تسارع الخطى وتفكيك المعنى

السؤال مفتوح على تعدد الإحتمالات

تسارع الخطى وتفكيك المعنى

علي لفته سعيد

تبدو العلاقة واضحة بين العنوان في رواية ( تسارع الخطى ) لأحمد خلف وبين بنية الكتابة التي انتهجها كتدوير بنائي للثيمة والفكرة وهو ما يجعل الترابط احد اهم الطرق التي يبحث عنها المتلقي كلما سارع هو الى مسك خيوط الفكرة التي تتعامد مع الهدف والقصدية وتكون في حالة افقية في طريقة البناء واستخدام اللغة وتوزيع الشخصيات

بنية العنوان

ان العنوان اذا ما عد العتبة الاولى او بقعة الضوء الكبيرة التي تسلط على الأجزاء الأخرى من مساحة النص التي ستزرع بأفكار وطرائق الثيمة فانه يعني ان تسارع الخطى تحتاج الى تأني في التأويل والى مفتاح قادر على فتح مغاليق النص والى مسك الضوء والكشف عن بؤر التسارع والخطى داخل النص من خلال ربط الشخصيات وحركتها بالتزامن مع الزمان والمكان وما يمكن ان يفضي الى الواقع الثقافي للمؤلف والواقع القصدي للفكرة والتي يبدو من خلال الوهلة الاولى انه تسارع من اجل الهرب او تسارع من اجل التخلص من شيء ولكن يمكن ان ننطلق باتجاه التأويل والتحليل وتبيان معالم القصدية من ان التسارع نحو الحرية والانعتاق من رقبة الخوف والتخلص من فعل الاسر ولهذا يحتاج هذا التسارع الى تفكيك اسباب الخطف التي ستتضح بمحمولها الدلالي وبعدها الفلسفي انه لم يكن مختصرا ومقتصرا على شخصية البدل الذي حمل اسم عبد الله بل ان عبد الله هو المواطن العراقي

قيادة الاستهلال

تبدا الرواية فعلها الحركي المرتبط بالعنوان منذ الاستهلال.. المفتتح الذي يقود سير الحركة الى الأمام ومن ثم رسك طرق الانتقال الكتابي للحركة المصاحبة سواء منها للشخصيات او الذكريات المرتبطة بكل تأكيد بالشخصية المحورية الرئيسية.. ولان الاستهلال يبدا بحوار بين اثنين راوٍ يروي هذا الحوار ليبدا تداخل فعل التدوين وتسطير وطرح المعلومات عن الشخصية الرئيسة / البطل المحوري وان تشعب الى عدة ابطال في تشابه مقصود واختلاف متعدد بالنيات والافعال والصراع والثيمات.. الحوار الذي سكب في أول السطر ربما لا يوحي بحوار عادي بل هو مقصود في البناء وهو فعل سؤالي اي حوار السؤال الذي يتعكز على عملية البحث عن إجابة

– هل لي معرفة اين انا الآن؟

هذا الاستهلال السؤال الزمن الآني المفضي الى حيثيات تقود عمليات البحث عن الإجابة وغور مشاكله اي السؤال وتفكيك أدواته أي الزمن وتحديد أفاقه اي الصراع والتركيز على معنوياته اي الأفق المعرفي المخيالي الذي يبدا بقوة المشاكسة من جهة او الخوف او نقطة عليا لإضاءة الصراع والتصادم بين حالتي الإيجاب والسلب في العلاقات الروائية وتنظيمها

– لتبقَ ساكتاً وساكناً ايضا عليك أن تكفّ عن السؤال لن يصغي إليك أحد.

لن يكون جواب الآخر على سؤال الاستهلال هو بداية او مفتاح البنية الكتابية بل هي القوة الاولى لمعرفة بنية الصراع لان هذا لم يكن السؤال الاول ( عليك ان تكف عن السؤال ) وهو ما يعني ان البينية الكتابية في إدارة الحدث ستكون غايتها فك طلاسم العنوان في لهاثه فتسارع والخطى يعني الركض واللهاث والهم في الوصول وفك الشفرات وتفكيك العلائق.. والبحث عن الفسحة في الاختناق واهمية ما حبلت به مفاتيح الاستهلال من أجنة تريد اكتمال معالمها وتقشير الخوف الذي زرع منذ البدء ( قد تأتي بالسوء الى قلبك المكلوم فانت خائف وربما ينتابك عشرات الصور المفزعة).

ان الاستهلال وهو يضع العتبة الاولى .. الشخصية/، الصوت الاول .. الشخصيات/ الرد على الصوت الأول .. ليبرز وجود المرأة ولهذا نرى ان الحوار يطرح أسلوبين المخاطب على لسان المرأة ما بعد الاستهلال حيث تتكشف الخيوط التي نسجها السؤال والاجابة لتتبين معالم المكان والشخصيات المرافقة .. وكذلك الاسلوب الثاني هو الغائب الراوي بدلا من البطل / الفنان .. وهذا الاسلوب يتحول الى اسلوب المخاطب حين تتصاعد ذروة الحوار مع النفس/ حوار داخلي للبطل الذي يتبين من فعل الاستهلال انه رجل مخطوف من قبل جماعة مسلحة او تشتد ثيمة الصراع بين ما يتم وضعه بين الاقواس لعلاقة بين الراوي / البطل والراوي / الروائي الذي يتدخل في الكثير من الاحيان لبث ما يعين على اكتمال الفكرة وما لها علاقة بالوطن والصراع داخله والاحتراق السياسي وبالتالي تدخل الروائي هو معين لسرد المعلومات داخل الحكاية.

لذا فان ان بنية الكتابة بدأت بمستوى إخباري في استهلال يصاحبه المستوى التصويري المختبئ خلف المستوى التحليلي بمعنى ان التصوير للمشاهد لم يكن بارزا بمفرداته الواضحة بقدر ما كان يرافق هذا التصوير طريقة الروي التي يممن وصفها بانها تنتمي الى المستوى التحليلي.. ولذلك فان هذه البنية اعتمدت في بعض مفاصلها على منح المعلومة الصحفية لتبيان طبيعة الصراع أو سببه او زمنه من خلال وضع الكلام تارة بين قوسين او داخل كلام الراوي الغائب او المتكلم الراوي او بين شارحتين وهو ما يعني هناك راوٍ اعلى هو الروائي ذاته

