تأملات في كتاب صور المثقف لإدوارد سعيد
مفاهيم مقحمة للتعصب
عدلان جمعة
أمّا النّموذج الثاني للمثقف المتحرّر من أوهام الهوية فيتمثّل في جون بول سارتر الذي اعتمد سعيد أداءه مرجعا للنّقد أو التّأسيس في أكثر من موضع. ويهمّنا في هذا السّياق رفض هذا المفكّر الحرب الفرنسية الجائرة على الجزائر وعلى فيتنام وقد أعلن عن هذا الاحتجاج برفض جائزة نوبل لسنة 1964 وهي جائزة باع غيره تاريخهم أو مواقفهم لتحصيلها لمّا أعيتهم الجدارة والكفاءة. ولعلّ بعض أنصار السّلام المعاصرين في أوروبا وأمريكا وأولئك المناهضين للعولمة الاقتصادية والسياسية المدركين لأخطار عولمة رأس المال على مقدّرات الشعوب الضعيفة هم الورثة الحقيقيّون لبرتراند راسل وجون بول سارتر لأنّهم رغم الرّفاهة التي ينعمون بها في دولهم الغنيّة يعارضون سياسات حكوماتهم رحمة بغيرهم وإدراكا لإنسانيّة الهويّة.50
لكن هل يتنافى الحسّ الإنساني مع الشعور بالانتماء إلى مجموعة بشرية لها مقوّمات مشتركة راسخة عبر الزمن؟
أليس إنكار الهوية إنكارا مطلقا أمرا فوق طاقة البشر؟
هل يستطيع إدوارد سعيد المثقف الفلسطيني أن يعلو على مشاكل أرض فلسطين المحتلة
وشعب فلسطين المشرّد باسم التحرر من وهم الانتماء؟
3 ــ جدل الذات والآخر
إنّ دعوة سعيد للمثقفين بتجاوز أوهام المكان والانتماء وقيود الجنسيّة والولاء تصطدم بواقع مرير يهمّ المجموعات البشريّة المظلومة في هذا العالم لذلك يعترف سعيد أنّ مشكلة الولاء محدقة بالمثقف وتتحدّاه بدون رحمة 51. ففي بعض اللّحظات التاريخية تكون مجموعة بشريّة ما مهددة في وجودها مثل البوسنيّين زمن حرب الإبادة العرقية التي شنّها عليهم صرب يوغسلافيا والفلسطينيين منذ عام النكبة 1948 وإلى زمن إنجاز هذا البحث. فقد تعرّض الفلسطينيون إلى التّهجير القسريّ وإلى مجازر لا تحصى بأياد صهيونية وأخرى عربية. فماذا يفعل المثقف؟
إنّ الشّعور بأنّ شعبك مهدّد بالانقراض السّياسي لا بل بالانقراض الفعليّ أحيانا يلزمك بالدّفاع عنه و ببذل أقصى طاقتك لحمايته أو لمقابلته أعداء الأمة، وهذه بلا ريب القوميّة الدّفاعيّة 52 .
يتّضح من خلال هذا الموقف الأخير جدل الذات والآخر فسعيد الذي يدين تعصّب المثقفين لقومياتهم واستبسالهم في الدّفاع عن مصالح دولهم يستحضر انتماءه إلى أمّة مهدّدة في حاجة إلى الدّفاع عنها فينحت مفهوما استثنائيا هو القومية الدّفاعيّة . ولعلّ استبساله في الدّفاع عن القضيّة الفلسطينيّة استبسالا يغري أعداءه وأعداء القضية باتهامه بالتعصب القومي هو الذي حمله على تخصيص جزء هامّ من الكتاب لإدانة النّعرة القوميّة والشّعور المقيت بتفاضل الأجناس. فكأنّنا بسعيد إذ يدين التعصب ويشرّع للقومية الدفاعيّة يجادل هؤلاء المتربصين الذين إن أعيتهم حجج العقل لم تعيهم التّهم. يتّضح هذا الجدل في مقدّمة الكتاب لكنّ ثمّة أصوات ولو قليلة نسبيا دأبت منذ ارتفاعها في وقت واحد ومنذ اللحظة الأولى تقريبا للإعلان عن المحاضرات في أواخر عام 1992 على انتقاد الـ بي . بـــي. ســـي لأنّها في المقام الأول وجّهت الدعوة إليّ أنا. اتّهمت بأنّني ناشط في المعركة من أجل الحقوق الفلسطينية53.
