تأملات في كافيار علي الفواز.. لمن لم يتذوق الشعر هذا بعضه
علي حداد
(كافيار) هي المجموعة النصية الجديدة للمبدع وعياً وذائقة الشاعر (علي الفواز). وهي إصدار لافت للاهتمام منذ عنونته ، ومثير لرغبة التلقي كحال كثير مما ينجزه (الفواز) في مجمل كتاباته الثقافية ومعالجاته الفكرية .
ولكن لماذا (الكافيار) ذاته عنواناً ؟ ألأنه المأكل النخبوي النادر والثمين الذي ارتبط وجوده بأثرة ارستقراطية بيّنة؟ أم لما يكرس له قيمته في ممالأة بايولوجية ترتبط برغبات الجسد وتنشيطه الحسي؟ .
لسوف يكاشف التلقي أنّ لكلا الأمرين تمثلاته هناك ، فقد جاءت النصوص مجسّدة لوجهة تعبير فيها من نخبوية المشاعر وخاص الأحاسيس، ما يوحي بالمباعدة عما يتهامى من المتداول الجمعي المعيش، وهو ينكب على أسباب الكدّ اليومي ومكابدات الحياة الشاغلة والمنشغلة بما يدعها ـ في أحايين انهماكها المشاع ـ تعد هذا الذي أغلقت النصوص أدائيتها عليه ترفاً نزقاً وتعالياً شعورياً على ذلك كله .
ولكن هل على المبدع من جريرة إذا اعتق بعض تعبيره لبعض أحايينه ، يجوس عوالم ـ روحية أو حسية ـ تمثل لذاته ـ ومعها ذوات جمعية كثر ـ ما تجالد من خلاله وجودها الراكد وتجادله بلحظة صحو تشتبك فيها الرغاب وتستبد لذائد الحواس، من دون أن تتردد أبهة بأولئك الذين ذبلت مجسات إحساسهم، وسكنتهم تقوى زائفة ؟ .
لعل تلك معاينة أولى (تلتز) إليها أخرى، يجدها أفق التأول في الحضور الباذخ الذي كان للآخر (المرأة) الذي سكبت النصوص في أواني حضورها كافيار الكلام ولذائذه، وهو ما كاشف به بعض أسطر المقدمة، فـ ” نحن نكتب للآخر دائماً، الآخر المعشوق، الآخر الذي ينام تحت قمصاننا، ويشاطرنا الارتعاش والشغف، الآخر الذي ينتظرنا عند الشارع، أو عند الرصيف، أو عند قلق الموعد المرتبك كأصابعنا ” .
وإذا كان الأمر كذلك ـ وهو عندنا كذلك ـ فإن ما أفاضت به المتون النصية لهذه المجموعة كلها ستحرك بندولها بين حدي (الجسد) وما يلج بين طيات لذائذه الحسية الصادحة على لسان التياعه ، و(الروح) التي تكتب بمجس من الهمس الآمل أن تسور نفسها به من حرائق الجسد الضاربة أطنابها حولها.
لقد كان للجسد ما يكوّر سماوات تقولاته بين يديه في (لذة) تتجاوز مشروعية البوح، حتى لترقى إلى مافوق أحلام يقظته، وبمحايثة له، فقد كانت هناك حصة للروح، وكذلك للوعي ـ بتكيفاته الدلالية والجمالية ـ وهو ما استدعي عقلنة التعبير، وارتهانه إلى مدسوس دلالي في العمق من سطوحه، هيأ لسوى (الجسد) قيماً دالة تحثّه كي يبذل جهده لينال (متعة) الكشف والتأمل والتأويل .
مكنون روحي
يجيء النص الأول (عتبة الجسد) استلالاً للذات من حدها الجسدي الذي ستقف على مقربة منه، لتكاشفه بالذي أمضّها منه :
أيها الجسد / ما أقسى وحشتك.. قلقك .. وحدتك / ما أقسى اغترابك الباذخ/
وأنت تمارس الغياب والتشظي والتوهان / أيها الجسد العاشق والمحارب
وصاحب النياشين ../ الغاوي والمغوي والضال والعاطل والمكشوف والمخفي.. /
كم أنت وحيد أمام مرآتك !! .
(عتبة الجسد ، ص 8)
هذا الجسد المشتجر التكوين ـ بخرائبه وشهواته وما يلتذ به من أخيلة وادعاءات ـ هو مستودع تلك الذات التي طال ما سعت إلى مماطلته بمستقر مكنونها الروحي لتحد من فوراته :
أيها الجسد المارق….
