تعالق الشجن والسرد في النص الشعري

تعالق الشجن والسرد في النص الشعري”الهواء يأخذ شكل من نحبهم حين ننساهم”

بيات مرعي

النص الشعري” الهواء يأخذ شكل من نحبهم حين ننساهم” للشاعر مروان ياسين الدليمي، المنشور في صحيفة الزمان .حفر أثري في طبقات الذاكرة، حيث تتحول الصورة الفوتوغرافية من ورقة صماء إلى كائن حي يمتلك رئتين وأصابع.
يبدأ الشاعر رحلته بالجلوس على (جذع من صمت)، وهي استعارة مذهلة تحول السكون إلى مادة فيزيائية يمكن الاستناد إليها، لكنه يكتشف سريعاً أن هذا الصمت ليس خشبياً، بل هو جرح مفتوح يمتد كجسر سري يصل بين شيخوخة الحاضر وطفولة الأمس.
الصورة فخ زمني

في قلب هذا السرد الشعري، تبرز (الصورة) كفخ زمني. وهنا الشاعر يرى نفسه طفلاً يجلس بين ركب غائبة، في زمن كانت فيه الأحذية (لم تخطئ الطريق بعد) وكأنه يشير إلى تلك البراءة التي تسبق التورط في دروب الحياة الوعرة. تتجلى براعة النص في تحويل المحسوسات إلى تجارب حسية مركبة، فالضوء هنا لا يُرى فقط، بل يُشم وله رائحة (صدأ رقيق)، والضحكات ليست مجرد أصوات، بل هي كائنات حية (تُفقس) على الوجوه. هذا التداخل الحسي يجعل القارئ ينغمس في جو الصورة الفيزيائي، ويشتم رائحة الغبار والورق القديم.

ينتقل النص ببراعة من العام إلى الخاص، مستحضراً أسماءً بعينها (سعاد، كريم، فاطمة)، ليحولهم من مجرد أصدقاء طفولة إلى أيقونات للفقد. كريم الذي غدا (نصف طفل ونصف رماد) يلخص مأساة الحرب التي كذّبت حدس الطفولة، وسعاد التي غابت وتركت شريطها الأبيض عهدة لدى شجرة الأرز، وفاطمة التي يكسر صوتها رتابة الصمت مثل طباشير على سبورة الزمن. هؤلاء ليسوا أمواتاً في مخيلة الشاعر، بل هم (حشرات شتوية) نسيَت أن تعود إلى أوكارها، وهو يحاول إخراجهم بلقطاته السردية من بين ثنايا الصمت والطحلب.

مواجهة الأنا مع الأنا

أكثر ما يثير الشجن في هذا السرد هو تلك (المواجهة) بين الأنا الحالية والأنا القديمة. الشاعر يصف طفله القديم بـ (الجاسوس) الذي يراقبه من داخل جسده المهترئ، يسخر من بكائه أمام الوثائقيات، ومن عجزه أمام مفردات مثل (الفاتورة) و(المنفى). هناك هوة سحيقة بين طفل كان يظن الأرض خضراء والضحك مادة متجددة، ورجل يدرك الآن أن كل شيء يكبر، حتى (الفقد) ينمو ويصبح له أنياب.
ويختتم النص برؤية ميتافيزيقية مدهشة، فالصورة التي كانت صامتة في البداية، تبدأ في التحرك ليلاً، تتكئ على عصا، وتعاتب الشاعر على نسيانه أو تركه لهم في ذلك المربع الورقي الضيق. ينتهي النص باعتراف موجع:

نحن لا نبتسم للمصور لأننا سعداء، بل نحن نودع أنفسنا في تلك اللحظة دون أن ندري. الصورة في النهاية ليست ملكاً لمن رحلوا، بل هي عبء وسلوى لمن بقي وحيداً يحرس ذكرياتهم تحت وسادته، منتظراً حلماً أخضر يعيد لم شمل أولئك الذين أخذ الهواء شكلهم حين نسيناهم.