نحن إذن إزاء كاتب إنسانيّ النّزعة عقلانيّ الفكر مدرك لوحدة الجنس البشري لكنّه وجد نفسه إزاء حقوق فلسطينية مهضومة و إزاء صمت دولي مريب. وعندما نهض بمهمّة المثقف في الدّفاع عن قيم الحقّ والعدل اتّهم بالتعصّب والتّشدّد وصار فكره عرضة للمصادرة من خلال محاولة حرمانه من وسائل الاتّصال الحر فغالبا ما ذكر الصحفيّون والمعلّقون المتذمّرون أنّني فلسطينيّ وهذا كما لا يخفي على أحد مرادف للعنف وللتعصّب ولقتل اليهود… إضافة إلى ذلك وصفت بأنّي معاد للغرب. .54.
في سياق هذا الجدل مع الآخر الغربي يتنزّل كتاب صور المثقف. فسعيد يحاكم فيه تعصّب المثقفين الغربيين وانغلاقهم، يحاكم فيه ارتهانهم بمصالح دولهم وازدواج المعايير في خطابهم الثقافي، لكنّه في نفس الوقت يبرز التزامه بالقضية الفلسطينية إذ من واجب المثقف في بعض المواقف التاريخية الحاسمة أن يكون قوميا وذلك عنوان التزامه الإنساني.
غير أنّ الالتزام بالدفاع عن قضية شعب أو أمّة لا يبرّر البتّة فقدان المثقف لقدرته على التعبير الحرّ. وقد كان سعيد خير نموذج على تحرّر المثقف من هيمنة الثقافة والتقاليد فقد نقد الهيمنة الغربية لكنّه لم يغفل عن نقد الاستبداد والطبقيّة والسّذاجة السياسيّة للدول العربيّة. فالخطاب الذي يحمل الآخر الغربي جريدة الوضع العربي أو الشرقي ويلغي مسؤولية الذّات هو خطاب غير عقلاني بالنسبة إلى سعيد كنت بعيدا كلّ البعد عن تشجيع أيّ شعور بالبراءة الأساسية المظلومة في البلدان التي ذاقت الأمرّين ممّا ألحقه بها الاستعمار من خراب ودمار لا بل صرّحت مرّة بعد مرّة بأنّ أفكارا تجريديّة خياليّة كهذه هي أكاذيب 55.
ومثلما نقد سعيد رؤية الآخر للشرق و اختزال صورة الفلسطينيين في العنف والتعصّب
وقتل اليهود، نقد رؤية المثقفين الشرقيين للذّات وللهويّة وانخراطهم في الجوقات التي تمتدح الفهم الأحاديّ للإسلام56 . ولم يطرح قضيّة تأويل الإسلام واختلاف صوره في العقول طرح المتحامل الذي ينتصر لديانته المسيحية بل طرح المفكّر الموضوعيّ الذي دافع عن الإسلام ضدّ من راموا تشويهه حين اقتضت الحاجة ذلك57.
إنّ سعيد الذي أدان تهجير الفلسطينيين وتشريدهم في دول الشّتات من قبل العصابات الصهيونية ودولة إسرائيل هو نفسه الذي يدين عمليّات تهجير الأقليّات اليهودية من دول المشرق العربي لطالما جذبتني بشدّة هذه الجماعات المغتربة أو المبعدة قسرا عن أوطانها
التي عمرت بها أرض شبابي في فلسطين ولبنان ومصر58 . هكذا نتبيّن جدل الذات والآخر في هذا الفصل. فسعيد الذي كانت سيرته الذاتية عنوان تحرّره من هيمنة الثقافة ينقد الذات والآخر، يدافع عن الفلسطينيين ويدافع عن اليهود، ينقد تصوّرات المسلمين وتصوّرات الغربيين للإسلام في آن. هكذا يكون المثقف المتحرّر الذي لا يتخدّر حسّه النّقديّ حتّى في فترات الطوارئ وهذا ما ينتظره سعيد من المثقف الآخر.
