
بغداد بحاجة إلى تضميد جراح وترميم خراب – شاكر كريم عبد
لم تعد الابتسامة على وجوه الناس، في جميع المدن العراقية ،منذ الاحتلال وحتى اليوم ،نتيجة ما لحق بهم والبلد من تدمير وقتل وتهجير وبؤس وشقاء. وجوه الناس المزخرفة بالحزن والمثقلة بالهموم تحكي لك ما جرى ، شوارع مظلمة يسكنها الموت، واكوام من القمامة تملأ المدن والطرقات،.وشعارات الاحزاب التي تغطي الجدران تدعو للديمقراطية والاصلاح والبناء والقضاء على الفساد والمفسدين.!! العراق بلد الحضارة والثقافة والتاريخ والقيم ،لم تعد البهجة والضحكة على وجوه ابنائه، الذين تعايشوا بعضهم مع البعض الاخر، بحب وسلام ووئام، وكرم وتسامح، وصدق وطيبة منذ مئات السنين ، دون النظر لأعدادهم ومعتقدهم واشكالهم. بغداد مدينة السلم و ملتقى الحضارات التي كانت صورة راقية تعبر عن تجليات سكانها، بيك ، افندي، باشا، والقاب اهلها الصفار والنجار والحداد والصائغ والباججي، ولباسهم الطربوش، شماغ كوفي ،عقال مبروم ،ومقصب وابو الشعرورة، عمامة سوداء وبيضاء، جراوية ، سدارة، بشت اسود وابيض والوان اخرى، عباءة سوداء، نقاب، حجاب، سافرة، اعراق واديان وقوميات ومذاهب وتنوع ثقافي. حياتهم سعيدة وهانئة رغم الظروف المعيشية المتواضعة. فبغداد التي كانت احسن المدن فصارت أسوأها . بغداد مدينة السلام العريقة، التي تزخر بموروث حضاري وتاريخي قديم ، متمسكة بعراقة الماضي وانسانيته، كانت بحاراتها وازقتها واحيائها متداخلة.
احياء مقطعة
تدل على العيش المشترك والتصاهر، كما ان المنازل كانت متداخلة على اختلاف طوائف اهلها، ولم تشكل احياء مقطعة ومسورة بصبات كونكريتية، الا حين غزاها رعاة البقر، وخلقوا اصطفافات دينية وقومية واثنية متناحرة. بعد ان كانت نسيجا بغداديا أصيلا عريقا من العرب والأكراد وباقي القوميات من المسلمين واليهود والنصارى والصابئة وباقي الأديان. وحولوها إلى هيكل منخور، وخرائب تذكرنا بماضي العصور! وبغداد التي زارها كثير من السياح الاجانب، بدافع من الشغف لمشاهدة معالمها التاريخية، وحضاراتها العريقة ومتاحفها واثارها، لم تشف بعد من جراحها النازف، الذي اصيبت به نتيجة الاحتلال الغاشم ومخلفاته، ولن يشفى هذا الجراح بعد، ولم تبتسم المدينة وتستعد مكانتها الحقيقية بعد ان تحولت إلى ليل سرمدي يبعث على الرهبة والخوف والحزن والبكاء بلا انقطاع.