شخصنة

الرواية ملاحقة لحدث.. شخصية فنان وهي شخصية تتوسط الشخصيات الخرى وقد اختيرت على انها المثقفة البسيطة التي لا تنتمي الى السلطة من جهة ولا تقترب من قاتلي الجمال وهي ضمن التعهد الاخلاقي للمجتمع وبالتالي فان شخصية الفنان والاصح كاتب مسرحي بالإمكان وضع شروط الروي بما يتلاءم مع الشخصية ومكنونها.. ولانه فنان يستشعر الواقع فهو متذبذب ايضا وخائف والشخصيات التي حوله متمردة وخائفة وقوية وقاهرة وملعونة ومجرمة ومستغلة.. هو يريد اكتشاف الاشياء مثل شخصيات الرواية التي تريد الانغماس في الحياة لذا كانت المحاور الاخرى منغمسة في الخارج عن المألوف هند التي ارتكبت حماقة وصديقها رياض وعبد الله الخال الذي جعله الفن والكتابة الفنية اكثر معرفة بالواقع وغير متعصب ويفهم الوقوع بالخطأ الذي سببه الحب وكذلك الصورة الادهاشية لأم عباس وابنها والصرة والالنفجار وكلها شخصيات ارتباطية بالحدث وان التصقت به كدليل معاناة في ترتيب البيت الذاكراتي للبطل.. الخاطفون وطرق اللعة الابدية التي ابتلي بها الشعب . الخاطفون في الرواية بلا وجوه حتى لا يكون لهم دليل ودلالة لجهة ما. وصف مخترق بالخوف وخوف يرتعد من الواقع.. الشخصيات التي تلعب بالمصائر والشخصيات الملعوب بمصيرها حولها الروائي الى شخصنة محورة في جميع الاتجاهات وخاصة شخصية عبد الله التي جعلها محورة يمكن لها ان تكون اي شخص او فرد وهي تنتقل من كونها شخصية فنان وكاتب مسرحية يتطلع الى كتابة نص جديد واسماه ( الصرة ) بما تحمله هذه المفردة من دلالات شعبية وايحائية دالة على المكنون الاجتماعي من جهة والاختناق الفردي في الهواجس من جهة ثانية والباحثة عن لحظة انعتاق من اختناقها لكي ينكشف ما بداخلها وهو يكون سريا دائما في الدال والمدلول لهذه الكلمة الشعبية.. وهي لها علاقة ايضا كعنوان مؤجل لنص مسرحي حياتي لم يكتب بسبب الاحداث لان تكون هي ذاتها شخصنة ايحائية مرمّزة في مخيالها لترتبط بالهواجس الاخرى حين نكتشف ان عبد الله هنا المحرك والمحور هو ضحية مرة ومجرمة مرة اخرى وفاسدة ثالثة فهو المتهم الذي لا يعرف لماذا تم أسره وهو فعل مقصود إن العراقي يتعرّض الى الطف لمجرد الخطف حتى لو كان من اجل المال رغم انه كشخصية فنية ليس لعائلته القدرة على دفع الفدية وهو ايضا التاجر والوسيط التجاري وهو محرك آخر من التغيرات التي حصلت في العراق ما بعد التغيير وهو هنا يمثل نقطة الاجرام المنتشر وعبد الله الشخصية السياسية التي تريد من عبد الله الفنان ان يكتب له سيرة كاذبة لتزييف التاريخ الشخصي وهو هنا نقطة الفساد وهو عبد الله الذي يريد ان يحصل على مناقصات من التجارة مع الدولة وهو هنا نقطة السرقة وبالتالي فان تعدد (عبد الله ) لشخصيات عديدة اصبحت شخصنة لكل التضارب الذي يمكن ان يفضي الى الفوضى القاتلة وليست الى فوضى إرباكية لأنها تؤدي الى الموت والقتل والاختطاف وغيرها من عناوين الجرائم الجديدة بما فيها عنوان الجنس والقوادة والفعل المنغمس بين الفضيلة والعهر وما تمثله القوادة ومن يساعدها في التأثيث لعنصر الخراب. بمعنى ان صراع عبد الله مع المحيط الذي يبدا بالخطف وينتهي بالفنانين الوصوليين والسياسيين وهلعه وحبه وانعتاقه من العادات والتقاليد ومعاناته مع النكاح وسوءاته مع التجارة وخيباته مع السياسة وفشلها واساليبها مع الفقر وانمحاء آدمية عبد الله ليكون القاسم المشترك الاعظم لحياة العراقيين الذين يواجهون صناعة الأزمات التي تجعله مكبلاً لا ينفك من الخروج من عنق واحد حتى يدخل زجاجة أخرى ونفقا اكثر ظلاما ليتحول القاسم المشترك الأعظم الى اللامعقولية.

ما نود قوله ان شخصية عبد الله الفنية تمكّن الروائي من طرح الأفكار على لسان الراوي والاستفادة منه في تحليل الشخصيات والواقع معا وان بإمكانه ان يأتي بنصوص اخرى تبين ثقافة الراوي والشخصية وخاصة المسرحية منها بما يتعلق مثلا بشكسبير وديستوفسكي وغيرهما لإعطاء أبعادا سايكولوجية لهذه الشخصيات وكيفية تصرفها وما هي جذورها.. وهو بالتالي / البطل / عبد الله / الفنان شخصية غير محظوظة في بلد مرتبك وهو اصلا لم يأخذ فرصته وهو هنا معادل موضوعي لأزمة المثقف من جهة والإنسان العراقي من جهة أخرى.

مستويات السرد

يعتمد البناء الدرامي في الرواية على تحريك فعل الروي والانتقال من صيغة الى اخرى عبر ثلاثة مستويات الاولى من الغائب الى المتكلم والثانية من المتكلم الى المخاطب والثالثة من المخاطب الى الغائب وهي تندمج جميعها في لوحة السرد خاصة وان الرواية في لهاثها وخطاها المتسارعة احتاجت الى بنائية من نوع آخر وهي الا تكون هناك فصول او ارقام او هوامش او مقاطع بل جعلها وحدة واحدة متسارعة في الانتقالات وهو ما اتاح له حرية الانتقال في صيغ الروي الثلاث لأنها الحجة والعذر في استخدام هكذا نوع من متن سردي ان تكون الانتقالات وفق حرية الروائي واستغلالية الراوي وتوجه المبعث الدلالي داخل الصراع للوصول الى المستوى القصدي الذي يريد بثه للقارئ لعبله يتمكن من قطف ثمار المستوى التحليلي وبالتالي جمع المستوى الفلسفي من هكذا ثيمة وهكذا بنائية.. وعلى الرغم من ان دار الطبع لم تتمكن من منح الخارطة الفنية او الاخراج النهائي للرواية من خلال عدم تركيزها ( وهذا ما اراه ) على أهمية الاقواس والحوارات والفراغات القليلة التي وضعها الروائي / المنتج بين قسمن وآخر كإنتقالة زمانية او حوارية كما في صفحة 73 وصفحة94 واعتقد ان هناك فراغات اخرى كمحطات انتقال بنائية مقصودة في صفحات اخرى لم تفعل او تتوضح من قبل دار النشر.

