ثالوث الحب والموت واللغة في »أسمي الردي ولدي« لحبيب الصائغ

ثالوث الحب والموت واللغة في »أسمي الردي ولدي« لحبيب الصائغ
أحلام الشاعر في مدن آفلة
ذياب شاهين
لا شكّ أنَّ التلقّي صدمتهُ ثريّا النص المتكونة من ثلاث كلمات وهي »أسمي الردي ولدي«، وبرغم كون العتبة صادمة لكنها تدل علي احتفاء غير عادي بالموت، فالموت هنا زائرٌ عزيز تقارب مكانته مكانة الولد المولود حديثا، ولأن الذي يولد حديثا يحتاج إلي إسم ويحتاج إلي من يتبناه إذا لم يكن له أب نجد الشاعر يتبناه حتي أنه يطلق عليه إسما »أي ولدي«، وهذا منتهي الاحتفاء، وبالرغم من حالة الميوعة في دلالة الثريا إلا أنها تنطوي علي معنيً أو عدة معان متقاطعة تبوح بها، فالموت »الردي« آخرُ موعدٍ في الحياة ولكنه هنا»بحسب الثريا« يُشخْصن ويُجنّس ليكون ولدا وليس بنتا، فالشاعر يدعوه»ولدي« وكأنه فرح به، الموت حين يلتقي الشاعر بالرغم من كونه ينهي حياة الشاعر إلا أنه في هذا اللقاء يمثل ولادة له »أي للموت«، إلا أنّ الشاعر يريد تحميلَ الموت »بوصفه ولدا له« ليكون لحظة بعثٍ للشاعر وليست عدما، فالموت سيكون عَقـُب الشاعر ونسلهُ لأنه سماه »ولدي« فالولد سيحمل اسم أبيه ويكون امتدادا لسيرته.
إن سيمياء ملفوظ »الردي« هنا تنطوي علي دلالتين متعاكستين هما العدم والبعث، فالجسد سيناله الاضمحلال والفناء ولكنه سيبقي حيا من خلال الإسم الذي أطلقه عليه الشاعر»ولدي«، فالشاعر باقٍ بالرغم من موته وهذه الدلالة في واقعها دلالة رجراجة ثنائية المعني فهي تشير للمعني ونقيضه، ولكن في واقع الحال يجد التلقي أن ما يختفي خلف هذا الاحتفاء والمحبة للموت إنما هو في حقيقته الخوف منه ومن سطوته، فالمعني السطحي للجملة يمثل تهليلا وتصفيقا لمجيئه لكن المعني العميق يدل علي رغبة مدفونة في لا شعور الشاعر بعدم الترحيب به، الموت هنا يمثل طاغية لا أحدَ يحبه ولكننا نكون أحيانا مجبرين للتصفيق للطغاة ليس محبة وعشقا لهم ولكن لدرء شرورهم وأخطارهم.
في البنية الميثية الإسلامية يمثل الإبن عدوا محتملا وغمّا»فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً «»القصص/28«، أو »إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم«»سورة التغابن/14«، إذن فالشاعر عندما يسمي الردي »ولدي« يقر لا شعوريا بخوفه من الموت وأنه يمثل عدوا يغمه ويحزنه لأن لا أحد يستطيع أن يدحر الموت فأية حرب مع الموت هي حرب خاسرة وحتي لو ربحت فهي مؤقتة وسيربحها الموت في جولة قادمة، وهذا هو سبب حزن وأرق الشاعر منه.
تداوليا ولأن ملفوظ الموت يمثل نمطا لتعدد مقابلاته بحسب فرانسواز أرمينكو»1«، فهي »أي التداولية« تهتم بكل ما هو وظيفة لمقابل علامة ما»2«، ولتعدد المقابلات نتيجة بنية»3« التعليق بين ملفوظي الردي والولد، فالجملة هنا ستأخذ وظيفة مركبة وبكليتها»أي بعدم تجزئتها«، فهي ذات وظيفة إخبارية أي أنها تخبر بقرب قدوم الموت وكذلك بالاحتفال به عن طريق تسميته»الردي ولدي« وكذلك فهنالك وظيفة نفسية تشي بخوف الشاعر وارتباكه أمام سطوة الموت وجبروته.
