بـؤس طـفـل

بـؤس طـفـل
دوى صوت الرعد بقوة .. فجفل طاهر الذي كان في السادسة من عمره .. وإرتجف رعباً .. وإلتصق الى جدار أحد الأسيجة في شارع المدينة ..
ثم سعل سعالاً كاد أن يخرج أحشائه من فمه الصغير ..
كانت السماء تمطر بغزارة .. والجو بارد مثلج .. والرياح عاتية كأنها ضربات القدر القاسية ..
نظر طاهر الى السماء بعينيه المتوسلتين وهو يقول :
الهي إني جائع جداً .. ماذا أفعل ؟؟
ثم إستدار يميناً ويساراً .. فرأى كومة من الأزبال في جانب الطريق .. ذهب إليها مسرعاً سائراً تحت سياط البرد وقطرات المطر المنهمر .. التي كانت تلطمه بفعل الرياح القوية .. كأنها ترْجمه أو تصُبّ عليه لعناتها ..
وقف عند كومة من الأزبال وراح يفتش فيها عن قطعة خبز أو أي شيء يمكن أن يأكله .. مزّق بعض أكياس النايلون وإستمر يحفر بيديه .. يغرس أنامله المتألمة بين هذه الأوساخ .. لعله يجد ما يسد رمقه .. ويشبع جوعه .. لأنه لم يأكل منذ الصباح وقد حل المساء ..
طاهر : آه .. ما أصعب أن يكون المرء يتيماً .. فكيف الحال إن كان مثلي يتيماً ومشرداً ؟؟
تنهد وصدره يملؤه الأسى .. وإستمر في سعال طويل ثم تمتم : لا يوجد طعام في هذه المزبلة .. آه الجوع يقتلني .. ماذا افعل ؟
ثم نظر الى باب أحد المنازل الفخمة .. قرر سريعاً وإندفع إليه بحزم .. طرق الباب بهدوء وأدب بعد قليل .. فتحت الباب سيدة في مقتبل العمر ..
نظرت إليه وهو يقف في ظلام الليل تحت المطر مبللاً .. متسخاً ..
قال لها ” عفواً سيدتي .. إني جائع .. هل ممكن أن تعطيني القليل من الطعام ؟؟ “
قالت بحدة : لا .. ولا تطرق الباب في أوقات غير مناسبة وتطلب من الناس مرة ثانية .. فهذا عيب .. اذهب ولا تفعل هذا مرة اخرى .. وأوصدت الباب في وجهه بقوة وهي تقول :
أبناء المجرمين .. المشردين .. أولاد الشوارع ..
اطرق طاهر برأسه الى الأرض حزيناً وحائراً ..
طاهر : ماذا بها هذه المرأة ؟؟ لو كنت من أبناء المجرمين لكنت الآن أسكن القصور ؟؟
استدار ومشى في الطريق الرئيس الطويل .. وبعد فترة أبصر كومة أخرى من الأزبال في مكان منعزل .. فأسرع إليها وبحث فيها .. فوجد بقايا من الأطعمة .. هنا وهناك .. أكلها بنهم من شدة الجوع .. وهو يقول : إن رائحتها كريهة جداً وطعمها سيء .. لكن ليس لدي خيار آخر ..
ثم فتح احد أكياس النايلون الكبيرة .. مزّقه من إحدى الزوايا .. ووضعه فوق رأسه ليحتمي به .. وغطى به جسمه المرتجف من البرد .. كي لا يصيبه المطر ثانية ! ؟
نظر هنا وهناك .. فوجد له مكاناً وسط الأزبال يعتليه سقف .. ذهب واستلقى على الأزبال ورمى أكوام الأوساخ فوقه .. ليستدفأ بها قليلاً .. وليحتمي بها فلا يراه احد .. لأنه يخاف السكارى والمجرمين والشرطة والكلاب ..
ازداد الرعد دوياً .. واشتد المطر كثيراً .. وبعد قليل .. أحس طاهر بألم شديد في معدته .. لكأن أمعائه تتقطع .. وضع يديه على بطنه وأخذ يصرخ من شدة الألم .. الرعد يدوي وطاهر يصرخ .. الرعد يدوي .. وطاهريبكي .. ويتلوى .. الرعد يدوي .. وطاهر لا أحد يسمعه .. ولا أحد يحس به .. الرعد يدوي .. وطاهر …. مات .
صفاء سعدي مزهر المعموري – بغداد
/8/2012 Issue 4271 – Date 7 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4271 التاريخ 7»8»2012
AZPPPL