بوارق من فكر إدريس طه حسن

بوارق من فكر إدريس طه حسن

كتاب وفاء إلى علامة عراقية فارقة

بغداد – الزمان

صدر في بغداد، حديثاً، كتاب جديد بعنوان (بوارق من فكر أدريس طه حسن) وهو جهد تأليفي مشترك لصالح السراي وكامل العتابي، وكلاهما طالبا المبحوث عنه في الكتاب. الذي يعد دالة على وفاء تلامذة الراحلين، لاسيما في وقت عز فيه الوفاء أو أصبح كالعنقاء والخل الوفي، عملة نادرة.

يقوم الكتاب الذي يقع في 344 صفحة من القطع الوسط، بجولة شاملة في فكر الاكاديمي والباحث الراحل ادريس طه حسن، ولاسيما في حقول التربية وتطوير الامكانات والوعي التعليمي والتربوي والانتاج والانتاجية والعلاقة والسيادة القانونية ودلالة وجود الافكار السياسية في تاريخ الامم والرفاهية والعصر ومأثور الاقوال في العولمة والذاكرة ومفاهيم التاريخ ورموزه الكبرى وحوادثه الراسخة في الذمة. وتتوزع هذه العناوين وسواها كثير، على ستة فصول وملحق، وهي جهد كبير وجدير بالتقدير والثناء قام به تلميذان من تلامذة الراحل جمعهما حبهما له وعرفانهما لدوره ومآثره وسيرته الحياتية والعلمية.

وتنطوي البوارق التي وردت في الفصول على أهمية معرفية وعلمية بارزة من حيث نمو وتطور المجتمعات وتقدم الشعوب والمعارف واستخلاص العبر والاعتبار من دورس التاريخ. وينطلق المؤلفان في جهودهما من واجب (حرف طوق حروفنا وعلمنا عشق الاستفهام فآثرنا الصمت البليغ. هذا له مرة أخرى علنا نوفي زمناً مضى). وكان الزمن المشار اليه حافلاً بالثقافة والرغبة في الاستزادة المعرفية والاطلاع الشامل ومفعماً بالوفاء والالتزام وحب الوطن، وهو الرمز الكامن في الاهداء الوارد في الكتاب الى الراحل الكريم. ولعل ابلغ ما وفق المؤلفان في تلخيصه بعدها قوله (العقل اللانقدي نفي للعقل)، ونفهم من ذلك ايضاً كثرة الاسئلة التي يطرحها درسه التعليمي أي جدليته في هذا الدرس وجهوده، ربما غير معلنة بسبب قيود الظروف السياسية للعراق ابان الحقب التي امتد فيها عمل الراحل في الجامعات العراقية، في زرع بذور التقصي والجدل التاريخي في نفوس وعقول طلبته. انه بذلك يكون عنواناً لتجربة لم تأخذ مداها من الرعاية كان قلة من الاساتذة يعتمدونها في درسهم بغية دفع الباحثين وطلبة الدراسات العليا الى التقصي العلمي المطلق وعدم الاذعان للمنطلقات الموروثة لكي تأخذ مساحتها في فتوحات الراهن العلمي ومستوياته الاخلاقية والتطبيقية الجديدة.

كفاح الراحل

وكانت فلسفة وجهود هذا المفكر العراقي الكبير قد وجدت بعض بوارقها في هذا الكتاب فان مزيداً من الضوء يجب ان يلقى أمام القراء عامة والباحثين الشباب خاصة، على سيرة كفاح ادريس طه حسن.. العالم والمفكر والتدريسي والانسان والباحث عن الخلاص في بلدان المهجر، وهو عملياً ما قام به المؤلفان بكل امانة. فمن هو هذا العنوان الكبير؟

ولد ادريس طه حسن في قضاء سنجار في محافظة نينوى عام 1940، من ابويين كرديين ومن عائلة متميزة بالاهتمامات الثقافية والادبية والسياسية. ووالده واحد من ابرز رجال الدين في سنجار، الملا حاج طه حسن. اكمل دراسته الابتدائية في سنجار والاعدادية في قضاء تلعفر، في بداية الستينات حصل على دبلوم اللغة الانكليزية من معهد اللغات في جامعة بغداد، والبكالوريوس من الجامعة المستنصرية. يجيد اللغة العربية باعتبارها لغته الاولى، وكذلك يتحدث الانكليزية والفرنسية والكردية، وفي سنجار افتتح اول مكتبة صغيرة لبيع المجلات والصحف والكتب هادفاً تنوير الناس. في العشرين من عمره عمل في الصحافة وقام بنشر ملخصات مكثفة لافكاره وتأملاته لكنه ترك هذه الكتابات خشية من بطش الانظمة الدكتاتورية المتعاقبة على العراق لديه بحوث في القران والسيرة النبوية والتصوف الاسلامي. درس الكتاب المقدس في كنيسة سنجار، وتعلم اصول الديانة الايزيدية وروحانيتها حيث كان يذهب الى قراهم ويزور معابدهم في سنجار. في منتصف الستينات سافر الى فرنسا من اجل دراسة اللغة الفرنسية والاطلاع على المؤلفات الثقافية هناك. عمل في السليمانية وبغداد مدرساً للغة الانكليزية. احب بغداد طلباً في المعارف وكان من رواد مكتباتها الجامعية والمركز الثقافي البريطاني والفرنسي ومكتب اليونسكو كما عمل في التسعينات من القرن الماضي في اليمن وليبيا وكانت فترة ثرية في حياته لانها اثرت مشاهداته.

مجتمع جديد

ثراؤه الفكري دفعه الى ابداع وابتكار مفاهيم خاصة به حالماً خلق مجتمع جديد على ضوء المراجعة النقدية الجذرية للتخلف والتقدم كظاهرتين تم تفكيكهما وابدالهما بنظريته التي سماها بايوس تفرد في الكتابة في هذا الموضوع باكاديمية وموضوعية بحتة الا ان الملفت في شخصه هو الجرأة الفكرية والصراحة في النقد والنقد الذاتي لم يرتهن للايديولوجية اليسارية او الاسلامية فحافظ على دوره كمفكر وباحث ذي رؤية خاصة.

لقد رحل هذا المفكر في اليوم الخامس من شهر تشرين الثاني عام 2007 خاتماً بذلك مسيرة طويلة من التحولات والانتقالات المعرفية بوفاته فقد العراق رجلاً مثالياً في الفكر والسلوك كرس عمره للجهاد الثقافي السري  والعلني مدافعاً عن حقوق الانسان ومؤسساً لفكرة بناء مجتمع مدني ذات بين ذوات سعيد بين سعداء وهذا الكتاب ثمرة من جهود طلابه للتعريف به واثراء المكتبة العربية.

يبقى القول ان طلبة العلم يجب الا تكتمل رحلتهم او يشعرون بسعادة اتمام فصول الجهد المعرفي لديهم الا بالتمكن من التقاط ابرز ما تجود به قرائح اساتذتهم فيعمدون الى صيغة من صبغ الوفاء لهم عبر تدوين الملاحظات الواردة في دروسهم وتسجيل ابرز الاراء التي ترد فيها والنحوت التي ينحتها اساتذتهم ازاء المفاهيم والمحصطلحات فقد تكون في يوم من الايام ابتكاراً يشجل او انجازاً يعتمد ويكلل هام الوطني بالفخر والخلق والانجاز.