إذن فسيمياء العتبة تشي ويأولها التلقي بوصفها صرخة يطلقها الشاعر للتشبث بالحياة ورغبة منه للبقاء عن طريق الشعر وكتابة القصيدة، ولا شك في أن كون الديوان في حقيقته عبارة عن قصيدة طويلة واحدة فهو يعبر عن أن الحياة واحدة أيضا وطولها إنما يمثل طول الحياة ذاتها.
متن الديوان
يقر الشاعر أن هذا النص ينطوي علي نشيد، بل هو نشيده بالرغم من اعترافه أن نشيده مضجر، ولكنه لا يتواني عن شعرنة ظروف تأليف هذا النشيد، ولكن نشيد الشاعر نافر مثل حصان حين أسرجه ولم يستطع الإمساك به فقد تسرب من بين كفيه كأيام طفولته»4«: ــ
هذا النشيد نشيدي ولكنه مضجر
كنت ألـّفته حين قلبي معي
وأسرجته كطفولة نفسي
ثم ضيعته كطفولة نفسي
إن نشيد الشاعر مرتبط بقلبه»حين قلبي معي«، لذا فهو مرتبط بالردي، وكأنهما شيء واحد أو أن أحدهما يقود إلي الآخر، لذا فهو يسميه »ولدي«، ويسمي الحجارة »فلذة كبدي«، ولكن أية حجارة هذه التي يقصدها الشاعر هل هي حجارة القبر أم حجارة البيت أم حجارة الجسد وصلصاله؟»5«: ــ
وأسمي الردي ولدي
والحجارة فلذة كبدي
إن نص حبيب الصائغ هذا عبارة عن حكاية لا يمل من ترديدها كل يوم من مطلع الصباح حتي نهاية الليل، ومن بداية العمر حتي نهايته، ويقر أخيرا أن العمر أتعبه ولكنه يعلن انتصاره، ذلك الانتصار الذي غدا وكأنه معجزة »آية« ارتسمت علي الجدار بالرغم من وجود السقوف التي كانت تحد من تبلور هذا الانتصار»6«: ــ
أعيد الحكاية من مطلع الشمس
حتي انهمار الظلام علي خاتم العرس
في آخر الليل
في آخر الرأس
أتعبني العمر، فانتصرت آية في الجدار
علي غفلة السقف
لا يتواني الشاعر الصائغ في مخاطبة قلبه فهو يطلب منه أن يبقي في فوضاه تارة حين يقول له»7«: ــ
يكفيك يا قلب فوضاك
أو يخاطبه ليكتفي بموته فالموت بات الحجة الدامغة لهذا القلب وليس هنالك ما يبعث علي الاعتقاد بقدرته علي القيامة والبعث من الرماد فالفوضي التي يغرق فيها قلب الشاعر تبدو قد شلته وكأنه ميت»8«: ــ
ويكفيك يا قلب موتك،
فالموت حجتك الدامغة
ولا أثر لطيور القيامة فيك
وفوضاك تكفيك
يبدو وكأن الشاعر في حرب غير معلنة مع قلبه، فهو أحيانا يضحك منه، وأحيانا كثيرة يعانده قلبه والشاعر يقر أن قلبه دائما ينهض ضده»9«: ــ
وضحكت.ضحكت من القلب
فمن عادتي أنني أعلن الحب
من نور قلبي أكان معي أو علي
وحين يعاندني القلب،
وهو في أغلب الوقت
ينهض ضدي
الشاعر يعلن الحب أو الحرب وما يقوده إلي ذلك قلبه، ولكن قلب الشاعر ليس بوصلته فالقلب يشير باتجاه والشاعر يذهب بالاتجاه المعاكس، وأحيانا يدوس الشاعر علي قلبه فهو يتعامل معه حين يعانده وكأنه كلب ولا أكثر من ذلك، أما القلب فهو لا ينفك من النباح كما تنبح الكلاب علي القمر»10«: ــ
سوف أدوس علي القلب،
فالقلب كالكلب حين يعاندني
لكنه لا يصدقني،
ويعود إلي عادة الاتكاء علي قمر أسود
في ربيع الهشاشة
تحول قلب الشاعر إلي كلب أوعلي الأقل يراه الشاعر هكذا ، لكن ذلك لا يشفي غليل الشاعر بل يحزنه ولا يسعده بالرغم من كونه شتيمة إلا أنه يشعل نارا في صدره فالشاعر لم يفقد خزانة أسراره فقط بل أضاع شيئا عزيزا عليه»11«: ــ