III الفصل الثالث
المثقف والمنفى
تواترت كلمة المنفى في كتاب صور المثقف تواترا يدعو الباحث إلى اعتبارها مفهوما مركزيّا في فكر ادوارد سعيد حتّى أنّ الفصل الثالث من الكتاب اكتسب منها عنوانه ومادّة متنه59. وقد اقتضت الظّروف التّاريخيّة التي ميّزت القرن العشرين أن يقترن الخوض في صور المثقف بالحديث عن المنفى الفكريّ. لذلك بدأ ادوارد سعيد في طرح قضيّة المنفى انطلاقا من رصد التحوّلات السّياسيّة والدّيمغرافيّة في منتصف القرن العشرين فأشار إلى شعوب منفيّة مثل الأرمن واليهود إثر العدوان الثّلاثيّ على مصر وتحدّث عن النّتائج المأسويّة لتشكّل دولتين جديدتين وهما باكستان وإسرائيل على الواقع الدّيمغرافيّ في الهند وفلسطين وفي خلال القرن العشرين، تحوّل النفي من عقاب حادّ وأحيانا حصريّ لأفراد ذوي صفة خاصة… إلى عقاب شرس لمجموعات وشعوب بأسرها 60.
هذه الحركة الدّيمغرافيّة شملت المثقّفين فمنهم من هرب من جحيم النّازيّة والفاشيّة إلى الولايات المتّحدة التي اعتبرت آنذاك وطن الخلاص ومثّلت الولايات المتّحدة في هذه الحرب الأخيرة دور المخلّص61 لكنّ من المثقّفين من هاجر إلى أوروبا أو أمريكا هربا من قمع الأنظمة السّياسيّة في دول العالم الثالث أو التماسا لحياة جديدة واستجابة لإغراءات الوطن الجديد.
فإذا كان المثقّف في وطنه الأصلي في صراع مع إملاءات السّلطة وسطوة المؤسّسة ينازع هيمنة الهويّة وضغط التّقاليد فكيف يكون أداؤه في المنفى؟
أتراه يتحرّر أم يقيد بقيد جديد؟
1 ــ المثقّف المتكيّف المنتمي
المنفى هو أحد أكثر الأقدار مدعاة للكآبة 62، بهذه العبارة التي تطفح بطاقة انفعاليّة وجدانيّة تصل خطاب ادوارد سعيد بالخطاب الرومنطيقيّ ينفتح الفصل الثالث. فسعيد يعترف بقسوة أن يهجر الإنسان الأسرة والأماكن المألوفة ليعيش في وطن جديد. ورغم إقرار سعيد بزيف الجغرافيا المتخيّلة فهو لا ينكر الانتماء إلى مجموعة بشريّة والارتباط الوجدانيّ بأرض ومكان. لذلك يشفق سعيد على المثقّف المنفيّ الذي يستشعر الغربة والتّيه ويعاني التمزّق والانشطار فإنّ المنفيّ يعيش في حالة وسطيّة لا ينسجم تماما مع المحيط الجديد ولا يتخلّص كليّا من عبء البيئة الماضية، تضايقه أنصاف التّداخلات وأنصاف الانفصالات وهو نوستلجيّ وعاطفيّ من ناحية ومقلّد حاذق أو منبوذ لا يعلم به أحد من ناحية أخرى 63.
ولعلّ هذا الشّعور بالتّيه والضّياع هو الذي يحمل بعض المثقّفين على محاولة الانتساب إلى دولة المنفى لأنّ الشّعور بالانتماء حاجة إنسانية. فربّما دفعهم ذلك إلى محاولة الاكتساب السّريع للغة دولة المنفى وعاداتها وتقاليدها حتّى ينصهروا في النسيج الاجتماعي ويزول عنهم الإحساس بالاختلاف واستشعار نبذ الآخرين لهم. وقد بيّن سعيد أنّ لبعض المثقّفين قدرة على الاندماج تدعو إلى الرّيبة ومهارة على التكيّف تبعث على التّساؤل. فهنري كيسنجر من ألمانيا النّازيّة وبريجنسكي من بولندا الشيوعية لكنّهما تبرّعا بمواهبهما كليّا للبلد الذي اختاراه وطنا لهما.
