تجربتان تشكيليتان شابتان تتحاوران في بغداد
الفراغات تشي بدلالات حسية
مؤيد داود البصام
من المعارض التي لفتت الانتباه ضمن التجارب الحديثة في حركة الفن التشكيلي العراقي، ما قدمته قاعة حوار للفنون بالخصوص نهاية عام 2011، وهي لا تندرج في تجارب الفنانين العراقيين الذين يعيشون في أوروبا ودول العالم الأخرى، لان في تجاربهم الكثير من مؤثرات عالم ما بعد الحداثة، مماثلا لما قدم إن لم يكن في تجارب بعضهم ما هو ابعد مما عرض في قاعات العراق، إلا أن ما قدمه الفنان الشاب سيف قاسم ونظيره الفنان الشاب المغترب حارث مثنى، في معرضيهما الأول كل واحد منهما على انفراد في قاعة حوار، من أسلوب ضمن فن ما بعد الحداثة ومؤثراته، يكونا قد قدما شيئا جديدا على الساحة العراقية الفنية الداخلية، وقد ظهرت بعض من هذه التجارب على سبيل المثال وليس الحصر، في معرض الفنانة نضال الأغا، فضاءات لونية في قاعة فضاءات بغداد، مستخدمة الكولاج مع بناء بصري للوحة لونياً، يندرج ضمن مفهوم الشكل التصويري لاشتغال الآلة وبالذات في البناء التشكيلي للتصميم، وكذلك معرض الفنان عبد الجليل مطشر ألنوري التدريسي في كلية الفنون الجميلة قسم التصميم، وسبق أن كتبنا عن تجربته، الذي تشكل تجربة سيف قاسم أكثر اقربا ً إليه، ولمن واكب عروض قاعة حوار ما بعد احتلال العراق، سيجد أن القاعة حصرت اهتمامها في عرض معارض النخب والفنانين المحترفين، ومن النادر أن خرقت هذا القرار إلا ما ندر، ويعتبر المعرضان اللذان قدما نهاية عام 2011، من هذا النوع من الخرق.
سيف قاسم ورقص الألوان الكترونياً..
المعرض الأول كان للفنان الشاب
سيف قاسم، لوحات اشتغل فيها على البناء اللوني للنص من خلال برامج الكومبيوتر والتي تندرج ضمن برامج التصميم أكثر منها في التشكيل، وعلى الرغم من إن الفنان لم يصرح باستخدامه التوليف اللوني لبناء الصورة عبر برنامج الفوتوشوب والتنصيب، إلا أن الأعمال جميعها توضح هذا المنحى في الاشتغال، وهو استخدام ليس بجديد في عالم الفن، إنه من مستحدثات فن ما بعد الحداثة، وما وصلت له التقنيات من تطورات استفاد منها الكثير من الفنانين في العالم، ومن أهمها ما ظهر، فن التنصيب، فن الأرض، فن الفيديو، فن الجسد، والفنون الإيحائية ، وقد اشتغل الفنانون الدادائيون من ضمن أشتغالاتهم الغرائبية في الاحتجاج على الحرب وما أودت به في حياة الإنسان بدفعه إلى مناطق الغربة والضياع على ابتكار كل ما يبرز السخط على الحرب وما أودت به في حياة البشرية، ودأبت معارضهم بعد الحرب العالمية الأولى وبالذات في باريس، على تقديم عروض مصاحبة لمعارضهم التشكيلية الرافضة، أعمال لفن الجسد، فقدموا عروضاً لأشخاص بدون ملابس ملونة أجسادهم، وهذه إحدى الاشتغالات التي تطورت بعد منتصف القرن العشرين في الحركة الفنية العالمية، المصاحبة لتطور التصوير الفوتوغرافي، التي طورت الصورة بعد ثورة الانطباعيين، وبالذات صورة الدجتل، بالتقنية الهائلة في علم المرئيات، ووصولها إلى دقائق الرؤية البصرية في معرفة الألوان ودرجاتها، وما يهمنا هل قدم لنا الفنان سيف قاسم شيئا ً عبر هذه التقنية في بناء اللوحة ؟، نعم قدم شيئا ً جميلا عبر هذا التركيب اللوني الذي اضطج بالألوان وبقدرة تناميها في داخل اللوحة، والتلاعب بالسطح لتغيير مسار الرؤية البصرية حسب الإمكانية اللونية التي تصوغ بناء اللوحة، وحركة الظل والضوء وانكسارات الخطوط وتلاشيها ضمن رؤية لونية تمجد اللون على حساب النص، في تضاد الألوان بروحية تكسير اللون ليشكل وحدة مستقلة قائمة بذاتها، مع تحقيق وحدة الموضوع والانسجام التي تجمع تراكيب اللوحة. قد يسأل السائل وماذا يعني هذا ؟ فلدينا في عالم الفن عشرات الفنانين الذين زاحموا الكاميرا في إتقان الأبعاد الجمالية للصورة الواقعية، ما قبل ظهورها وما بعد ظهورها، نعم وهذا أيضا صحيح، ولكن هنا تحول فني وجمالي في الهيئة العامة للوحة، وفي أعماله هناك إخراج ينبني على الإزاحة، لا يخرج عن واقعيته حتى وان جرد النص إلى الأبعاد التي يرغب في إيصالها، وهذا هو ما يجعل اللوحة ذات قيمة لونية بتعبيراتها وجمالية الرؤية للتوازن العام لهيئتها، وهو ما سعى له الفنان الانطباعي في كل أعماله، للمقارنة بين الزمن والضوء، وهي الظاهرة التي تُدرس تاريخياً للوصول إلى التزامن مابين الزمن والضوء، وسعى لإدراك أبعادها الفنان موني MONET ، عندما قدم سلسلة من الأعمال مستوحاة من موضوع واحد، ولكن باختلاف الأزمنة واختلاف الإضاءة الطبيعية على الأشياء، واختلاف الرؤية البصرية، ومن أهمها سلسلة1894 1892 المسماة Athedrale_de_ rouer ، ولكن هذا البعد ما بعد الحداثوية الذي اشتغل عليه الفنان الشاب سيف قاسم وفق نظم هندسية توحي لنا بفن الملصقات الكولاج ، الذي سبق أن اشرنا إلى أن الفنانة نضال الأغا اشتغلت عليه، والسؤال هل يعني هذا أنه انهزام أمام اللوحة، وان الفنان غير متمكن من الاشتغال بالفرشاة واللون، إن المعارض السابقة التي اشترك فيها سيف قاسم تعطينا الملمح لإمكانياته الفنية فهو فنان ذو إمكانية جيده على إنتاج اللوحة بإبعادها الواقعية والانطباعية والتعبيرية، على ضوء قواعدها الأكاديمية، وقد استطاع من تقديم أعمال شهدت انه فنان متمرس بصورة جيدة أكاديميا في إخراج لوحة يقف عندها المتلقي، أثناء دراسته أو عندما تخرج من كلية الفنون، ثم تحول نحو التقنية والإبداع عبر الكومبيوتر، لإيجاد بعد حداثوية مواكب للتطورات الفنية في العالم، وجعل اللون الأساس للاستعاضة عن النص بالرؤية البصرية وجماليات الشكل. والسؤال هل هذا هو الفن الذي نطمح الوصول إليه في التجارب الفنية ؟، سنعاود السؤال بعد أن نتناول التجربة الثانية لما يسمى Installation art ، فن التنصيب للفنان حارث مثنى.في معرضه الذي أقامه في قاعة حوار أيضا بعنوان، ضوء في بغداد .
التنصيب المصطلح والبعد الفني..في أعمال حارث مثنى.
ما هو التنصيب ؟ جاء في مختار الصحاح نصب الشئُ أقامه. وقيل هو فاعل بمعنى مفعول فيه، لأنه ينصب فيه ويتعب كليل نائم أي ينام فيه. ص661. وهذا المعنى هو ما يؤدي إلى جعل العمل مفعول فيه، إي وضع المتلقي وسط العمل الفني، فالتنصيب لا يتم إلا من خلال التواجد الفعلي داخله، ولذلك فالتنصيبية تتصف بالمكانية والزمانية، ويتم إشغالها بمجموعة من العناصر المختلفة من حيث مادة صنعها وأبعادها، وأشكالها وهي مختلفة في كيفية الوصول إلى المتلقي، وتعد من أجل أشغال فضاء محدد، تفضي إلى توليد دلالة معينة تجعل المتلقي ضمن دائرة الاختيار لتخيل ما يرى. ويعتبر الفن الانطباعي هو الأب الروحي لكثير من هذه الأعمال، وقد مهد اشتغال الفنان الفرنسي مارسيل دوشامب على أبعاد الفضاء ودلالة الضوء، التي استند عليها الفنان الألماني جوزيف بويز رائد فن التنصيب، والمتأثر بأعمال مارسيل دوشامب.
قدم الفنان الشاب حارث مثنى العراقي المغترب في هولندا معرضه ضوء في بغداد في قاعة حوار، لفن التنصيب Installation art مستخدما الضوء والقماش، فكانت اللوحة تعكس وجود الألوان ونصها من خلال تسليط الضوء من خلف اللوحة، متواصلا مع التركيبات الفراغية أو ما يعرف بالفن البيئي.