أقول لقلبيَ:يا كلب
تلك شتيمته وحريقة صدري
فلمن بعد قلبي الذي قد تحول كلباَ
أبوح بسري؟
وبمن اعتني في الصباح المبكر
ولكن ما يقلق الشاعر شيء أكبر من الشتيمة والحريق والاعتناء، إنه الموت فالقلب الذي كان خزانة أسرار الشاعر في الحياة يود أن يكون نديمه في القبر، ولكن ذلك غير ممكن فالقلب لن يكون كذلك وثم هنالك النمل الذي سينهب جسد الشاعر»12«: ــ
ولمن أرفع النخب في القبر:
هل لقلبي الذي قد تحول كلبا
أم لنهبك يا نمل؟
نخبك نهبك
تتكرر جملة »لمن أرفع النخب« عدة مرات في النص وكأن الشاعر في جلسة شراب، وإذا كان الشاعر في أعلاه حائرا بين قلبه ونهب النمل، فهو في مقطع آخر يتخلي عنهما ويتساء ل فيما لو يرفع النخب لغده أم لأمسه أو لمستقبل الناس أو لسبات الشاعر الذي يمر من خلال »الأحزان« أو الأفراح »الأغاني« »13«: ــ
فلمن أرفع النخب يا نمل؟
لغدي أم لأمسي
لمستقبل الناس أم لسباتي المؤجل
عبر التوابيت والأغنيات؟
أو أن الشاعر يوجه الحديث إلي حبل وريده أو للنمل سوية فإذا كان حبل الوريد يمثل الحياة فالنمل يمثل ما بعدها »أي الموت«، إذن فأنطولوجيا الوجود هي التي تؤرق الشاعر وترهقه وتجعله يطلق أسئلة لا جواب لها»14«: ــ
والرصاصة تعرف بالضبط موضع حبل
وريدي،
فلمن أرفع النخب يا حبلْ؟
لك أم لنهبك يا نمل؟
أحاول أن أتناول حبل وريدي
بأيد مواربة ومحايدة،
ثالوث الشاعر
ترتبط رؤيا الشاعر الوجودية ضمن مثلث رجراج الأضلاع، فالمسافة بين رؤوس هذا المثلث غير معروفة فهي تتساوي حينا وتتخالف حينا وتنتفي حينا وكأنها نقطة واحدة، وهذا الثالوث هو »حب ـ موت ــ لغة«، فالحب لدي الشاعر صنو للاكتئاب والموت صنو للحسرة واللغة إبنة الفتوحات، إن ثالوثه هذا عبارة عن مركبات فضائية تسبح في فضاء وجوده الانساني بالرغم من اعترافه إنها منطوية علي حكاية ولكن هذه الحكاية معقدة»15«: ــ
يا حب يا موت يا لغتي
يا اكتئاب ويا حسرة يا فتوحات
يا مركبات فضائية
غير أن الحكاية أعقد مما أحاوله في اختطاف
الفراشات من شجر
أزرق في ضميري
الرأس الأول ــ الحب
يمثل الحب الرأس الأول لدي الشاعر في ثالوثه الوجودي، كما أن مكمنه القلب وهو مرتبط بالحياة، والحب يفترض وجود الحبيب وهذا الحبيب قد يكون امرأة وقد يكون شيئا آخر لذا فالشاعر دائما يعلن الحب ومن نور قلبه»16«: ــ
فمن عادتي أنني أعلن الحب
من نور قلبي أكان معي أو عليَّ
إن الحب لدي الشاعر لا يفيض علي ما هو أرضي، بل هو نتاج ما هو أرضي ويجده الشاعر نتاج معاناته في الحياة لذا فهو يتجه بالحب إلي خالقه ضمن دعاء تلهج به روحه كما أن الحب مرتبط لديه بالبعد والقرب وما يعتريهما من سفر وبكاء»17«: ــ
إلهي تعبت وأني أحبك
البعيد يسافر أما القريب فيبكي علي حظه
ولكن هنالك أيضا حب الذات وهو مرتبط بالانتظار أي إنتظار »المرأة ــ القصيدة«، فالشاعر ــ يقدم نفسه وبإرادته لينتهي عند حب نفسه»18«: ــ
وبمحض إرادة نفسي انتهيت إلي حب
نفسي وقدمت نفسي.
