جذور مشاريع الأقلمة والفدرلة وتقسم العراق

عماد علو

منذ الانسحاب الأمريكي في كانون الاول 2011 ، فان المراقب للأحداث في العراق يلمس بشكل واضح تسارعا” في سعي اطراف سياسية واجتماعية لتحقيق الهدف الاستراتيجي الأساسي للاحتلال ألا وهو تقسيم العراق إلي عدة دويلات ! وقد سبق وأن اكتفت الإدارة الأمريكية في عام1991 بتشكيل كيان كردي في الشمال وتقسيم أجواء العراق إلي ثلاث مناطق حظر كبداية لمشروعها في تقسيم العراق الذي يعتقد بعض المراقبين أنها أجلته بسبب عدم تقبل البيئة الإقليمية والدولية المتحالفة مع الولايات المتحدة في حربها علي العراق لفكرة التقسيم وعدم نضوج البيئة الداخلية في العراق لتقبل هذه الفكرة في تلك المرحلة الأمر الذي كان سيؤثر على النتائج الايجابية التي حققتها الإدارة الأمريكية من حربها ضد العراق  منذ عام 1991 واحتلاله لاحقا” في العام  2003 وصولا” الى رغبتها الجامحة في تحقيق ما لم تتمكن من تحقيقه من أهدافها الكامنة وراء احتلالها للعراق  !

ان ارتفاع  بعض الأصوات لتفعيل الأقلمة والفدرلة على حساب الوحدة الوطنية العراقية ، كما يطرح بعض الساسة سيعني المزيد من التباعد بينها ، كما سيعني تعدد التأشيرات (الفيزا) التي على العراقي الحصول عليها للتنقل وزيارة أقاربه في المحافظات المتأقلمة والمفدرلة ! وإذا ما توسعنا قليلا” فان الأقلمة والفدرلة ستعني تأسيس قوات حرس الإقليم على غرار قوات البيشمركة لكل محافظة مؤقلمة أو ومفدرلة ! كما سيعني فتح مكاتب تمثيل دبلوماسية في كل سفارة عراقية في الخارج واستقبال كل محافظة مؤقلمة أو مفدرلة لقنصليات وممثــليات أجنبية  ! وكل مؤقلمة ومفدرلة سيكون لها الحق في التعاقد والتصدير والاستيراد وعقد الاتفاقيات الخارجية لوحدها

ان قراءة الدعوات للأقلمة والفدرلة المطروحة في هذه الظروف وعلى اسس من المذهبية والعرقية تجعلها غير بعيدة بل ومتناغمة مع الدعوات السابقة لتقسيم العراق التي اطلقتها اسرائيل والولايات المتحدة الامريكية !

حيث سبق وان ظهرت فكرة تقسيم العراق في سياق أفكار صهيونية لتقسيم الدول العربية من جديد في إطار الدعوة إلي (سايكس بيكو) جديدة في منطقة الشرق الأوسط إلا أن العراق اخذ الأسبقية الأولي في هذه الطروحات ، ففي مقال مطول عنوانه (ستراتيجية إسرائيل في الثمانينيات ) نشر عام 1980 لمستشار مناحيم بيغن حينما كان رئيسا لوزراء إسرائيل (عوديد ينون) ، دعا فيه إلي تقسيم الوطن العربي قطرا قطرا ، من موريتانيا حتي عمان في أقصي الخليج العربي ، علي أسس عرقية وطائفية يكون للعراق الأسبقية في التقسيم وسوغ ينون ذلك بقوله إن العراق هو العدو الأكبر لإسرائيل لذا يجب تقسيمه إلي ثلاثة دول ، دولة كردية في شمال العراق وأخري شيعية في الجنوب وثالثة سنية في الوسط ! . وفي ذلك المقال يحث ينون حكومة بيغن علي دعم إيران خميني من اجل الإسراع بتقسيم العراق علي اعتبار أن الحرب بين العراق وإيران في ذلك الوقت ستكون نهايتها سقوط الدولة العراقية. وان دعم ومساعدة إيران يأتي في سياق تطبيق خلاق لنظرية ( شد الأطراف ) ، والتي تعني أن علي إسرائيل تعميق صلاتها مع الدول غير العربية المحيطة بالأقطار العربية ودفعها لاستنزاف العرب وإشغالهم وخدمة المخطط الإسرائيلي ، ويسمي إيران وتركيا وأوغندا وإثيوبيا وغيرها.

