جريمة العصيان في مجموعة شعرية.. إزدواجية متفاعلة ذات بعد تكويني
مالك جابر الحميداوي
صدرت مجموعة ( جريمة العصيان ) للشاعر مهدي سهم الربيعي عن دار المتن للنشر والطباعة تتضمن المجموعة نصوصا نثرية والسرد التعبيري والدرامي أيضا .
التعابير الجائزة بتقنيتُها الحديثة هي خرق لنظام اللُّغة بتعدد الأنظمة المُتبعة في سياق الكلام ، وفي أغلب الأحيان هُنالكَ أزدواجية مُتفاعلة ببعدها التكويني وفلسفتها التي تلتحم مع أرهاصات النص فتولد تفاعلات لها القدرة الكبيرة على إيصال المعنى بعد تعدد القراءات وهذا يُتيح الفرصة لفهم مغزى الدلالات داخل العمل الأدبي
مع مراعات الحالة التي يمر بها الشاعر وما يتمخض عليه من تغيرات الطبيعة الديموغرافية
لمسيرة الفكر وكل هذا يتأثر مع تأثر الأحداث التي تمر عليه فتنقلهُ من عالمٍ إلى آخر يُنقِ المستقبل الموعود الذي ينتظر ولادة فكر جديد بعد تعدد الأحداث التي تمر عبرَ الأزمنة فتنفض الغبار عن الذاكرة التي خاضت صراعاً طويلاً أجتاح الفكر وأغلق أبواب التأمل التي كانت مُشرعةٌ نحوَ فضاءات لا حدود لها ، فتبتدأ الرحلة من جديد بطريقة ديناميكية أخذت على عاتقها التبلور
في منابع الحس ، حين يحملنا على جناحين إلى أقصى وأبعد مراقي الخيال، وينبشُ بمخالبهِ الدقيقة في صخور اللغة بحثاً عن كنوز وجواهر لم يسبقها إليها أحد ، هكذا هو التحول الديموغرافي عندَ الشاعر مهدي سهم الربيعي .
فيقول قبل التحول في نص ( تبتلات وزقزقة )
حبستُ أنفاسَ شوقي
أنفخُها
عندَ أغصان خصلاتها
أزقزقُها خلف أذنيها
أطبعها
على أعشاشِ نحرها الشهي
تمتد جذور التحول عندَ الشاعر إلى خلفية الأثر النفسي والإنطباعي الذي طغى على المشهد
السطيطيقية لعمله الفني وهو يرسم لنا لوحته الشعرية بأسلوبه المُتفرد الذي يعد منظومةً كاملةً مُكتملة من حيث البناء اللغوي والرمزية المُعتدلة التي يبحث عنها القارئ في فلذات متن النص وهي بمثابة فُسحة أمل يستجمع من خلالها
أفكاره و رؤاه فتتكون لديه فكرةً واضحةً عن أسراره وخباياه ، وهذا ما يطمح له الشاعر مهدي سهم في أغلب نصوصه الشعرية حيث يترك للمتلقي مساحةً واسعةً ليتأمل هذا الكم الهائل من التدفق الشعري ليجعله في واحةٍ مليئةٍ بالجمال .
يقول الناقد الكبير والمُعلم القدير (محمد شنيشل الربيعي ) ” أن قيمة النص المعاصر تتحقق من رؤيته الكونية الى الموجودات ومدى قدرة اللغة على ترتيب مفرداتها في عالم كثير التحول “
وهنا يكمن التحول الجذري عندَ الشاعر مهدي سهم الربيعي فيقول في نص ( غرقُ الأنهار شمسٌ بلا عذرية )
…1
صُراخٌ ..
تيهٌ عارمٌ بينَ الكلمات
أفكارٌ ملتهبةٌ
تتَناثرُ الخَطايا
عالمٌ يكادُ يَسقُط
يَلتصقُ الأسى
دونَ أختيار ثوباً ..
تَستتَرُ بهِ عورتُ الذنوب ..!!