انتظرت المحطات تأتي ولم تأتِ
إن علاقة الشاعر بـ » المرأة ــ القصيدة« علاقة غامضة وغالبا ما يلتقيها في حافة الحلم، في لحظة بين اليقظة والغيبوبة وهي نتاج أحلام يقظته ليس إلا، وفي هذا المكان تبتدئ اللعبة بينهما، وبالرغم من كونها لعبة مرعبة »فجأة وبدأنا معا لعبة الرعب« »19«، لكنها تنطوي علي الحب المجتهد والمخاطر فإذا لم يكن الحب كذلك فلن ينجح في بلوغ مراميه وسرعان ما يزول ويتبخر»20«: ــ
وعلاقتنا في مكان علي حافة الحلم ليست
أقل وأكثر
إذا الحب لم يجتهد فهو مبتدئ
ويحتاج أن يتدرب أكثر
إذا الحب لم يركب الصعب
سرعان ما يتبخر
ولكي يقطف الشاعر» المرأة ــ القصيدة« يحتاج إلي حب غير عادي، حب يحفظ خيالات الشاعر الرجراجة ويرسمها كلماتٍ تعكس اختيالاته المجلجلة، إن رحلات الشاعر الحلمية تستوجب حبا له أصابع رسام ومهارة قناص وإلا فهو ليس حبا ولا حتي ظل يشير إلي الحب، إنه أطلال حب لن يوصل إلي شيء متعين ومن هنا تأتي معاناة الشاعر حين تباغته القصيدة في أحلامه»21«: ــ
إذا الحب لم يرسم الاختيال المجلجل
في موكب من صميم الخيال
فلا هو حب
ولا هو ظل يشير إلي الحب
ولكن الحب يأخذ معان أخري عند الشاعر، فإذا كان قد شخصنه في أعلاه نجده في مكان آخر يصارحه بحبه له، ويشظيه إلي معنين متناقضين في دلالتيهما هما الهمس والجنس، بل يجده الشاعر أملا بل منتهي أمل الآملين»22«: ــ
وإني أحبك يا حب يا همس يا جنس
يا منتهي أمل الآملين
المقيمين منذ القيامة
في حجرات المقام الحزين
إذن فالحب قد يقود إلي الهمس بين الحبيبين أو يقود إلي الجنس بينهما، ولكل منهما سطوته ومتعته فالاولي»متعة الهمس« عذرية روحية سماوية ومتعالية، والثانية »متعة الجنس« غير عذرية جسدية أرضية متهاوية، وإذا كانت الأولي مرتبطة بالجنون ومن ثم النجاة كما في حالة »مجنون ليلي« فالثانية سيكون مصيرها في الميثيا العربية الموت كما حدث ذلك للمنخل اليشكري، وإذا كان مقام من اقترفوا الفعل العذري »الهمس« الجنون ومن ثم الجنة بعد القيامة لينالوا المقام الفرح، فلا شك فإن الذين يذكرهم الشاعر في أعلاه بأنهم مقيمون في المقام الحزين»النار« بعد القيامة سيحتاجون الحب لكي يعفي عنهم .
