
تقنية القصة في تنابلة هارون
جهود إيصال النص السردي جاهزاً
يوسف عبود جويعد
في المجموعة القصصية (تنابلة هارون) للقاص عبد علي اليوسفي ، وهي احدث مجموعة لديه، صدرت هذا العام المجموعة الخامسة من ضمن سلسلة اصداراته ، وهي امتداد لمسيرته في تناول النصوص السردية ، لصناعة فن كتابة القصة القصيرة ، بالاسلوب ، والرؤية ، وزاوية النظر ، المتبعة لديه كسياق فني يميزه عن اقرانه من صناع فن القص ، اذ يعمد وبدراية ووعي تام ، الى جعل النص السردي بنيويات متراكبة متصلة متماسكة ، ويبدأ بتقديم المبنى السردي خطوة بخطوة ، مستخدماً ادوات السرد ، الشكل ، المضمون ، الزمان ، المكان ، الشخوص ، الحدث ،الثيمة ،لكنها تختلف في تناولها عن ألاخرين ، كونه يجعل كل لبنة في البنية السردية تضم هذه الادوات ، والتي تشبه الى حد بعيد ، قطعة السيراميك المزخرفة التي تحوي اشكالا والوانا متعددة ، الا انها جزء صغيرة من لوحة كبيرة ، لا تكتمل ملامحها ، ولا تظهر للعيان ، ولايمكن معرفتها ، الا بعد اكتمال اللوحة ، عندها تبرز اللوحة شاخصة امام الانظار بشكل جلي ، وهي صيغة سردية تتطلب من السارد جهدا فنيا غير اعتيادي ، اذ ان النص مكتمل في مخيلته ، وعليه ان يعيد هيكلته وبناءه ، ولكن المتلقي عليه ان يتابع بشغف حركة المبنى السردي جزء بعد الآخر ، دون ان يعرف الخطوة التي سوف يقوم بها السارد الا بعد ان يضع لبنتها ، عندها ينتقل المتلقي بأنتظار اللبنى القادمة ، التي تمثل حركة انتقالة نحو استمرارية المبنى السردي ، وكأنه في ذلك يتابع اكتمال اللوحة ، لتتضح امامه معالم النص السردي الذي يتابعه ، وهي تحتاج من السارد الى خبرة ومهارة وقدرة في رص احداث النص ضمن المبنى السردي ، وتحتاج ايضا الى تأن شديد ، اذ يجب عليه ان يضع اللبنة المناسبة في المكان المناسب ، والا فأن الرؤية المتوقعة للسارد سوف تختلف ، وتتفكك البنية السردية وتختفي معالم النص السردي وفق السياق الفني المتبع ،اي ان القاص في هذا الاسلوب الصعب تكون الصورة في مخيلته مكتملة تماماً ، لكن يحتاج الى صبر كبير من اجل نقلها الى المتلقي ،جزء بعد جزء ، وهذا الاسلوب الذي يتبعه القاص في تناول النص السردي هي صفة ومهنية يجب ان يتسم بها صناع فن القصة القصيرة ، الذي ينقل بدوره حالة الصبر والمتابعة الى المتلقي الذي عليه ان يتابع حركة السرد بكامل عدتها ، حتى يصل الى اكتمال اللوحة السردية التي رسمها القاص ببراعة وجهد فني اضفى على العملية السردية ملامح القص ، الذي يجب على كل سارد ان يتناوله ، ورغم صعوبة هذا الاسلوب في التناول السردي ، الا انه يعد الوسيلة المثلى لايصال النص الى المتلقي بالطريقة الفنية المتبعة من اغلب كتاب القصة ، الذين يرومون تقديم نصوص سردية ناضجة ، وفي هذا الاسلوب الذي يتبعه القاص عبد علي اليوسفي في تدوين نصوصه السردية تكمن فنية صناعة القصة القصيرة ،لأنه لايقوم بضخ ادوات السرد دفعة واحدة وكشف الاحداث والثيمة منذ السطور الاولى للنص السردي ، والذي يقع فيه اغلب كتاب القصة ، كونهم يقومون بتناول الاحداث بادواتها دون منهج مدروس ، ومعالجة فنية يتطلبها هذا الجنس ،فتظهر النصوص واضحة مكشوفة ، ولا تحتاج من المتلقي الى متابعتها ،بل انها تتضح واضحة الملامح من الوهلة الاولى ، حتى ان المتلقي يستطيع ان يكتشف ما سوف تؤول اليه الاحداث دون الحاجة الى اكتمال متابعتها ، ولكن القاص الحصيف ، عليه ان يستخدم مهارته ، من اجل تقديم نص سردي لايمكن اكتشاف اكتمال ملامحه ، الا بعد ان يضع آخر لبنة في المبنى السردي التي تمثل اكتمال اللوحة السردية ، والتي قدمت للمتلقي جزءا بعد آخر ، وفي اول نص سردي لهذه المجموعة (تلبانة نوراه) يقدم لنا القاص احداثا سردية لعملية احتيال وسرقة بيت بطريقة غريبة ، اذ ان بطل هذا النص يمتلك بيت ايل للسقوط ،بسبب تأكل الجدران من الرطوبة ، واستفحال العثة والارضة داخل هذا البيت ،فيأتي بسبعة عمال من (المسطر) ، كونه ذهب في يوم عطلة .