ضَبابيةٌ قلقةٌ
تَهزأُ بواقعِ الحروفِ
أكبرُ ضَياع ..
حينَ فضوا بكارةِ الشمس
بَعضُ أطياف المُثرثرين الحَمقى
هنا أرخى الظلام ساعديه وغطى أماكن الجمال وبدء يتسربل رويدا رويدا ويحقن في وريد الحرف بعد التحول والإنقلاب العسكري الذي حدث داخل مكنونات النفس لتحدث ثورةٌ وصراعٌ
ودوي عاثَ في خلجان العواطف لينفجر كالبركان الذي تصل شظاياه لكُلِّ بقاع العالم وهو يعبر وينزف الحروف مُخاطبا كلماته التي طغى عليها
لون السواد ، وللصراخ دوي يسمعه حتى الأصم،
هكذا يبوح الشاعر باللغةٍ تُلامس شغاف القلب فتستدرج الأرواح التي ماتزال مُتعلقة بالفكرة التي يطرحها الشاعر وعنوانه الذي لعبَ دورا مهما في توصيل الفكرة للقارئ وكان محطة أنطلاق وعتبة مهمة جدا لسبر أغوار النص ، وهذه هي التقنيات المُزدوجة ببعدها التكويني التي تربط بين الناص والمتلقي الذي يبحث دائما وأبدا على تشغيل حواسه التي تجيد العزف على أوتار الحداثة .
وهذا مقطع آخر من نفس النص وروحي تتوق للوج في مكنوناته ولكن سوف أضعه بين أيدي القارئ كي يتأمل ويتأمل ويتأمل معي هذه الدفقة الشعورية التي تصب في بحر الشعر وتضيف له رقما صعبا لا يمكن تجاوزه بسهولة
…3
شواطئُ جزرٌ مفقودة
أجسادٌ مغروسة هُناك
جُذوعُ خاوية
تَشكو زَيفَ الرَبيع
نَومٌ قُربَ مَحارقِ
لَظاها شَظايا حممٍ
زَمجرتُ بركانٍ مُتدفق
تَكتسحُ ..
برهبةِ السيلِ
دونَ القدرةِ
على الوقوفِ
” الرؤى والنزياحات اللُّغوية “
تتكفل الرؤى برؤيا تجديدية خالصة ، حيث حملة المجموعة أستعاراتٍ وكناياتٍ عالية المضمون تثري بلاغتهُ ، مع غيابٍ كاملٍ للتشبية لأنه أقل الأساليب البلاغية تأثيراً ، وهناك قفزات داخل فقرات النصوص وهي تُشكل أنزياحات للُّغوية تعتمد على قدرة الشاعر وهو يستجمع أفكاره التي تُتيح لهو التلاعب بالمفردات بطريقة أعجازية خارج مألوف البُنية المعتادة التي تعودنا عليها في قصيدة النثر ، وهنا يكمن الفرق الجوهري في شعر مهدي سهم الربيعي بحيث يترك للمتلقي فهم وأستنباط وأدراك المعنى حسب
ما يمتلك من حُرية التصور والتخيل والأنفعال .
الشعر الجميل كائن حَي لا يَمنحُ نفسه بسهولة ، وشعر مهدي سهم كائن له عيون تبصر ويتطلع للنهوض بالثقافية الرصينة ، فَتشعرُ معه بالإمتاع والمؤانسة، لكنك لا تظفرُ بخباياه وأسراره قبل أن تعايشه وتنعقدُ بينكما أواصرُ الأُلفةِ، ومع ذلك يبقى مُتأبياً على الاسْتيعاب مُصتعصياً على الترويض ، لأنه قطعةٌ مُتقطعة من الحياة بكل تَدفقها وعنفوانها وغموضها وسحرُها الجميل.
شكرا كبيرا بعدد حروف مجموعة (جريمة العصيان) للشاعر الكبير مهدي سهم الربيعي وهو يرفدنا بروافد الإبداع الحقيقي .