الرأس الثاني ــ الموت
يمثل الموت رأسا ثانيا في مثلث الشاعر الأنطولوجي، وهو سؤال الشاعر الكبير لذا فهو يسبغ عليه كنية مهمة ومعبرة حين يسميه »ولدي«، ولكن الشاعر يؤسس دربا للحب والموت معا ويجعلهما في صحبة في رحلته الوجودية والحلمية»23«: ــ
أؤسس للحب والموت دربا معا
ولو تتبعنا موضوعة الموت في الديوان فهي تبدأ منذ أن قربه الشاعر وسماه »ولدي«، إن الموت لدي الشاعر مرتبط بالميتافيزيقا وبجند السماء الذين أحاطوا برأسه فكان ضجيجهم طريقه إلي الموت وإلي موت السلالة أيضا »24«: ــ
قلت هذا وأسرفت في وصف جند السماء
الذين أحاطوا
برأسي، وأخاطوه لي من جديد
فكان الضجيج طريقي إلي الموت
موتي وموت السلالة
يرسم الشاعر لوحة متخيلة للموت، وهذه اللوحة ناطقة وكأنها تجري في مسرح كبير هو مسرح الحياة لا غيرها، وهي لوحة سريالية يمتزج فيها الواقع بالحلم والحقيقة بالأسطورة، لذا فهو يدعو إلي إزاحة الستار كي نري الطريق إلي الموت الأبدي حيث يتجمع الجميع علي شكل عمالقة أو أبالسة»25«: ــ
فهيا أزيحوا الستار سريعاً
ليجمعنا مهدنا من جديد
ونحيا عمالقة أو أبالسة
في الطريق إلي موتنا الأبدي
لكن العمر يروض الشاعر ويؤنسن وحشته وأسئلتها، حتي ليغدو الجواب عاديا ورتيبا بالرغم من الضجة التي يثيرها الموت في غرفة نومه، إن الموت يغدو جزءا من اللعبة وليس لاعبا طارئا فاللعبة لا تكتمل إلا بوجوده وهو متواجد في كل صفحات الرحلة»25«: ــ
أذهبَ العمرُ
وحشة أسئلتي،
وتحولت إلي جوابٍ رتيب
بينما ضجة الموت تغمر غرفة نومي
إن العمر لدي الشاعر ما هو إلا ذئب، لذا فالشاعر يعاتبه بعدما لم يبق في صدره سوي العويل والنواح، ويسأله عن سبب تشريده لأحلام الشاعر في البراري، إن هذا»العمر ــ الذئب« يشبه راع يؤلف قطعانا في الظلام، بل بات مستقبلا للموت الذي هو آت لا محالة»26«: ــ
هل تبقي من الصدر يا ذئب إلا العويل؟
فعلام تشرد أحلامنا في البراري
كأنك راعٍ يؤلف قطعانه في الظلام
كأنك مستقبل الموت إذ يتأهب
الشاعر لايخاف الموت لذا فهو يدعوه للمجيء، ويخبره بأنه قد مل الانتظار ولا يخاف أنامله التي تشبه السهم، فأنامل الموت المستدقة يشتهيها الشاعر لأنها طريقه نحو النجاة»26«: ــ
تعبنا من الانتظار فيا موت لا تتردد وهات
أناملك المستدقة كالسهم في عين صانعه
أو كدروب النجاة
أناملك المشتهاة
الموت عند الشاعر مرتبط أيضا بالكتابة، حتي إن كتابة القصيدة تنبئ الشاعر بالموت شنقا، حيث يقول»27«: ــ
الكتابة حتي كتابة هذي القصيدة
تنبئ بالموت شنقا
إن حقيقة الموت مرتبطة بوعي الشاعر وهي حقيقة تربط بين تصرفين للجسد الانساني، فقد يضطر الشاعر فيها للكذب حينما يعلن إلا وجود للسر في الموت، وحينما ينتشر السر بين الناس ويرددونه طول الحياة، يرجع الشاعر للصدق فشرط الموت قاس وينطوي علي سر كبير»28«: ــ
يسجنني الوعي في قفص
من هياكل عظمية،
فأضطر للكذب
لا سر في الموت
حتي يردده الناس طول الحياة
أعود إلي الصدق،
فالشرط قاسٍ
… … …
يصرح الشاعر بوجود فكرة واهية تلعب به، فالموت وحساب ما بعد الموت يؤرقه، فهو يعرف بوجود ملكين سيسألانه عما فعله وعما لم يفعله، لذا فهو راغب بتحقيق موته علي الأرض»29«: ــ
في موازاة ما يحدث الآن،
تلعب بي فكرة واهية:
أن أحقق موتي علي الأرض