ويستعرض سعيد نتائج هذا التكيّف في نبرة كاشفة عن إدانته وهي الرّفعة والمكافأة الماليّة والنّفوذ القوميّ والعالميّ64 . وتتعزّز هذه الإدانة من خلال مقارنة هذين المثقفين اللّذين ينحدران من أصل أوروبيّ بمثقفي العالم الثالث في أمريكا والذين لا يطالهم إلاّ الإهمال فهم يقبعون في الظّلمة الهامشيّة. ومن مظاهر التكيّف المشبوه اللاّفتة للنّظر تجنيد نازيّين قدامى لا جدال في تورّطهم الفكريّ والأخلاقيّ في الجامعات الأمريكية والمؤسسات السياسية. فكيف للنّازيّ أن يكون ديمقراطيّا ليبراليّا؟ و كيف لمن عقيدته الإقصاء أن يتكيّف بسهولة مع مجتمع أساسه الاختلاف؟
إنّ المجتمع الأمريكي خليط من الأجناس لا يجمع بينها غير الولاء للدولة الأمريكية، ومتى تحقّق هذا الولاء عظمت المكافأة وتعزّزت المكانة. ولقد أدرك المثقفون احتكام دول المنفى الرّأسمالية الليبرالية إلى مبادئ الربح و النّجاعة فأدركوا أقصر السبل إلى الاندماج فيها وعرضوا عليها عبقريّتهم وباعوها طاقاتهم العقليّة فكان الوفاق والتعاقد. وقد اعتبر سعيد هذا التكيّف ضربا من المهارة المشبوهة في المسايرة السياسية الانتهازية65 إذ اختار هذا الصنف من المثقفين في المنفى التكيّف والاندماج والمسايرة ونجحوا في خلق التّوافق مع قوة مهيمنة دون احتراز أو اعتراض على بعض خياراتها. فمن ملامح المثقف المتكيّف الصّمت عن إدانة جرائم دولة المنفى أو التّشكيك في سياستها ضمانا للتّجانس وحرصا على الاندماج. ولعلّ نموذج المثقف الإيراني الذي نقد سعيد أداءه بكل مرارة يشهد على حالة الاستلاب الفكري التي تفرضها ضغوط المنفى على بعض المثقفين. فهذا المثقف كان على الدوام محلّ إعجاب سعيد إذ تعاطف مع أنصار الثورة على نظام الشاه في إيران رغم وجوده في الولايات المتحدة حليفة الشاه وأبدى مواقف نقدية من الهيمنة الامبريالية الأمريكية وحتّى عندما اضطرّته التّحوّلات السياسية في إيران إلى أن يتّخذ الأرض الأمريكية ملجأ ظل ثابتا على مواقفه المبدئيّة. لكنّ هذا المثقف الإيراني المناهض للهيمنة الغربية على دول الشّرق ساند العدوان الأمريكي على العراق و قال شأنه شأن مثقفي اليسار الأوروبي إنّ من واجب المرء في حال نشوب نزاع بين الامبريالية والفاشية أن يقف في صفّ الامبريالية66.
فإذا كانت معظم أحزاب اليسار في الدول الرأسمالية الغربية قد تشكلت إيديولوجيا وسياسيا في إطار رؤية مخصوصة للاشتراكية والشيوعية لا تقيم تنافر حادّا مع النّمط الرأسمالي والليبرالي فلا غرابة في مواقفها المتواطئة مع الهيمنة الامبريالية الأمريكية ومع الحركة الصهيونية. أمّا المثقف الإيراني فلا شكّ أنّ المنفى مارس عليه ضغوطه إذ يتساءل سعيد عن عجز هؤلاء المثقفين عن شجب الفاشية والامبريالية معا. أفلم يجد المثقفون الشّجاعة لإدانة العدوان الأمريكي بقدر إدانتهم للعدوان العراقي؟
إنّ للتكيّف ضريبة وهي أن يخرس المثقف المنفى إزاء جرائم حكومات المنفى إظهارا للولاء لذلك يستنجد هذا الصنف من المثقفين بكلّ مواهبهم البلاغية وبكلّ أطروحات مدرسة الصواب السياسي الأمريكية لإلباس الجرم الأمريكي ثوب الفضيلة حتّى يغدو القصف رحمة والاجتياح تحريرا مادام الرئيس العراقيّ قد التبس في العيون بصورة هتلر67.
ومثلما نقد سعيد أداء المثقف الإيراني على تكيّفه المشبوه وازدواج المعايير لديه حمل على بعض المثقفين العرب الذين اتّخذوا من المنفى قاعدة لشن حملات تدميريّة على أوطانهم الأصليّة في أسلوب خطابي أشبه بالقصف التّدميريّ الشّامل68. وقد رأى سعيد في أداء هؤلاء المثقفين ارتهانا بإملاءات دولة المنفى إذ يحرص هؤلاء المثقفون على ضمان الحظوة الإعلامية واهتمام الجمهور الغربي الواسع انطلاقا من خطاب ثقافي مشبوه يفتقر إلى شروط النّقد العقلانيّ الموضوعيّ.