خاصة في اوقات المساء وكأنك تسير وسط مقبرة وتحاكي الاموات لان ألأيادي الآثمة، نزعت عنها ثيابها الجميلة الزاهية، وعرضتها للبيع في سوق النخاسة. الجانب الامني ليس على مايرام، ولم يستتب الامن في المدينة بعد، بسبب ظاهرة حمل السلاح وأسواق بيعه، وتجول المسلحين في شوارع وإحياء بغداد وباقي المدن، بأسلحتهم وانتحالهم صفات امنية. وعودة ظاهرة اغتيال الاطباء والضباط والشباب والاطفال والسطو المسلح والاختطاف والنزاعات العشائرية والانتحار. فالشتاء يأخذ من اهلها ما يريد.فطفح المجاري الذي تشهده اغلب احياء وشوارع المدينة، في اقل زخات مطر، والذي يساهم في انتشار الاوبئة من بينها وباء الكوليرا والجرب، وأعاقة حركة سير المواطنين الذين يسيرون على الاقدام، وحركة سير السيارات، أضافة الى الاضرار التي لحقت بأرصفة الشوارع بسبب الملوحة وانعدام الصيانة ، وامام الة العجز التي عليها دوائر الخدمات الفاسدة والمترهلة والفاقدة للمسؤولية الاخلاقية والمهنية. وفي الصيف الذي زادت درجة الحرارة على 50 درجة مئوية،تسلب راحت الناس وتثير اعصابهم ولاتسكن اوجاعهم وامراضهم ، رغم وعود المسؤولين بتحسن الطاقة الكهرباية ،والتي اصبحت وعود عرقوبية رغم صرف المليارات. تكدس القمامة في الاحياء السكنية في المدينة، ذلك التكدس الذي رائحته تضايق المارين بجانب براميل المخلفات، التي عادة ما تكون مواقعها بالشوارع الرئيسية، وتعكس صورة سلبية لواقع المدينة التي يمر عليها المسؤولين بسيارتهم المضللة ونظاراتهم السوداء العريضة التي تغطي وجوههم الكالحة. وهذا ما يستدعي الى تحفيز موظفي الصرف الصحي، وعمال النظافة. ودوائر الكهرباء وتحسين الواقع الخدمي في المدينة، ومنحهم مبالغ مالية اضافية اي زيادة اجورهم الشهرية ، وتبيث العاملين بعقود على الملاك الدائم ليقوموا بواجباتهم على اكمل وجه ، لأننا بحاجة الى شوارع زاهية نظيفة مضيئة سعيدة ،لا الى مدينة عبارة عن خربة قد جردت من ألوانها، واغتصبها الغرباء والأغبياء والدخلاء. متى نتمكن من تحقيق ما نطمح اليه في اعادة الابتسامة لبغداد الحبية مدينة السحر والجمال ،مدينة السلم والسلام والوئام، التي تنتظر منا تضميد جراحها اليوم وليس غدا، ولا احد يضمد هذا الجراح غير ابنائها البررة الاصلاء لا غيرهم ، وان يعيدوا لها نهاراتها المتألقة ولياليها المضيئة بالأمل والمشاعر، لان الضمانة الاكيدة لحقوق اهلها وكافة العراقيين هو بالاصطفاف مع الوطن ،والابتعاد عن الاصطفافات الدموية والارهابية والتخندقات الضيقة ، التي لا تخدم بلدنا الجريح وكل تبرير يخالف ذلك يساعد على استمرار الجراح والخراب ويسبب ببقاء الاهمال والتباعد، ولايعيد لها وجهها المشرق.. أين العقلاء المخلصون للعراق، أين الذين يحنقون على هذا الوطن ويبكون على الدرة الجميلة، التي حباها الله بمعزة في نفوسنا. سنظل أوفياء لها ما عشنا و أصبحنا جميعاً بغداديين،أتستحق بغداد كل هذا العبث والفساد القاتل ، حرام يا هؤلاء أذكروا نعمة من نعم بغداد الخير بغداد الوفاء ، بغداد المتسعة التي تتسع لنا كل يوم وتكبر بنا ، أما من جزاء لهذا الجزء من الوطن، إلا العبث والفساد والسمعة السيئة . أتقوا الله في أنفسكم، ولا تبنى الأوطان ،وتتحرر بالفساد والمفسدين , وبالشعارات البراقة الكاذبة، أنقذوا بغداد وباقي المدن وعيدوا لها بسمتها، فهي لا تستحق الا الخير والتضحية و الإخلاص أمام الله تعالى، من ابنائها البررة المخلصين الذين تعقد امالها عليهم، ولم تفقد الامل فيهم رغم طول الانتظار..


