سبائك ذهب
ولم يجد سواهم ، وكان البيت يحوي كتبا كثيرة ، ولوحات ثمينة ، وسبائك ذهب مدفونة ،لم يعلم بها صاحب الدار الراوي ،فينتهزون عدم وجوده وعدم متابعته ، ويسرقون هذا البيت ويهربون ، مع هذا النص عمد القاص الى وضع هامش مكمل للحدث السردي عن (تلبانة نوراه) (عندما وصل خبر التلبانة للخليفة بأنهم امتنعوا عن تنقيع الخبز في سوب لحم العجل الذي امر بإحضاره اليهم بعد ان تعرضوا الى المجاعة ..وانهم قد فضلوا رميهم في جب البحر ..ضحك الخليفة واحمرت عيناه واحتقن وجهه .. نظر صوب الحاجب .. امر برميهم في غياهب البحر من اعلى جسر في المدينة ) ص 16 ، ولم يكتف بهذه الحكاية هامشاً لهذا النص ، بل انه استمر بتدوين الهامش مع حركة احداث النص ، ليوضح جوانب مضمرة داخل النص ، مكملة للاحداث.. ان هذه القصة تحمل بين طياتها دلالات رمزية كبيرة وغاية في الدقة ، اذا ما عرفنا ان هذا البيت هو الوطن ، وان صاحب البيت اهمله ولم يتابعه ، وان السراق من داخل الوطن ، أما النص السردي (أنا غاتسبي) فأنه يحيلنا الى اكتشاف الاسلوب الذي انتهجه القاص في تناول نصوصه السردية ،بشكل اكثر وضوحا ، حيث المقهى وملامح المكان والزمان ، والرجل الثري السارد والغريب وتتدفق الحركة السردية نحو مسارها الهاديء ، وقد اجاد رسم ملامح المكان ،واغدق في وصفه ،للحد الذي جعل المتلقي يكتشف ملامحه ، وكذلك رسم ملامح شخصية الغريب ، والذي من الضروري ان بنتبه لها القاص ،لأنها ضرورية ، كونها تضفي على النص السردي وقعاً اكثر تأثيراً وتبعده عن السرد المتخيل ،الذي لايحمل اي ملامح ، وهكذا يتدفق الحدث السردي نحو النمو والتكامل ، وعندما تحدث الرجل الغريب عن حياة غاتسبي ( من هو غاتسبي ؟
– امريكي واهم مثلك أخذوه للحرب إلا انه هرب الى البحر وقضى سنوات طويلة تتقاذفه الأمواج في السفن الكبيرة ،عند عودته مكللاً بالورد والثروة أخذ يبحث عن حبيبته فلم يجدها ، بنى قصراً منيفاً وراح يقيم الحفلات الاسطورية فيه ، ويدعو اهالي المدينة عسى ان يعثر عليها بينهم . لما وجدها قتلته بعد فترة وجيزة )) ص 56
تشابه حياة
يجد هذا الرجل الثري ،أن حياته تشبه الى حد بعيد حياة غاتسبي ،لأنه يعيش اوهام كأوهام غاتسبي ، وتلك الاوهام سوف تودي بحياته كما حدث له.