صفوة القول إنّ المنفى عنصر متحكّم في أداء بعض المثقفين الباحثين عن الانصهار الحريصين على التكيّف والانتماء. وهو وإن يحقّق للمثقف الرفاهة والرّخاء ويضمن له أوسع وسائل الاتصال فإنّه يلجم اللسان عن النّقد ويحوّل المثقف إلى مجرّد مرتزق أو بوق دعاية خسيس يواجه به الغرب العالم الثالث ويتّخذ من قصفه الطّلقة الأولى في المعركة.
2 ــ المثقف الهامشيّ اللاّمنتمي
إذا كان المثقف المنتمي قد اختار الذّوبان في قيم وسياسات دولة المنفى وآثر الولاء لحكوماتها والتّبرّع ببراعته لخدمتها فإنّ ثمّة صنفا آخر من المثقفين اختار عدم التّكيّف والتّململ الدّائم والتّحرّك بنشاط ضدّ الهيمنة وقولبة الآراء. ولعلّ نموذج المفكّر الألمانيّ ثيودور أدورنو الذي اعتبره سعيد الضّمير الفكريّ المهيمن لمنتصف القرن العشرين69 من أبرز النّماذج المؤثّرة في فكر ادوارد سعيد عموما وفي نظرته إلى قضيّة المنفى الفكريّ بصفة خاصّة. وأدورنو هو مثقّف ألماني من خلفيّة يهوديّة جزئيا ولعلّه يحمل ذلك الشّعور بالاغتراب الذي يكاد يلازم اليهود في كلّ المجتمعات التي عاشوا فيها.
وقد دفعته أهوال النّازيّة في منتصف الثلاثينات من القرن العشرين إلى الهجرة إلى انكلترا في مناسبة أولى ثم رحل عن فرانكفورت إلى الولايات المتحدة. وقد كانت سيرة أدورنو وآثاره النّقديّة شاهدة على أنّه يفوق ناييول من حيث التّشدّد في كونه منفيّا وعقده العزم على ذلك70. ولقد عاش أدورنو في أمريكا زمنا غير قصير لكنّه لم يتكيّف مع منفاه فلم تغره موسيقى الجاز ولا الثّقافة الشّعبيّة الأمريكية و لم ترق له أفلام أمريكا ولا مناظرها الطبيعيّة فظلّ محافظا على عدائه للرأسمالية الغربية ولكلّ افرازاتها السّلوكيّة.
إنّ أدورنو هو أحد أقطاب مدرسة فرنكفورت النّقدية التي تأسّست انطلاقا من معهد الأبحاث الاجتماعية في فرنكفورت71. ومن أهمّ مقولات هذه النظرية النّقديّة التّشيّؤ
والاغتراب. فقد ركّز أصحاب النّظرية النّقديّة بحثهم على البشر المغتربين عن أشكال حياتهم التّاريخيّة في المجتمعات الرأسمالية والصناعية. فإذا كان أدورنو ينطلق من خلفيّة نقديّة للنّمط الرّأسماليّ الذي جرّد الإنسان من إنسانيته وصيّره دابّة استهلاكيّة فمن الطّبيعيّ أن تأبي نفسه التّكيّف مع وطن المنفى الذي تشهد كلّ عناصر تشكّله على أثر الرأسمالية ومنطقها كان يثير غضبه كلّ ما يتعلّق بالنّفوذ العالميّ النّطاق لأفلام أمريكا وصناعتها وعادات الحياة اليوميّة فيها ووسائلها في التعلّم القائم على الواقعيّة وبراغماتيّتها .72
إنّ أدو رنو الذي تغذّى بتراث الفلسفة المثاليّة الألمانيّة وتأثّر بتحليل كارل ماركس لاغتراب الإنسان في ظلّ علاقات الإنتاج الرأسمالية المخطوطات الاقتصادية الفلسفية وأفاد من فلسفة التّحليل النفسيّ ومن كتابات ماركيز الاجتماعية لم يكن ليفقد هويّته الثقافية ومبادئه الفلسفية في المنفى تحت إغراءات المال أو الجنسية أو جواز السّفر، لذلك حافظ على حسّه التّهكّمي ونقده اللاّذع. وكانت أمريكا شهدت كتابة أدو رنو رائعته العظيمة الحدّ الأدنى للأخلاق 73. وهو كتاب يختزل الموقف النّقدي لأدور نو من الحداثة الغربية التي أدّت إلى الاغتراب وضياع المعاني والقيم74.
AZP09
