كلما حاولت أن أستعير أدوات الصوفي ، لأرحل (من) دونك في المعنى
وأن أتوه في روح النيرفانا نشداناً لسوانح اللذة والعرفان / أجدك أمامي :
لامعاً ، متوهجاً ، عابقاً / تأخذني إلى الحافات/ إلى البياض../ توهمني بالغواية ،
بتفاحات الغابة/ بالعري ، بالعطر المدوخ / بلهاث الأنثى/ فأتوه مرة ثانية(هروب ، ص10)
وإذا كان خطاب الروح ـ في الغالب عليه ـ ينطلق من تلك الذات المتفقهة بمسعى مناكفة الجسد وسعار حسيته، ومجادلتها له فإن لخطاب الجسد وجهته الأخرى الرامية بصرها إلى خارجه، والمجترحة أبداً لوجود أخر تنثر عند أعتاب بهجته التوزع الجسدي الضاج والمحتدم، وليس ذاك الآخر سواها : (المرأة) :
الهروب إلى الأعلى أو الأسفل لن ينقذ الروح من المتاهة ..
كل الطرق ستدلك إليها/ هي : النجمة والعتبة والغابة والموقد واللهاث والأسماء
الطرق دونها خائنة / الجسد الخائن / هو جسدك المصاب بالسهو والنعاس
المصاب بقلق الأمكنة والجهات / والأسماء والطرق .
يأخذنا (كافيار) علي الفوازـ وهو بحشد فعل الحواس كلها ـ لنعايش معه الحضور الباذخ للمرأة، تلك التي لم يكن له ـ إزاء عدتها المدججة بالمفاتن ـ إلا اشتجار مفردات اللغة التي تقارب حضورها وتترسم وجودها. إنها مكاشفات شعورية حسية التمثل ـ في الغالب عليها، تذهب بمحاوراتها نحو امرأة (واقعية) تندس المفردات بين طيات أنفاسها وتفصيلات تكوينها الجسدي وألوان أثوابها وعطورها، واكسسوارات فتنتها الصاخبة، لتجلس عند حافة سريرها، تحكي لها الوله الحقيقي الذي يصيرها امرأة مشتهاة التمثل والتكوين. هكذا راح الفواز يرصد باستشعار لغوي مهيج بمفرداته وشهقات أنفاسه كل مايخصها، من خلال هيمنة (ذكورية) ترسم لها ماشاء (هو) أن يكاشف التلقي به من أوصافها وسجاياها ومباهجها التي يستدعيها لها، لتبقى (هي) الماثلة على باذخ النص وتعبيريته (هناك) في كينونة مستمكنة من التمثل يستعيدها الرجل بكامل غيابها حضوراً يتخطى مكانية التشكل وزمانيته، مجسدة بكينونة استحضار عبر كل الأبعاد الشعورية التي يأخذ روحه وحواسه إليها بشغف ولهف لاتذبل جمرته:
مارسي معي جنونك وصحوك/ ولهاثك/ كوني امرأة بجرعات كاملة
فأنا حامل الفوانيس / فوانيسك/ سأكون مواطنك المتسع بمجاز الفكرة واستعارة اللذة/ والواقف عند عتبة الطوفان/ طوفان بياضك وهو يشدو أو يعترف ليدل الموجة/ على أوان الصعود إلى الليل .