ان هذه الانتقالة بين صيغ او مستويات الروي تمنح المنلوج الداخلي قدرة على الاتيان بالحالات النفسية والصراع المتذبذب والاختناق الدلالي والمفردة المأزمة وخاصة تلك المتعلقة بحالة الاطمئنان اللاواعية وغير المرتبة التي فرضتها الظروف على ابطال الرواية وهي ايضا تأتي من أجل شد وحدة الحالة النفسية لهذه الشخصية او تلك الاقرب الى الفنان سواء ما هو متعلق بعائلته او أصدقائه الفنانين الآخرين الذين هم ايضا يعيشون الة تذبذب من قبله لأنه يفتقدهم ويعدهم مصيرا جديدا حين اعتقد انهم تخلوا عنه.

إن مستويات السرد الثلاثة في الروي التي بالإمكان تسميتها الذهاب والاياب والعودة الى الحاضر ثم الى الماضي سواء في متن عملية الاختطاف او فيها حصل للطل بعد هروبه او ابراز الخلفية الواقعية التاريخية والمرجعيات الفنية والاجتماعية التي تحدد ملامح التوجه السياسي سواء للشخصيات او المجتمع عامة وفق ظروف التغيير الذي حصل في المجتمع.. ونرى ان هذه المستويات السردية منحت ايضا حجة التكرار في الروي وإعادة حتى بعض الجمل بذاتها والتركيز عليها في مهمات الحث على استلهام القصدية وهي اعادة ليست في مكان واحد بل في عدة أماكن حتى لكان الاعادة في تفاصيل الحدث وتداخله مع حدث آخر في زمن وماكم آخرين أو حتى العودة الى ذات الزمان والمكان تأتي من خلال خلخلة البنى السردية التي منحته صيغ الروي فهو حين ينتقل من المخاطب الى الغائب فان تكرار الحدث أو الجمل يأخذ على عاتقه مهمة التذكير للمتلقي الذي قد يجد البعض انه تكرار مقصود في بعض مفاصله لأن الروائي استخدم مهمة الكولاج في ترتيب خطاه البنائية سواء ما كان منها في محطات الروي الماضوي للشخصيات او الصراع الآنوي للأحداث او فلسفة الاسئلة الغائبة بين ثنايا المهمة التدوينية. ولهذا فان الكولاج هنا كان أحد أهم عوامل البنية الكتابية في الانتقالات المتعددة فيما يصطلح عليه الفلاش باك كمعاون إداري في تكوين المتن السردي. ونرى ذلك واضحا وجليا في حلم عبد الله الفني ومحاولة ربط الواقع بالمسرح واستلهم المسرح كنقطة انطلاق نحو التغيير وهي هي مستوى فلسفي حتى لو جاءت من خلال السخرية او السوداوية من الواقع.., وكذلك الاسئلة المعادة لعملية خطه وخوفه من القتل (( ولكن الان من اسال إذا ما الخاطفون، أنهوا حياته برصاصة واحدة، ولكن لماذا يقضون عليه؟ ومال الجرم الذي ارتكبه؟) ص82 ومثل هذه الجمل يعيدها الراوي كمحطة استدلال لمعاناة البطل من جهة وكذلك التذكير بتصاعد الصراع داخل الحكاية

ان البنية الكتابية وفق ادارتها لمتن الثيمة كانت ايضا تريد مناقشة قضية المثقف بكل حيثياته وهو بهذا يلجا اي الراوي الى بث الاسئلة المتعلقة بالكينونة سوء منها الخائفة او المتردة في كشف حالة التذبذب التي وجد الإنسان العراقي حاله فيها بسبب الأحداث التاريخية وهو ما اصطلح عليها بالازدواجية لتكون هذه الأسئلة مفاتيح جر المتلقي الى فلسفة النص وايحائية الثيمة ودلالة القصد ومعنى التحليل وكلها مندمجة في المستوى الإخباري الذي حافظ المتن السردي عليه كقوة دافعة الى الأمام في فهم عملية الروي.

(وتساءل ماذا باستطاعة الإنسان أن يحيى في الفن وحده؟ الآن وهو في هذا الكابوس- الذي لا يكف عن الدفاع عنه- هل ينقذه الفن من ورطته التي جعلته في حالة من الخوف بل الهلع) ص.28

ان بنية الكتابة تعتمد كذلك على تهشيم الحكاية وتفرعها سواء بحركة الشخصيات واختلافهم وتعددهم والاتيان بشخصيات قريبة ايضا من البطل كمنال وزميلتها والشباب الثلاثة وغيرهم والذين ظلوا عبارة عن حيوات محركة للثيمة.. ان هذا التهشيم يتيح استمرارية التواصل مع الدث والصراع الذي يدور في مركزية واحدة مثل حركة الماء الدائرية التي تنتهي بمركز محدد وتدور حولها الدوائر الأخرى او حركة الزوبعة التي يصل راسها الدائري في مركز اهرامي مقلوب.. وهذا التهشيم لا يكون فقط في الحكاية بل حتى في الزمن ولمكان في ذات الوحدة السردية فكل شيء يبدا من الراس او المركز ويصل الى المحيط او القاعدة ويعود وهذه الطريقة تتيح للروائي امداد المتن السردي بالعنصر الدرامي وتثوير السرد وذكر المعلومات سواء منها الحياتية الضاجة او المتخيلة الفكرية او المرتبكة الواقعية او التاريخية الاستلهامية أو الثقافية المعيارية في الدلالة ولك هذه تنتج وحدة اندماج في إدارة الحدث وتصاعد الفعل الذي اعتمدت عليه المفردة في إدارة التدوين خاصة وإن الروائي يلجأ الى أدخال فعل القصة في ثنايا بعض إدارته للحدث وخاصة ما يتعلق بالحوار والاستعانة بآلية النقاط كمسكوتٍ عنه فتكون البنية الكتابية هنا قد اتخذت تفعيلا عمودياً للقصة فيما كان الحدث امتدادا أفقيا لحركة الشخصيات.

البناء والشخصية

مثلما اوضحنا تعتمد بنية الكتابة في بعض مدارجها على ما يشبه حركة الماء او الزوبعة الهرمية المقلوبة وهنا ما نعنيه ان كل شيء يتحرك حول محور البطل / عبد الله / كنقطة مركز ارتكازية فاعلة حتى ان لا حديث بين اثنين بل بين شخصية وعبد الله التي تتمظهر فيها الانساق الدلالية سواء ما كان منها مضمرا او معلنا وهي بالتالي حركة بناء لتقشير الحياة ذاتها التي يعيش فيها البطل.. وان هذا التقشير يعتمد اعتمادا كليا على المستوى الاخباري اي ان هناك اخبارا دائما من الراوي الى المتلقي ويتخلل ذلك المستوى التصويري في القليل من حيثياته لتوضيح المكان بل ان الراوي لم يشأ ان يلبي طموح المستوى التصويري كثيرا إلا في بعض المفاصل كتوضيح الطريق او الحانة بل ترك كل شيء لمخيلة المتلقي الذي بإمكانه ان يقرب اية صورة يشاءها من الحياة ليقرب المشهدية الى ذهنية.. وهذه الطريقة منحت الروائي ان يمر على الاحداث معطيا كل الصلاحيات للراوي لكي يشطر الأحداث ويستخرج منها المعلومات سواء ما اكن منها تحليلا كمستوى سياسي او مستوى فلسفيا كمحصلة الصراع السياسي الاجتماعي او اقتصادي كمستوى قصدي للحصار والجوع ولهذا فان الراوي العليم كان حاضرا لكي يقشر ماي راه من مناسبات تدوينية يسطرها بطريقة الكولاج ويضعها على سكة اللوحة لكي تسير بما يريده الروائي من طريقة سريعة لملاحقة الخطى/ العنوان .. او ملاحقة المعنى / المتن ولهذا فان الروي لم يكن يحمل اطنابا لغوية ولم يسع الى جعل مفردته شاعرية اي مفردة القص داخل المتن ولم يقطع الانفاس لكي تميز بين التكرار المقصود وبين الاجابة المفقودة من اسئلة الروي او اللهاث لملاحقة تعدد الشخصيات بذات الأسماء لمحمول دلالي.