أن عنوان المعرض يعكس دلالة واضحة، أن الفنان أراد أن يقول مهما أظلمت فهناك يا بغداد بصيص ضوء وأمل أن تعودي حاضرة الدنيا وشعلتها، إن أثيمة العمل ووحدة موضوعه تتحدث عن بصيص أمل لمستقبل أفضل من وجهة نظر الفنان، وتلك الإيحاءات حاول إيصالها بمحاكاة بصرية معاصرة، ومن خلال التركيبات الفراغية من اجل تحريض المتلقي للتفاعل مع المشهد، وهذه هي أسس فلسفة فن التنصيب، أن يتم إشغال مساحة العرض بمجموعة من العناصر المختلفة التي تفضي إلى توليد دلالة معينة يمكن للمتلقي أن يتخيلها من خلال التأويل الخاص به، وهو ما سعى إليه الفنان بتوزيع أعماله على جدران القاعة وفي أرضيتها، ليكون المشاهد في داخل اللعبة وليس خارجها. إن أعمال الفنان حارث فيها هذه الإمكانية على تداول اللون وتحريكه ضمن منظور يدفع بالمتلقي للتفكير والتأمل، مخترقا الصيغتين اللتان تلازمان اللوحة، الزمان والمكان، ففي ألوانه هذه البنائية الزخرفية لتصاميم طباعة الملابس والسجاد والستائر، ودراسته للضوء كمؤشر زمني، وبحث التأثيرات الضوئية لتمثل تحولات المظاهر الخارجية للعالم المرئي، وهو ما منحه إمكانية المحاورة بين اللوحة كعمل إيحائي وبين المشاهد لإدراك الأبعاد التي يشتغل عليها الفنان، والوصول إلى النص الذي يحاول أن يوحي به إلينا. وقد وضحت أعماله الإمكانية في بناء نص اللوحة من خلال اللون وعندما يكون الفنان متمكناً من أدواته تتوفر حركة الفنان بحرية للتعبير. فأعماله تتسم بهذه القابلية في فهم مدركات اللون وأبعاده البصرية، والقدرة على المحاكاة بين الشكل والنص، وجر المتلقي للتفاعل وتداول المعروض.
ماذا يمكن تحقيقه للجمهور في فن الحداثة اللونية؟
لاشك أن الأعمال التي واكبت الحداثة لطلائع الفنانين التشكيليين العراقيين الأوائل، حققت رؤية لا تبتعد عن الواقع بقدر اقترابها منه، وهو ما حقق ترابطا غير مرئي بين الإنسان البسيط وفناني الحداثة في العراق، في العقود التي تلت منتصف القرن العشرين، ولم يخضعوا أفكارهم للسجود أمام موجة ما بعد الحداثة الأمريكية والرأسمالية، على الرغم من تسابق الكثير من الفنانين لتمثل هذه الموجة، نعم لاشك أن التطور لازمة التحضر الإنساني، ولكنها مشروطة بتفاعلها مع الإنسان والمجتمع، فهو الشريك المتفاعل، وإلا لأضحت بنائية الإعمال انعزالية كما حدث لكثير من الأنساق الأدبية والفنية، ضاعت في متاهة ما بعد الحداثة الرأسمالية، وفقدت روادها ومشاهديها، فأضحت القاعات التي كانت تستمر في استقبال مشاهديها خالية ما بعد يوم الافتتاح الذي يحضره مجموعة من النخبة وأشخاص لا علاقة لهم بالفن وإنما مواكبة لمن سيفتتح المعرض لتكون صورتهم مرئية بوجودهم معه، وبهذا الفهم غير الواعي لطبيعة واقع الإنسان والمجتمع، خسر الفن الكثير مما كان يمكن له أن يمثل بناءا مستقبليا لتحريك الشارع الثقافي وجر رواد جدد لمحبي الفن. إن أعمال الفنانين هي اقرب إلى التصميم ألطباعي للأقمشة والأنسجة، وزخرفتها، أكثر مما يمكن أم نسميها لوحة تشكيلية، باختلاف النسب بين أعمال الفنان سيف قاسم وحارث مثنى، حتى وان انتزع منها النص في الأعمال التجريدية، ولكنها تحمل رؤيتها النصية فيما وراء الرؤية البصرية.،
وإذا أخذنا معرضي الفنانين سيف قاسم وحارث مثنى، سنجد على الرغم من حداثة الفكرة وعصريتها على مجتمعنا، وجمهورنا الذي أثقله الهم المحلي، وأبعده عن مواكبة التطورات الحضارية والفكرية، إلا أن خروجها على النسق لم يبعدها عن التعاطف مع الجمهور، كونهما قدما تجربة حداثوية ولكن برؤى واقعية تأخذ هذا التراجع في التطور الحضاري للمجتمع بعين الاعتبار، وسنأتي في مقال قادم على مسألة التجارب الجديدة في الحركة التشكيلية العراقية، وأبعادها في الرؤية البصرية للمجتمع العراقي أثناء الحصار الدولي لشعب العراق وما بعد احتلال العراق.
/4/2012 Issue 4178 – Date 19 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4178 التاريخ 19»4»2012
AZP09
