إن الشاعر يرغب في تحقيق موته النهائي، بل يرغب أكثر من ذلك، فالشاعر يرغب في التفرج علي جثته وهي تمشي، ولكن كيف يحدث ذلك ومن يحقق له هذه الرغبة التي لايمكن تحقيقها»30«: ــ
أحاول تحقيق موتي النهائي:
أن أتفرج وحدي،
وفي موكبٍ،
وعلي مهلٍ
وبطيئاً بطيئاً،
علي جثتي وهي تمشي
يقول الشاعر إن قبره يؤبنه في كل يوم ويكشف ستره، ولأن الختام يتشكل في كل عام لذا فلعبة الموت لعبة مرعبة لكنها لعبة ملعوبة باحترام»31«: ــ
ولكن قبري
يؤبنني في كل يوم، ويكشف ستري
ولأن الختام
يتشكل، مثل البداية، في كل عام
أري لعبة الرعب ملعوبة
قرب روحي،
وملعوبة باحترام
إلا أن الموت أزلي وهو ما يصرح به الشاعر وهو ما يذهله، وبالرغم من طلوع الشاعر من لحظته وهو مجبر علي ذلك إلا أنه سرعان ما يعود إليها»32«: ــ
لا حول لي حين أطلع من لحظتي
أو أعود إليها،
ولكنه الموت يذهلني بتقدمه الأزلي
الرأس الثالث ــ اللغة
اللغة تمثل الركن الثالث والأخير في رحلة الشاعر الوجودية والمتبدية علي شكل كتابة شعرية فيها، إلا أن الشاعر يحتفي باللغة شفاهيا وليس عن طريق الكتابة فقط ويتم ذلك عن طريق الغناء»33«: ــ
لا عذر لي وأغني
وحبيبي يغني معي
اللغة بيت الشاعر وهي بيت قديم يسكن الأجساد الانسانية، وتتعلمنا فطرة لأننا نسكنها ونحل فيها قبل أن نتعلمها وتحل فينا، والطريق إليها يمر عبر الزمكان الذي يخترق جسد الشاعر وبدون المرور بهذا الزمكان الأنطولوجي لا سبيل إليها»34« وإذا كانت اللغة بالنسبة إلي الشاعر مدينة حلمه فهو يخاف من غدها الذي يبشر بأفولها: ــ
فماذا أقول؟
لا سبيل إلي لغتي،
والمسافة واحدة،
فمدينة حلمي إلي غدها في الأفول
الشاعر ينتمي إلي لغته كانتماء الحروف إلي الأبجدية، ففيها حياته ويتنفسها هواء وحياة ووجودا، وإذا كان الإنسان يفكر من خلال لغته فالشاعر يتنفس من خلالها لذا فهو يعود إليها بين حين وحين فهي الجذور ولا مفر منها»35«: ــ
نـَفَسي وانتمائي إلي لغتي
ولذلك سوف أعود لها بين حين وحين
كذاك السلالة تأمرني
يورث الشاعر لغته إلي حفيده فهو ابن الأسطورة وإذا كان الشاعر يسمي الردي»ولدي« والحجارة»فلذة كبدي« فهو يسمي اللغة باسمها ذاته ويدعوها »لغتي«، ويطلق عليها اسما آخر»منفاي« فالشاعر منفي إليها وفيها»36«: ــ
وأسميك يا لغتي لغتي
وأسميك منفاي
إن الشاعر حين ينتمي إلي بلاده بوصفها رحما ومكانا آمنا، يتناسخ فيها ومن خلالها، ويترجم حياته إلي لغة غير معقدة، سهلة بتراكيبها ومفرداتها، وتكاد لسهولتها أن تنساب من بين أصابعه فهي غير مستعصية في سهولتها وأنثويتها وقوية في فحولتها»37«: ــ
ومنذ ترعرعت تحت سماء بلادي،
وطوقني من تضاريسها رحم ومكان
وأنا أتناسخ بالكاد
في ضمة أو محاولة أو دخان
وأترجم في كل يوم حياتي
إلي لغة سهلة في تراكيبها ودلالاتها
ممكنة وخلاسية في سهولتها وفحولتها
إن اللغة التي ينشدها الشاعر لغة شاملة تصلح لكل شيء، تصلح للسياسة والعبادة وللحب وللفسق، لغة أنيقة وحالمة تجمع غناء الجنيات وصهيل الخيول وتكدس في صدرها شذا الورد»38«: ــ
وتصلح للاقتصاد كما للسياسة والعشق
وللطهر والفسق
لغة من مناغاة جنية وغناء حصان
لغة تتأنق حتي الثمالة
وهي تدبر أحوالها،
وتكتم في صدرها الأقحوان
/2/2012 Issue 4125 – Date 18- Azzaman International Newspape
جريدة »الزمان« الدولية – العدد 4125 – التاريخ 18/2/2012
AZP09