الحوار كمضمر وعلن

يعد الحوار احد اهم مكملات البناء في البنية الكتابية لأي عمل روائي لأنه يشخص روح الشخصية مرجعياتها من جهة ويختصر الكثير من الدلالات فضلا عن انه قادر على منح الدهشة والجمال وما يمكن ان يقال ما لم يكن بالإمكان قوله داخل المتن السردي ولهذا نرى الحوار في الرواية يأخذ ايضا منحى التسارع من جهة ومنحى الوصول الى لملمة الشتات الموزع داخل أروقة الحكاية ولهذا نجده في تسارع الخطى بعضه مدغم وبعضه صادم واخر مفضوح و رابع يوضح حالة الارتباك والارباك في نزاع الشخصيات سواء منه النزاء بن شخصيتين كما مع الفنان والخاطفين ومعه ومع اصدقائه الفنانين وكذلك مع رواد الحانة من الشباب او مع اهله وابنة اخته والفتاة التي هربته وهذه كلها حوارات توضح الصورة الخارجية له مثلما توضح الفكرة العامة في اختيار هكذا فكرة مستلّة من الواقع او انه حوار داخلي مع الذات لكشف الأفكار والاضطرابات وهو ما يعني ابراز الرؤية الفكرية للروائي من جهة وللشخصيات من جهة أخرى و هو ما يعني ان الحوار يعطي جرعة منشطة من المستوى الاخباري وهو ما يعني منح جرعة للعنصر الدرامي وتصاعد الصراع وما بين الادغام والصدمة تتضح لغة الحوار بشكل غير متوقع في بعض الأحيان وكانه خارج من رداء اللامعقولية ومرة يسبر غور الفعل الخاص بملاحقة الحدث لوصول الى حل شفرة الثيمة وهو ما يعني ان الروائي يرسم شكل خطاه داخل الحوار لمساعدة المتن السردي.. ولذا نرى في بعض عناصر اللامقولية انه يدخل الوهم في الحوار او في المتن لزيادة متاهة المتلقي والبحث عن مفترق الطرق الذي يوصل الى تعدد ( عبد الله ) وارتباطه بما حوله وهي هنا متاهة متصلة بالشخصية العراقية حتى الفنان ذاته يبقى اسير وهمه واسئلته التي لم يجد الجواب عليها وسط صراعات عديدة وحوارات متشابهة وان اختلفت الشخصيات المحاورة معه او المكان والزمان.

ان بنية الحوار نرى ان الروائي يلجا الى استخدام صيغة الراوي المتشابه للقصة القصيرة كما اسلفنا او المسرح في محاولة لتوصيف الصورة من خلال صراع الحوار ذاته لتكتمل المعاني المرافقة للمتن الدرامي المتصاعد اللاهث في متابعة الحدث الذي اعتمد هو الآخر على عملية الوصف والكولاج في ترتيب المتن السردي أو التحول في صيغة الزمت بين الروي الآني والروي القادم .. بمعنى ان هناك زمنا أدبي داخل المتن وزمن ثقافي خارج الفكرة والخاضع للروائي / الراوي معا باعتبارهما يندمجان كمحصلة نهائية.

هوية البنية الكتابية

في رواية تسارع الخطى تبدو لنا الهوية الكتابية قد اتضحت مع انتهاء القراءة منها.. وهو ما نعنيه بالمحصلة وقد نرى ان النصف الأول من الرواية اعتمدت بنيته الكتابية على توسيع وشرح ورسم ملامح الشخصية المحورية ولشخصيات المرافقة له او المطاردة وعلاقتها بالمكان والزمان وبدء الحركة الاولى لمرحلة الاختطاف والعلاقة مع الاهل والنص المؤجل وحب المسرح والهروب من المسلحين الذين لا عنوان لهم ليكونوا خاضعين لرسم المتلقي.. وبما هو حاصل في المجتمع لأنموذج المثقف الذي يقع بين السلبية الأحادية وبين الإيجابية الخاملة التي تبحث عن استقرار بطريقة من يفكر دون ان يفعل او يفكر دون ان يصل الى مرحلة كيفية الاستفادة من التفكير او انه ضيع الخطوة الاولى وسط الخوف.. هذا النصف كان يسارع خطاه للكشف عن المحيط الخارجي لعبد الله.. ام النصف الثاني كانت البنية الكتابية هي الدخول الى عمق الشخصيات من الداخل وتناسل الاسئلة وبدء جولة جديدة من الصراع الذي يمتد ويتحول الى نقطة ارتكاز عامة يمكن لها ان تمتد وتتشظى لتأخذا ابعادا سياسية ودينية وفنية وثقافية وانتقادية وتكشف حجم الصراع الذي يحيط الشخصية العراقية الذي اسمه عبد الله اي ان البطل يتحول من كونه شخصية اعتبارية في المنصف الأولى الى شخصية جمعية جامعة في النصف الثاني حتى وان حاول الاخر ان يغير اسمه الى ايوب وهي دلالة ايضا على الصبر والمحن التي مرت على الشخصية والشخصيات:

( في الحقيقة أحب اسم أيوب وهو اسم ينطبق على المذبين في العالم كافة) ص145

وذات الصفحة ( مادام يجد على الارض قوي وضعيف والقوي يتحكم بمقدرات الضعيف إذن نحن جميعا ضعفاء إذ لا بد من وجود قوي أكثر من قوة وهيمنة من القوي السابق له..)

