملتقى للأدباء وأصدقائهم. هذا بالإضافة الى ما قامت بها فروع الاتحاد الواردة الذكر حيث يصعب تعدادها لكثرة وتعدد النشاطات .
{ وكيف تقيم مسيرة عمل الاتحاد خلال هذه السنوات في كردستان عموما وفي دهوك خصوصا؟
في الحقيقة إن أي مؤرخ منصف لتاريخ اتحاد الأدباء الكرد سيجد أن الأدباء كانوا مستميتين في الحفاظ على هويتهم القومية في ظروف عصيبة كان البعث بجبروته وما يتحكم من إمكانات العراق العسكرية والاقتصادية يحاول طمس هويته بل مسح وجوده أمام أنظار العالم بشرقه وغربه وإسلامه وصمتهم الذي كان كصمت القبور.
ويالها من ظروف عصيبة تلك التي كتب فيها الشعراء قصائدهم والقصاصون قصصهم في حين كانت عيون البصاصين مفتوحة على آخرها ليقرأوا كل شاردة وواردة!
هل تتصور مثلا أن مجموعتي القصصية الأولى (ئه ف جيروكه بدويماهى نه هات- هذه القصة لم تكتمل بعد) مرت على أربعة رقباء حتى أصبح لها ملف كبير شاهدته بأم عيني وهو في يد امرأة كان لها رقة وحنان الأم وتكنى بأم احمد. فأوصتني أن لا اكتب هكذا وهي تقرا ملاحظات السادة الرقباء وقالت (بعدك شاب)! عرفت طبعاً ماذا تقصد. وبعد ذلك أعطتني ورقة أتعهد فيها بعدم نشر قصة واحدة من المجموعة وإلا سأكون مسؤولا أمام السلطات الأمنية فاضطررت الى توقيع التعهد!
وأما بالنسبة الى دهوك فالحديث عنها يطول حيث قضيت ما يقارب سبع سنوات كسكرتير ثقافي حيث يحضر احد أفراد الأمن الندوة بشكل صلف وعلني وفى الأخير يطلب تقريرا مفصلا بكل ما جرى وما قيل فى الندوة!
كنا في إحدى المناسبات بصدد إقامة ندوة عن الشاعر (الجزيري) وكنا نريد يومها إعادة إحياء النشاط الثقافي بعد اتفاقية الجزائر المشؤومة. وكان علينا أن نستحصل موافقة امن دهوك على إقامة الندوة وتم الطلب عبر مديرية الثقافة الجماهيرية فأجابتنا مديرية امن دهوك بكتاب رسمي يستفسر عن عراقية الشاعر الجزيري من عدمها طالبا مني إيضاح ذلك فقلت لهم إن الشاعر عاش قبل خمسة قرون من اليوم وإن الدولة العراقية لم يمض على تشكيلها سوى ما يزيد قليلا على نصف القرن فكيف نبين ذلك! ولنا من هذه الأمثله الكثير الكثير.
{ هل تعتقد بأن الاتحاد قد نجح في الوصول الى شرائح المجتمع وفي تفعيل دور المثقف في الحياة الاجتماعية والسياسية؟
-خلال هذه السنوات قام الاتحاد (المركز العام وفروعه) بأعمال مشرفة من عقد الندوات والمهرجانات الأدبية وطبع الكتب للأعضاء ولغير الأعضاء، وعلاوة على القيمة الأدبية والفكرية لتلك الندوات فإنها أصبحت ملتقى ووسيلة للم شمل الأدباء من جميع أجزاء كردستان بينما مر علينا زمن كنا لا نحلم فيه بجزء ضئيل من ذلك. بالرغم من جميع الظروف نجد اتحاد الأدباء الكرد من انشط الاتحاديات الأدبيه على مستوى العراق بل وحتى من اتحادات دول الجوار، ولكي نكون منصفين يجب أن نقر بأنه لولا الدعم الكبير من حكومة الإقليم لما كان تلك النشاط أن يقوم أو يستمر.
أما بالنسبة الى تفعيل دور المثقف فى المجتمع فلا احد ينكر أو يقلل من دور الأديب فى المجتمع فهو معروف لدى الجميع لأنه يساهم في تغير قوى المجتمع الفكرية نحو تعزيز أسس بناء حياة معاصره
{ ما هي ابرز المعوقات التي تقف امام مسيرة العمل الثقافي في كردستان؟
قد اكون مغاليا في التفاؤل لكن الواقع يشير الى أن المعوقات قليلة جدا وخاصة بالنسبة للأديب فلم نجد يوما ان أديبا قد اعتقل أو استدعى الى جهة أمنية بسبب إلقاء قصيده أو كتابة قصة أو رواية. وعلاوة على ذلك هناك قانون صدر من البرلمان الكردستاني ينص على أن لا رقابة على المطبوعات. وحتى لو كان المطبوع يتضمن مسا اوتشهيراً بأحد فإن ذلك الشخص أو الجهة يمكن أن يقيما دعوى فى المحاكم قبل مضي ثلاثة اشهر على صدور المطبوع وبعد مضى المدة أعلاه يرفض النظر في ذلك.
قد تكون هناك مشاكل تحدث فى الصحافة والإعلام وتضيق من حرية الصحافيين والإعلاميين هنا وهناك وتقيد من مساحة الحرية، وكذلك إخفاء المعلومات عن الصحافة وأجهزة الإعلام سواء كانت بشكل متعمد أو نتيجة عدم إدراك أهمية ودور الميديا.
أما بالنسبة للمعيق المزمن وهو طبع نتاجه فلا أقول بأنه قد حل بشكل كامل ولكن هناك أكثر من جهة تتولى ذلك ولكن لا يثمن هذا الجهد وكان المبدع عامل دون مقابل.
{ بماذا يحلم المثقف الكردي ؟ وبماذا تحلم أنت شخصياً؟
-هل أنت جاد في سؤالك يا دكتور؟ الأدباء كلهم أحلام، وبالأحلام يحققون إبداعهم ويحلقون كالباشق عاليا فى السماء.
الأديب الكردي يحلم بدولة كردستانية تنهي مآسي أمة ممزقة تكالب عليها الأعداء من كل حدب وصوب ومن كل أصقاع العالم في أزمنة من التاريخ كان العهر السياسي هو السائد فيها, فاحتلت أرضه ونهبت ثرواته وتجرع شعبه الكواراث والمآسي الواحدة تلو الأخرى من قهر وظلم ونهب للخيرات وتشريد لشعبه من الأنفال السيئة الصيت الى إبادته بالأسلحة الكيمياوية الى السجون والمعتقلات والمقابر الجماعية. كان القرن المنصرم قرن المآسي لشعبنا ولذلك نريد ان يشهد القرن الحادي والعشرون نهاية للمظالم وأن نبصر حلمنا قبل أن نودع الحياة.
