أن هذا التناول في السرد يتيح للسارد فرصة اكبر ، ومساحة اوسع يدون فيها الاحداث ، دون ان نجد اسقاطات لذاته وسلوكه وطبائعه ، اذ اننا نلاحظ في الآونة الاخيرة ولدى اغلب كتاب القصة وجود ملامح ذات القاص داخل النص ، وهذا يشكل خللاً كبيراً يضر في مبنى السرد ، بل ان ذلك يقربها الى السيرة الذاتية ، الا ان القاص عبد علي اليوسفي استطاع ان يتخلص من ذلك بهذه الطريقة التي تناول من خلالها احداث نصوصه السردية ، وفي قصة (ردهة ضابط ) نكون مع حياة ضابط ، حيث المرض ، المشفى ، السرير ، العقار ،وراو يتابع حياة هذا الضابط ، وهي تنحى ذات المنحى سالف الذكر ، وفي قصة (حسناء الاذاعة ) ينقلنا القاص الى مرافئ دافئة ونحن نتابع بطل هذا النص ، وحياته ، وآماله ، وتطلعاته ، وشوقه الكبير للمذيعة الحسناء ( كنت مستلقياً على جسد الماء وهو يسير بي لمسافات طويلة مبتعداً عن ثيابي التي خلفتها ورائي ، أخزن (واهماً) الصور الجديدة التي تراجعت أمامها نحو التلاشي والتجاهل وجوه فتيات القرية ، والنساء اللائي لوّحت وجوههن الشمس الحارقة ، وصور الدواب وبيادر القش ، والحقول العطشى ، وجذوع النخيل اليابسة ، ونحيب الأمهات في المقابر ! وحوافر الخيول المطهمة ، وكتاتيب الأهل القدامى ، وجثث الحيوانات النافقة ، وأفاعي التي تقتل الأهالي ، ووجوه اللصوص العابسة ، المخيفة ليلاً الشبيهة بالجلود اليابسة )ص 82 ، هذا المقطع من النص السردي ، يؤكد لنا حقيقة أن القاص تمكن من نقل الاحداث ، والتعبير عنها بشكل اكثر مرونة وحرية ، اذ انه استطاع ان يتناول النص السردي ، ويوظف كل امكانياته الفكرية من اجل ان يعيش مع الاحداث دون سواها ، وبهذا يقدم احداث قصصية ناضجة ، وفي قصة (حطب الذاكرة ) يقدم لنا القاص حالة جديدة كون بطل هذا النص يدخل في غرفة ممتلئة بالكتب والقصاصات الورقية والصور ، لنعود معه عبر الذاكرة الى تلك الاشياء واسباب وجودها ،باسلوب فني رائق ، اما قصة (الرائحة) فأن ثيمتها الرئيسية واحداثها وسياقها الفني الرائحة ومدى تأثيرها ،
أن المجموعة القصصية (تنابلة هارون) للقاص عبد علي اليوسفي ، تمنحنا فرصة كبيرة لمعرفة فن صناعة القصة القصيرة بشكلها الصحيح ، وتؤكد لنا ضرورة ان يهتم القاص بنصوصه السردية ،و يمنح الاحداث حرية الطرح الصافي النقي دون دخيل ، اننا نكتشف من خلالها الجهد الفني الذي يبذله السارد من اجل ان يصل النص السردي ناضجاً ومهماً وواضحاً، وكذلك يعطينا فرصة لمعرفة التناول الصحيح لهذا الجنس الصعب جداً ، والذي لايمكن استسهاله ، انها مجموعة قصصية تقدم لنا نماذج من النصوص تجعل المتلقي يعيش معها بكل حواسه ، وهي اشارة تنبيه الى صناع هذا الفن الصعب بضرورة بذل الجهد الفني لتصل نصوصهم الى هذا النضج
