ولهذا فان الصراع سيبقى وهو المهيمن والدال على تزييف الحقائق(

السؤال مفتوح على تعدد الإحتمالات

تسارع الخطى وتفكيك المعنى

علي لفته سعيد

تبدو العلاقة واضحة بين العنوان في رواية ( تسارع الخطى ) لأحمد خلف وبين بنية الكتابة التي انتهجها كتدوير بنائي للثيمة والفكرة وهو ما يجعل الترابط احد اهم الطرق التي يبحث عنها المتلقي كلما سارع هو الى مسك خيوط الفكرة التي تتعامد مع الهدف والقصدية وتكون في حالة افقية في طريقة البناء واستخدام اللغة وتوزيع الشخصيات

بنية العنوان

ان العنوان اذا ما عد العتبة الاولى او بقعة الضوء الكبيرة التي تسلط على الأجزاء الأخرى من مساحة النص التي ستزرع بأفكار وطرائق الثيمة فانه يعني ان تسارع الخطى تحتاج الى تأني في التأويل والى مفتاح قادر على فتح مغاليق النص والى مسك الضوء والكشف عن بؤر التسارع والخطى داخل النص من خلال ربط الشخصيات وحركتها بالتزامن مع الزمان والمكان وما يمكن ان يفضي الى الواقع الثقافي للمؤلف والواقع القصدي للفكرة والتي يبدو من خلال الوهلة الاولى انه تسارع من اجل الهرب او تسارع من اجل التخلص من شيء ولكن يمكن ان ننطلق باتجاه التأويل والتحليل وتبيان معالم القصدية من ان التسارع نحو الحرية والانعتاق من رقبة الخوف والتخلص من فعل الاسر ولهذا يحتاج هذا التسارع الى تفكيك اسباب الخطف التي ستتضح بمحمولها الدلالي وبعدها الفلسفي انه لم يكن مختصرا ومقتصرا على شخصية البدل الذي حمل اسم عبد الله بل ان عبد الله هو المواطن العراقي

قيادة الاستهلال

تبدا الرواية فعلها الحركي المرتبط بالعنوان منذ الاستهلال.. المفتتح الذي يقود سير الحركة الى الأمام ومن ثم رسك طرق الانتقال الكتابي للحركة المصاحبة سواء منها للشخصيات او الذكريات المرتبطة بكل تأكيد بالشخصية المحورية الرئيسية.. ولان الاستهلال يبدا بحوار بين اثنين راوٍ يروي هذا الحوار ليبدا تداخل فعل التدوين وتسطير وطرح المعلومات عن الشخصية الرئيسة / البطل المحوري وان تشعب الى عدة ابطال في تشابه مقصود واختلاف متعدد بالنيات والافعال والصراع والثيمات.. الحوار الذي سكب في أول السطر ربما لا يوحي بحوار عادي بل هو مقصود في البناء وهو فعل سؤالي اي حوار السؤال الذي يتعكز على عملية البحث عن إجابة

– هل لي معرفة اين انا الآن؟

هذا الاستهلال السؤال الزمن الآني المفضي الى حيثيات تقود عمليات البحث عن الإجابة وغور مشاكله اي السؤال وتفكيك أدواته أي الزمن وتحديد أفاقه اي الصراع والتركيز على معنوياته اي الأفق المعرفي المخيالي الذي يبدا بقوة المشاكسة من جهة او الخوف او نقطة عليا لإضاءة الصراع والتصادم بين حالتي الإيجاب والسلب في العلاقات الروائية وتنظيمها

– لتبقَ ساكتاً وساكناً ايضا عليك أن تكفّ عن السؤال لن يصغي إليك أحد.

لن يكون جواب الآخر على سؤال الاستهلال هو بداية او مفتاح البنية الكتابية بل هي القوة الاولى لمعرفة بنية الصراع لان هذا لم يكن السؤال الاول ( عليك ان تكف عن السؤال ) وهو ما يعني ان البينية الكتابية في إدارة الحدث ستكون غايتها فك طلاسم العنوان في لهاثه فتسارع والخطى يعني الركض واللهاث والهم في الوصول وفك الشفرات وتفكيك العلائق.. والبحث عن الفسحة في الاختناق واهمية ما حبلت به مفاتيح الاستهلال من أجنة تريد اكتمال معالمها وتقشير الخوف الذي زرع منذ البدء ( قد تأتي بالسوء الى قلبك المكلوم فانت خائف وربما ينتابك عشرات الصور المفزعة).

ان الاستهلال وهو يضع العتبة الاولى .. الشخصية/، الصوت الاول .. الشخصيات/ الرد على الصوت الأول .. ليبرز وجود المرأة ولهذا نرى ان الحوار يطرح أسلوبين المخاطب على لسان المرأة ما بعد الاستهلال حيث تتكشف الخيوط التي نسجها السؤال والاجابة لتتبين معالم المكان والشخصيات المرافقة .. وكذلك الاسلوب الثاني هو الغائب الراوي بدلا من البطل / الفنان .. وهذا الاسلوب يتحول الى اسلوب المخاطب حين تتصاعد ذروة الحوار مع النفس/ حوار داخلي للبطل الذي يتبين من فعل الاستهلال انه رجل مخطوف من قبل جماعة مسلحة او تشتد ثيمة الصراع بين ما يتم وضعه بين الاقواس لعلاقة بين الراوي / البطل والراوي / الروائي الذي يتدخل في الكثير من الاحيان لبث ما يعين على اكتمال الفكرة وما لها علاقة بالوطن والصراع داخله والاحتراق السياسي وبالتالي تدخل الروائي هو معين لسرد المعلومات داخل الحكاية.

لذا فان ان بنية الكتابة بدأت بمستوى إخباري في استهلال يصاحبه المستوى التصويري المختبئ خلف المستوى التحليلي بمعنى ان التصوير للمشاهد لم يكن بارزا بمفرداته الواضحة بقدر ما كان يرافق هذا التصوير طريقة الروي التي يممن وصفها بانها تنتمي الى المستوى التحليلي.. ولذلك فان هذه البنية اعتمدت في بعض مفاصلها على منح المعلومة الصحفية لتبيان طبيعة الصراع أو سببه او زمنه من خلال وضع الكلام تارة بين قوسين او داخل كلام الراوي الغائب او المتكلم الراوي او بين شارحتين وهو ما يعني هناك راوٍ اعلى هو الروائي ذاته