(فوانيس ، ص30)
يتواتر ذلك كله بإزاء تشكل بوح الرجل المهيمن عبر الضمائر: (أنا) الغالب على (شخصنة) الخطاب بمساحة (مونولوجية) وافية ، و(أنت) الذي يستحضره له ، ويهاتفه من خلاله :
لاتقف عاطلاً عند شفتيها/ أو بارداً عند تدفق العاصفة
تلك المرأة جنية تسللت إلى أعصابك/عرفتك على سرائر الليل
على يقظته وجنونه وساعاته العجولة/ وعلى قمصانه الممزقة
أخذت جسدك الصحراوي إلى أقاصي المطر/ شذبته من الوحشة
(وصايا العاشق ، ص34)
من عتبة (الجسد) تبتديء النصوص وفي غمراته تخوض وإليه تنتهي. وحتى في تلك اللحظات التي تهمس الروح بمسعى اجتلاب حصتها في هذا الاشتجار الشعوري فإن حيرة وجودية تعلو وضوح الرؤى وتستبد بها :
كل الدنيا تضيق… منفاك في الروح
جرحك مكشوف للغبار والعربات والأنوثة العاطلة
ستظل نصف محارب ، ونصف منفي ،
ونصف ثائر
ستظل هكذا مسكوناً بالانتظارات الشقية
لتصرخ عند كل أرصفة الدنيا
إلى أين ؟
( لهائك وحيد ياشبيهي ص22 )
هكذا ستكتب الذات وهي تعتذر لنقائها الروحي المغيّب بحصارات الخارج وادعاءاته :
كلما حاولت أن أخرج عن الشرنقة
تخرج أمامي قبائل من الآباء
وثوار لا أحتاجهم،
ومفسرون لعقائد لا أطمئن إليه
(اطمئنانات كاذبة ، ص107)
لقد تقصّد (الفواز) في (كافياره) هذا أن يوارب الباب على همنا الواقعي الجمعي المحيق وتفشيات مكابداته، ليندسّ في ذاتٍ أخرى تتحسس منطقة مجاورة مترسخة بالفعل ومتمناة التحقق بالتمثل الشعوري المخاتل، نمدّ كلنا يد التمني إلى ثمارها، حين نغافل رقابة الآخرين فندلف إليها بنزق مستثار. ومن أجل تلك المقاصد فقد ندت ـ الرغبة لتجاهر بماتقوله النصوص وتكرس حضوره فاعلية بوح إنساني شاد وشاغل، عبر الاندساس الجريء بين تلافيف الاشتعال الجسدي اللاهف، تساوقها رغبة محايثة تتعلق بالأخر(المتلقي) الذي يريد( الفواز) لنصوصه أنْ تعابث وجوده وتندلق على مائدة رغباته المكبوتة والمؤجلة، أو المبعدة بأستار من تابوهات مفروضة من خارج النزوع الإنساني الحفي بجسده واحتياجات احتفائه بالجيشان الروحي الذي
يكافئه ويتساوق معه.
كان (رولان بارت ) في كتابه (لذة النص) قد مايز بين (اللذة) و(المتعة) من خلال (النص) الذي يمدنا بالإحساس بهما، فعنده (ص43): ” إن نص اللذة هو النص الذي يرضي، فيملأ، ليهب الغبطة. إنه النص الذي ينحدر من الثقافة، فلا يحدث قطيعة معها، ويرتبط بممارسة مريحة للقراءة .
ضياع حالة
وأمّا نص المتعة فهو الذي يجعل من الضياع حالة، وهو الذي يحيل الراحة رهقاً، فينسف بذلك الأسس التاريخية، والثقافية، والنفسية للقاريء نسفاً . ثم يأتي إلى قوة أذواقه ، وقيمه، وذكرياته ، فيجعلها هباء منثوراً، وإنه ليظل به كذلك حتى تصبح علاقته باللغة أزمة “.
ولعلنا ـ وبهديِ ذلك التفريق بينهما ـ سنذهب إلى القول أنّ ماتهيأ لـنصوص علي الفواز هذه ـ وهي تتهامى بين يديّ اشتغاله التعبيري ـ أنها تجيء طوع تلقي من شاء أن يكتفي بلذتها معه . ولكنها تحايث بثها بفاعلية أخرى أبعد إثارة لمن سعى لها سعيها ، وتتمثل بذلك الاستدعاء الفاتن لـ (متعة) مترامية تشارك (الفواز) ما عايشه منها وهو يتنافذ ـ شعوراً ووعياً وجماليات أداء ـ مع هذه التجربة النصية المثيرة . ومع أنّ هذه النصوص لا تذهب بمحمولها الدلالي بعيداَ في التأويل إلا أنها تضع متلقيها في ملاذات من (المتعة) التي تستدرجه عبر أفق التمثل والتصوير والاندساس الشعوري البعيد في قدرته على التجسيد ، وبمعجمية لغوية وتشكلات أسلوبية ذكية وفاتنة في تقشير لب الدلالة المثيرة للحواس وللذائقة .
هكذا سنجد أن (اللذة ) النصية تحايثها (متعة) من الأفكار والمداولات الذهنية والجمالية التي اكتنزها (كافيار) النصوص ، ليثير شهية التلقي ورغائبه.
إن ما تردده النصوص هو جملة استعادات متوهجة لمباهج مجتباة . وهي ليست أضغاث أحلام بل أحلام صافية امتزجت بوقائع مستعادة ، لتعيش الذات ـ باكتنافها الروحي والجسدي ـ أقصى لذائذها التي عنّ لها أن تفرش مائدتها ، بمنأى مدرك ـ قدر استطاعتها ـ عن حرائق هذا الذي حولها وأرمدته .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* كافيار ، علي حسن الفواز ، دار ميزوبوتاميا ، بغداد 2015م .
