وفي عام 1983 تناقلت الصحف المصرية تقارير عن خريطة قدمت للكونجرس الأمريكي تشتمل علي خطة لتقسيم الوطن العربي، هذه الخريطة قدمها برنارد لويس الصهيوني البريطاني واقترح تحويل البلاد العربية إلي دويلات طائفية وعرقية صغيرة بلا حكومات فاعلة ومن ثم استباحة الشعب العربي وثرواته وتحويلها إلي المجتمع الغربي لتتحقق له الرفاهية. واقترح برنارد لويس أن يقسم العراق إلي ثلاث دويلات: دولة شيعية في الجنوب ودولة سنية في الوسط ودولة كردية في الشمال العراقي والشمال الشرقي من إيران وغرب سوريا وجنوب تركيا…

كما لم يعد سرا أن الحرب الأمريكية علي العراق منذ عام 1991 شنت من اجل ضمان الأمن الإسرائيلي كواحد من أهم الأهداف الستراتيجية التي شنت الحرب من اجلها وهو ما جاء على لسان أكثر من مسؤول أمريكي وإسرائيلي بدءا”من الجنرال (شوارتزكوف) وانتهاء” بالرئيس الأمريكي السابق (بوش الابن). كما أن إسرائيل واللوبي الصهيوني في الكونغرس الأمريكي ، كانا وراء دعم المحافظين الجدد لصقور الحزب الجمهوري وتشجيعهم علي غزو العراق وهو ما ذكره أكثر من مسؤول أمريكي من المحسوبين علي المحافظين الجدد من أمثال ريتشارد بيرل الملقب بـ(أمير الظلام) العقل المدبر لغزو العراق .وعندما شعرت إسرائيل أن الجيش الأمريكي لم يتمكن من السيطرة بشكل تام علي العراق بعد نيسان 2003 يقول (باترك كلاوسن ) نائب مدير معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى والمقرب من البيت الأبيض في عام 2004 (…في نهاية العام الماضي وصلت إسرائيل إلي استنتاج بان إدارة بوش لا يمكنها جلب الاستقرار والديمقراطية للعراق وان إسرائيل تريد خيارا أخر. وقد أخبرت بان: بان إدارة شارون قد وضحت بان من اجل التقليل من الخسائر التي منيت بها الخطط الإستراتيجية الإسرائيلية من جراء الحرب…الخ ) إلا أن كلاوسن لم يشر بالتحديد إلي ماهية الخطط الستراتيجية الإسرائيلية ؟؟ ولكن ( جاي باخور) الباحث في (مركز هرتسليا متعدد الاتجاهات الإسرائيلي ) قال في ندوة إذاعية بثتها الإذاعة إلاسرائيلية :انه في حال لم يسفر الاحتلال الأمريكي عن تقسيم العراق فانه يمكن عد الحرب الأمريكية عليه فاشلة من أساسها ولم تحقق أهدافها .! وعد( باخور) علي وفق وكالة الأنباء الألمانية (انه يتوجب القضاء علي الوحدة الجغرافية للعراق و تسهيل إقامة دويلات طائفية في البلد .!!) (انظر جريدة الزمان العدد 2545 في 14/11/2006). إذن يمكننا القول أن الخطط الستراتيجية والأهداف الكبرى التي من اجل تحقيقها عبرت الجيوش والطائرات والبوارج الأمريكية المحيطات لغزو العراق وتدميره(لا تحريره ؟؟) كان لغرض تقسيمه إلي عدة دويلات طائفية وعرقية هزيلة .! تحقيقا لأهداف الخطط الستراتيجية الإسرائيلية وهو ما يؤكده قول الرئيس الأسبق لشعبة الاستخبارات الإسرائيلية (عاموس ملكا) (إن غياب العراق عن خريطة المنطقة بمساحته الحالية ووحدة أقاليمه سيكون احد العوامل المهمة في تقليص المخاطر الإستراتيجية علي إسرائيل) . مضيفا (أن تقسيم العراق يقلص من الطاقات البشرية والمادية التي يتمتع بها هذا البلد وأن العالم العربي بدون العراق الموحد هو أفضل لإسرائيل من العالم العربي بوجود العراق الموحد). (انظر جريدة الزمان العدد 2545 في 14/11/2006). إن الصورة التي تحاول وسائل الإعلام الأمريكية والإسرائيلية نقلها وترسيخها في ذهن المتلقي سواء في أمريكا أم في خارجها ولاسيما في العراق أيضا ان خروج القوات الأمريكية من العراق كان السبب المؤدي الى تقسيمه وتقطيع أوصاله ! وهذا الأمر ينقله أيضا(بيتر جالبريث) عبر كتابه الذي صدر في نيويورك والموسوم (نهاية العراق) (بأن ما كان يعرف بالعراق الموحد ذهب إلي غير رجعة بتفكيك مؤسساته الأساسية ، وأن الإدارة الأمريكية كتبت شهادة وفاة العراق، وعليها الآن الاعتراف بخطيئتها الكبرى واستخراج شهادات ميلاد للدويلات الثلاث المستقلة !!) .  وعليه فان الهدف الستراتيجي الأساسي للاحتلال وحسب الخطط الستراتيجية الإسرائيلية التي وضعت بالتنسيق مع الإدارة الأمريكية هو تقسيم العراق إلي عدة دويلات هزيلة. ولذلك فان الابقاء على عراق موحد سيعد هزيمة نكراء للولايات المتحدة والخطط الستراتيجية الإسرائيلية في المنطقة في الوقت نفسه سيعد هذا الامر انتصارا كبيرا للشعب العراقي على نتائج الاحتلال  الأمريكي البغيض .