شخصنة

الرواية ملاحقة لحدث.. شخصية فنان وهي شخصية تتوسط الشخصيات الخرى وقد اختيرت على انها المثقفة البسيطة التي لا تنتمي الى السلطة من جهة ولا تقترب من قاتلي الجمال وهي ضمن التعهد الاخلاقي للمجتمع وبالتالي فان شخصية الفنان والاصح كاتب مسرحي بالإمكان وضع شروط الروي بما يتلاءم مع الشخصية ومكنونها.. ولانه فنان يستشعر الواقع فهو متذبذب ايضا وخائف والشخصيات التي حوله متمردة وخائفة وقوية وقاهرة وملعونة ومجرمة ومستغلة.. هو يريد اكتشاف الاشياء مثل شخصيات الرواية التي تريد الانغماس في الحياة لذا كانت المحاور الاخرى منغمسة في الخارج عن المألوف هند التي ارتكبت حماقة وصديقها رياض وعبد الله الخال الذي جعله الفن والكتابة الفنية اكثر معرفة بالواقع وغير متعصب ويفهم الوقوع بالخطأ الذي سببه الحب وكذلك الصورة الادهاشية لأم عباس وابنها والصرة والالنفجار وكلها شخصيات ارتباطية بالحدث وان التصقت به كدليل معاناة في ترتيب البيت الذاكراتي للبطل.. الخاطفون وطرق اللعة الابدية التي ابتلي بها الشعب . الخاطفون في الرواية بلا وجوه حتى لا يكون لهم دليل ودلالة لجهة ما. وصف مخترق بالخوف وخوف يرتعد من الواقع.. الشخصيات التي تلعب بالمصائر والشخصيات الملعوب بمصيرها حولها الروائي الى شخصنة محورة في جميع الاتجاهات وخاصة شخصية عبد الله التي جعلها محورة يمكن لها ان تكون اي شخص او فرد وهي تنتقل من كونها شخصية فنان وكاتب مسرحية يتطلع الى كتابة نص جديد واسماه ( الصرة ) بما تحمله هذه المفردة من دلالات شعبية وايحائية دالة على المكنون الاجتماعي من جهة والاختناق الفردي في الهواجس من جهة ثانية والباحثة عن لحظة انعتاق من اختناقها لكي ينكشف ما بداخلها وهو يكون سريا دائما في الدال والمدلول لهذه الكلمة الشعبية.. وهي لها علاقة ايضا كعنوان مؤجل لنص مسرحي حياتي لم يكتب بسبب الاحداث لان تكون هي ذاتها شخصنة ايحائية مرمّزة في مخيالها لترتبط بالهواجس الاخرى حين نكتشف ان عبد الله هنا المحرك والمحور هو ضحية مرة ومجرمة مرة اخرى وفاسدة ثالثة فهو المتهم الذي لا يعرف لماذا تم أسره وهو فعل مقصود إن العراقي يتعرّض الى الطف لمجرد الخطف حتى لو كان من اجل المال رغم انه كشخصية فنية ليس لعائلته القدرة على دفع الفدية وهو ايضا التاجر والوسيط التجاري وهو محرك آخر من التغيرات التي حصلت في العراق ما بعد التغيير وهو هنا يمثل نقطة الاجرام المنتشر وعبد الله الشخصية السياسية التي تريد من عبد الله الفنان ان يكتب له سيرة كاذبة لتزييف التاريخ الشخصي وهو هنا نقطة الفساد وهو عبد الله الذي يريد ان يحصل على مناقصات من التجارة مع الدولة وهو هنا نقطة السرقة وبالتالي فان تعدد (عبد الله ) لشخصيات عديدة اصبحت شخصنة لكل التضارب الذي يمكن ان يفضي الى الفوضى القاتلة وليست الى فوضى إرباكية لأنها تؤدي الى الموت والقتل والاختطاف وغيرها من عناوين الجرائم الجديدة بما فيها عنوان الجنس والقوادة والفعل المنغمس بين الفضيلة والعهر وما تمثله القوادة ومن يساعدها في التأثيث لعنصر الخراب. بمعنى ان صراع عبد الله مع المحيط الذي يبدا بالخطف وينتهي بالفنانين الوصوليين والسياسيين وهلعه وحبه وانعتاقه من العادات والتقاليد ومعاناته مع النكاح وسوءاته مع التجارة وخيباته مع السياسة وفشلها واساليبها مع الفقر وانمحاء آدمية عبد الله ليكون القاسم المشترك الاعظم لحياة العراقيين الذين يواجهون صناعة الأزمات التي تجعله مكبلاً لا ينفك من الخروج من عنق واحد حتى يدخل زجاجة أخرى ونفقا اكثر ظلاما ليتحول القاسم المشترك الأعظم الى اللامعقولية.

ما نود قوله ان شخصية عبد الله الفنية تمكّن الروائي من طرح الأفكار على لسان الراوي والاستفادة منه في تحليل الشخصيات والواقع معا وان بإمكانه ان يأتي بنصوص اخرى تبين ثقافة الراوي والشخصية وخاصة المسرحية منها بما يتعلق مثلا بشكسبير وديستوفسكي وغيرهما لإعطاء أبعادا سايكولوجية لهذه الشخصيات وكيفية تصرفها وما هي جذورها.. وهو بالتالي / البطل / عبد الله / الفنان شخصية غير محظوظة في بلد مرتبك وهو اصلا لم يأخذ فرصته وهو هنا معادل موضوعي لأزمة المثقف من جهة والإنسان العراقي من جهة أخرى.

مستويات السرد

يعتمد البناء الدرامي في الرواية على تحريك فعل الروي والانتقال من صيغة الى اخرى عبر ثلاثة مستويات الاولى من الغائب الى المتكلم والثانية من المتكلم الى المخاطب والثالثة من المخاطب الى الغائب وهي تندمج جميعها في لوحة السرد خاصة وان الرواية في لهاثها وخطاها المتسارعة احتاجت الى بنائية من نوع آخر وهي الا تكون هناك فصول او ارقام او هوامش او مقاطع بل جعلها وحدة واحدة متسارعة في الانتقالات وهو ما اتاح له حرية الانتقال في صيغ الروي الثلاث لأنها الحجة والعذر في استخدام هكذا نوع من متن سردي ان تكون الانتقالات وفق حرية الروائي واستغلالية الراوي وتوجه المبعث الدلالي داخل الصراع للوصول الى المستوى القصدي الذي يريد بثه للقارئ لعبله يتمكن من قطف ثمار المستوى التحليلي وبالتالي جمع المستوى الفلسفي من هكذا ثيمة وهكذا بنائية.. وعلى الرغم من ان دار الطبع لم تتمكن من منح الخارطة الفنية او الاخراج النهائي للرواية من خلال عدم تركيزها ( وهذا ما اراه ) على أهمية الاقواس والحوارات والفراغات القليلة التي وضعها الروائي / المنتج بين قسمن وآخر كإنتقالة زمانية او حوارية كما في صفحة 73 وصفحة94 واعتقد ان هناك فراغات اخرى كمحطات انتقال بنائية مقصودة في صفحات اخرى لم تفعل او تتوضح من قبل دار النشر.

ان هذه الانتقالة بين صيغ او مستويات الروي تمنح المنلوج الداخلي قدرة على الاتيان بالحالات النفسية والصراع المتذبذب والاختناق الدلالي والمفردة المأزمة وخاصة تلك المتعلقة بحالة الاطمئنان اللاواعية وغير المرتبة التي فرضتها الظروف على ابطال الرواية وهي ايضا تأتي من أجل شد وحدة الحالة النفسية لهذه الشخصية او تلك الاقرب الى الفنان سواء ما هو متعلق بعائلته او أصدقائه الفنانين الآخرين الذين هم ايضا يعيشون الة تذبذب من قبله لأنه يفتقدهم ويعدهم مصيرا جديدا حين اعتقد انهم تخلوا عنه.

إن مستويات السرد الثلاثة في الروي التي بالإمكان تسميتها الذهاب والاياب والعودة الى الحاضر ثم الى الماضي سواء في متن عملية الاختطاف او فيها حصل للطل بعد هروبه او ابراز الخلفية الواقعية التاريخية والمرجعيات الفنية والاجتماعية التي تحدد ملامح التوجه السياسي سواء للشخصيات او المجتمع عامة وفق ظروف التغيير الذي حصل في المجتمع.. ونرى ان هذه المستويات السردية منحت ايضا حجة التكرار في الروي وإعادة حتى بعض الجمل بذاتها والتركيز عليها في مهمات الحث على استلهام القصدية وهي اعادة ليست في مكان واحد بل في عدة أماكن حتى لكان الاعادة في تفاصيل الحدث وتداخله مع حدث آخر في زمن وماكم آخرين أو حتى العودة الى ذات الزمان والمكان تأتي من خلال خلخلة البنى السردية التي منحته صيغ الروي فهو حين ينتقل من المخاطب الى الغائب فان تكرار الحدث أو الجمل يأخذ على عاتقه مهمة التذكير للمتلقي الذي قد يجد البعض انه تكرار مقصود في بعض مفاصله لأن الروائي استخدم مهمة الكولاج في ترتيب خطاه البنائية سواء ما كان منها في محطات الروي الماضوي للشخصيات او الصراع الآنوي للأحداث او فلسفة الاسئلة الغائبة بين ثنايا المهمة التدوينية. ولهذا فان الكولاج هنا كان أحد أهم عوامل البنية الكتابية في الانتقالات المتعددة فيما يصطلح عليه الفلاش باك كمعاون إداري في تكوين المتن السردي. ونرى ذلك واضحا وجليا في حلم عبد الله الفني ومحاولة ربط الواقع بالمسرح واستلهم المسرح كنقطة انطلاق نحو التغيير وهي هي مستوى فلسفي حتى لو جاءت من خلال السخرية او السوداوية من الواقع.., وكذلك الاسئلة المعادة لعملية خطه وخوفه من القتل (( ولكن الان من اسال إذا ما الخاطفون، أنهوا حياته برصاصة واحدة، ولكن لماذا يقضون عليه؟ ومال الجرم الذي ارتكبه؟) ص82 ومثل هذه الجمل يعيدها الراوي كمحطة استدلال لمعاناة البطل من جهة وكذلك التذكير بتصاعد الصراع داخل الحكاية

ان البنية الكتابية وفق ادارتها لمتن الثيمة كانت ايضا تريد مناقشة قضية المثقف بكل حيثياته وهو بهذا يلجا اي الراوي الى بث الاسئلة المتعلقة بالكينونة سوء منها الخائفة او المتردة في كشف حالة التذبذب التي وجد الإنسان العراقي حاله فيها بسبب الأحداث التاريخية وهو ما اصطلح عليها بالازدواجية لتكون هذه الأسئلة مفاتيح جر المتلقي الى فلسفة النص وايحائية الثيمة ودلالة القصد ومعنى التحليل وكلها مندمجة في المستوى الإخباري الذي حافظ المتن السردي عليه كقوة دافعة الى الأمام في فهم عملية الروي.

(وتساءل ماذا باستطاعة الإنسان أن يحيى في الفن وحده؟ الآن وهو في هذا الكابوس- الذي لا يكف عن الدفاع عنه- هل ينقذه الفن من ورطته التي جعلته في حالة من الخوف بل الهلع) ص.28

ان بنية الكتابة تعتمد كذلك على تهشيم الحكاية وتفرعها سواء بحركة الشخصيات واختلافهم وتعددهم والاتيان بشخصيات قريبة ايضا من البطل كمنال وزميلتها والشباب الثلاثة وغيرهم والذين ظلوا عبارة عن حيوات محركة للثيمة.. ان هذا التهشيم يتيح استمرارية التواصل مع الدث والصراع الذي يدور في مركزية واحدة مثل حركة الماء الدائرية التي تنتهي بمركز محدد وتدور حولها الدوائر الأخرى او حركة الزوبعة التي يصل راسها الدائري في مركز اهرامي مقلوب.. وهذا التهشيم لا يكون فقط في الحكاية بل حتى في الزمن ولمكان في ذات الوحدة السردية فكل شيء يبدا من الراس او المركز ويصل الى المحيط او القاعدة ويعود وهذه الطريقة تتيح للروائي امداد المتن السردي بالعنصر الدرامي وتثوير السرد وذكر المعلومات سواء منها الحياتية الضاجة او المتخيلة الفكرية او المرتبكة الواقعية او التاريخية الاستلهامية أو الثقافية المعيارية في الدلالة ولك هذه تنتج وحدة اندماج في إدارة الحدث وتصاعد الفعل الذي اعتمدت عليه المفردة في إدارة التدوين خاصة وإن الروائي يلجأ الى أدخال فعل القصة في ثنايا بعض إدارته للحدث وخاصة ما يتعلق بالحوار والاستعانة بآلية النقاط كمسكوتٍ عنه فتكون البنية الكتابية هنا قد اتخذت تفعيلا عمودياً للقصة فيما كان الحدث امتدادا أفقيا لحركة الشخصيات.

البناء والشخصية

مثلما اوضحنا تعتمد بنية الكتابة في بعض مدارجها على ما يشبه حركة الماء او الزوبعة الهرمية المقلوبة وهنا ما نعنيه ان كل شيء يتحرك حول محور البطل / عبد الله / كنقطة مركز ارتكازية فاعلة حتى ان لا حديث بين اثنين بل بين شخصية وعبد الله التي تتمظهر فيها الانساق الدلالية سواء ما كان منها مضمرا او معلنا وهي بالتالي حركة بناء لتقشير الحياة ذاتها التي يعيش فيها البطل.. وان هذا التقشير يعتمد اعتمادا كليا على المستوى الاخباري اي ان هناك اخبارا دائما من الراوي الى المتلقي ويتخلل ذلك المستوى التصويري في القليل من حيثياته لتوضيح المكان بل ان الراوي لم يشأ ان يلبي طموح المستوى التصويري كثيرا إلا في بعض المفاصل كتوضيح الطريق او الحانة بل ترك كل شيء لمخيلة المتلقي الذي بإمكانه ان يقرب اية صورة يشاءها من الحياة ليقرب المشهدية الى ذهنية.. وهذه الطريقة منحت الروائي ان يمر على الاحداث معطيا كل الصلاحيات للراوي لكي يشطر الأحداث ويستخرج منها المعلومات سواء ما اكن منها تحليلا كمستوى سياسي او مستوى فلسفيا كمحصلة الصراع السياسي الاجتماعي او اقتصادي كمستوى قصدي للحصار والجوع ولهذا فان الراوي العليم كان حاضرا لكي يقشر ماي راه من مناسبات تدوينية يسطرها بطريقة الكولاج ويضعها على سكة اللوحة لكي تسير بما يريده الروائي من طريقة سريعة لملاحقة الخطى/ العنوان .. او ملاحقة المعنى / المتن ولهذا فان الروي لم يكن يحمل اطنابا لغوية ولم يسع الى جعل مفردته شاعرية اي مفردة القص داخل المتن ولم يقطع الانفاس لكي تميز بين التكرار المقصود وبين الاجابة المفقودة من اسئلة الروي او اللهاث لملاحقة تعدد الشخصيات بذات الأسماء لمحمول دلالي.

الحوار كمضمر وعلن

يعد الحوار احد اهم مكملات البناء في البنية الكتابية لأي عمل روائي لأنه يشخص روح الشخصية مرجعياتها من جهة ويختصر الكثير من الدلالات فضلا عن انه قادر على منح الدهشة والجمال وما يمكن ان يقال ما لم يكن بالإمكان قوله داخل المتن السردي ولهذا نرى الحوار في الرواية يأخذ ايضا منحى التسارع من جهة ومنحى الوصول الى لملمة الشتات الموزع داخل أروقة الحكاية ولهذا نجده في تسارع الخطى بعضه مدغم وبعضه صادم واخر مفضوح و رابع يوضح حالة الارتباك والارباك في نزاع الشخصيات سواء منه النزاء بن شخصيتين كما مع الفنان والخاطفين ومعه ومع اصدقائه الفنانين وكذلك مع رواد الحانة من الشباب او مع اهله وابنة اخته والفتاة التي هربته وهذه كلها حوارات توضح الصورة الخارجية له مثلما توضح الفكرة العامة في اختيار هكذا فكرة مستلّة من الواقع او انه حوار داخلي مع الذات لكشف الأفكار والاضطرابات وهو ما يعني ابراز الرؤية الفكرية للروائي من جهة وللشخصيات من جهة أخرى و هو ما يعني ان الحوار يعطي جرعة منشطة من المستوى الاخباري وهو ما يعني منح جرعة للعنصر الدرامي وتصاعد الصراع وما بين الادغام والصدمة تتضح لغة الحوار بشكل غير متوقع في بعض الأحيان وكانه خارج من رداء اللامعقولية ومرة يسبر غور الفعل الخاص بملاحقة الحدث لوصول الى حل شفرة الثيمة وهو ما يعني ان الروائي يرسم شكل خطاه داخل الحوار لمساعدة المتن السردي.. ولذا نرى في بعض عناصر اللامقولية انه يدخل الوهم في الحوار او في المتن لزيادة متاهة المتلقي والبحث عن مفترق الطرق الذي يوصل الى تعدد ( عبد الله ) وارتباطه بما حوله وهي هنا متاهة متصلة بالشخصية العراقية حتى الفنان ذاته يبقى اسير وهمه واسئلته التي لم يجد الجواب عليها وسط صراعات عديدة وحوارات متشابهة وان اختلفت الشخصيات المحاورة معه او المكان والزمان.

ان بنية الحوار نرى ان الروائي يلجا الى استخدام صيغة الراوي المتشابه للقصة القصيرة كما اسلفنا او المسرح في محاولة لتوصيف الصورة من خلال صراع الحوار ذاته لتكتمل المعاني المرافقة للمتن الدرامي المتصاعد اللاهث في متابعة الحدث الذي اعتمد هو الآخر على عملية الوصف والكولاج في ترتيب المتن السردي أو التحول في صيغة الزمت بين الروي الآني والروي القادم .. بمعنى ان هناك زمنا أدبي داخل المتن وزمن ثقافي خارج الفكرة والخاضع للروائي / الراوي معا باعتبارهما يندمجان كمحصلة نهائية.

هوية البنية الكتابية

في رواية تسارع الخطى تبدو لنا الهوية الكتابية قد اتضحت مع انتهاء القراءة منها.. وهو ما نعنيه بالمحصلة وقد نرى ان النصف الأول من الرواية اعتمدت بنيته الكتابية على توسيع وشرح ورسم ملامح الشخصية المحورية ولشخصيات المرافقة له او المطاردة وعلاقتها بالمكان والزمان وبدء الحركة الاولى لمرحلة الاختطاف والعلاقة مع الاهل والنص المؤجل وحب المسرح والهروب من المسلحين الذين لا عنوان لهم ليكونوا خاضعين لرسم المتلقي.. وبما هو حاصل في المجتمع لأنموذج المثقف الذي يقع بين السلبية الأحادية وبين الإيجابية الخاملة التي تبحث عن استقرار بطريقة من يفكر دون ان يفعل او يفكر دون ان يصل الى مرحلة كيفية الاستفادة من التفكير او انه ضيع الخطوة الاولى وسط الخوف.. هذا النصف كان يسارع خطاه للكشف عن المحيط الخارجي لعبد الله.. ام النصف الثاني كانت البنية الكتابية هي الدخول الى عمق الشخصيات من الداخل وتناسل الاسئلة وبدء جولة جديدة من الصراع الذي يمتد ويتحول الى نقطة ارتكاز عامة يمكن لها ان تمتد وتتشظى لتأخذا ابعادا سياسية ودينية وفنية وثقافية وانتقادية وتكشف حجم الصراع الذي يحيط الشخصية العراقية الذي اسمه عبد الله اي ان البطل يتحول من كونه شخصية اعتبارية في المنصف الأولى الى شخصية جمعية جامعة في النصف الثاني حتى وان حاول الاخر ان يغير اسمه الى ايوب وهي دلالة ايضا على الصبر والمحن التي مرت على الشخصية والشخصيات:

( في الحقيقة أحب اسم أيوب وهو اسم ينطبق على المذبين في العالم كافة) ص145

وذات الصفحة ( مادام يجد على الارض قوي وضعيف والقوي يتحكم بمقدرات الضعيف إذن نحن جميعا ضعفاء إذ لا بد من وجود قوي أكثر من قوة وهيمنة من القوي السابق له..)

ولهذا فان الصراع سيبقى وهو المهيمن والدال على تزييف الحقائق( أن ما نسعى إليه هو تزييف تاريخ وانتحال صفات وليس صفة واحدة) ص148

(أن أمثالك ما هم إلا حشرة نستطيع سحقها كالنملة) ص149

ليبقى السؤال مفتوحا على احتمالات تعدد الصراع وتشظيه واستمراره لان كل ما حول الإنسان الذي يريد ان يعيش هو الخوف.

أن ما نسعى إليه هو تزييف تاريخ وانتحال صفات وليس صفة واحدة) ص148

(أن أمثالك ما هم إلا حشرة نستطيع سحقها كالنملة) ص149

ليبقى السؤال مفتوحا على احتمالات تعدد الصراع وتشظيه واستمراره لان كل ما حول الإنسان الذي يريد ان يعيش هو الخوف.