باقر السماوي في تراتيل خلف الشمس
شاعر يعزّز موقعه بقصائد جديدة
وقراءة.
نجم الجابري
عن دار أديان لخدمات التصميم والطباعة صدرت للشاعر الدكتور باقر السماوي مجموعته الشعرية السابعة ( تراتيل خلف الشمس ) تضمنت اثنين وخمسين نصا ً بتصميم ملفت طغت القصائد العمودية على معظم قصائد الديوان تعرض الشاعر فيها لأغراض مختلفة منها الوطن والارهاب والرموز الروحية , ويعد الشاعر من الشعراء المتميزين بالانتاج الغزير رغم ان اختصاصه الاكاديمي علميا ً إلا إن موهبته طغت على الاهتمامات الاخرى . وقد عرف المتلقي السماوي الشاعر بعد سنة 2003 بشكل متميز سيما وإن السماوة خصوصا ً والعراق عموما ً شهد بعد سقوط النظام السابق طفرة ثقافية تميزت بتوفر وسائل النشر وعدم وجود رقيب للنتاج الأدبي وعلى كل حال فالسماوي وحده منصة شعرية ومن يقرأ شعر السماوي يجده رشيقا ً مسبوكا ً باسلوب جميل كما لا أنسى إن الشاعر يترجم لوعة شاعر الجنوب وعواطفه الجياشه واحساسه بالحرمان فلطالما أتت قصائد العتاب في مجموعاته السابعة مرة للحبيبة وأخرى للوطن فعندما يكون الشاعر هامسا ً في تعامله مع الغرض يجعل قبول المتلقي المؤكد وسيلة لأعجابه .
عندما نتعرض لتجربته الشعرية الطويلة مع ان قصائد كل دواوينه عالجت قيم عديدة إلا إن الوطن , المرأة , الوفاء أهم محاور اشتغالاته كتب قصائده كشاهد على عصره ووثق نزف قلبه ويعد شعره أحيانا ً بكائيات وتجليات على ضفاف الوجع وفي حب الوطن .
مقتطفات من أزاهر شتى في مقدمة الديوان السابع , تجليات صوفية عذراء حملتها ساعات الفجر الاولى طغت على ليل الامنيات الذي استقر في عنقود آخر , امرأة تكذب ليس كما تدون أكاذيب امرأة فكك أخوة علي , اللغز بألم عراقي وجيه وهناك امرأة اخرى جاءت خلف تراتيل الشمس ثم غدت تبحث في اوراق خيانتها عن كلمة عزاء أو كلمة عشق لحب ميت .
في كل زمان الحسين هنا لأنه الحياة بل لأنه الوجود في مهرجان الشهادة واحتشاء الولاء تتجلى كل توهجات الزائرين له في مقامه المحمود عندما تكون القصيدة جرحاً تتوضأ بها الألسن والأفواه وترتد بل ينثال عبيرها جراح قصيدة .
بين حفرة الطاغية وسلطة الحوار تبعث اسئلة لتحتمل كل متسع غير ان اوراق عشق انثوي تبيض عين عشيقها وجعا ً عليها تجعل الحب ّ ذكرى وقد يكذب الرجال وحينما يكذب الرجل تعزف القنابل لأول مرة صدى الانفجار وهي تنتظر عزف آخر يد مرتعشة توهمت العروض من عزف آخر كانت أشلاء تتراقص مكوية وفي الحرية نحتاج الى دم دائم كما نحتاج الى عشق دائم في دماء على طريق الحرية رباعيات مزدحمة بمواجع العراق ليس آخرها مذبحة سبايكر التي اقترفتها النفوس الظالمة والأيادي الآثمة .
يمتد خلال الوطن وتشرق شمسه لآفاق أخرى مفارقة مبكية أن تجد في بيتك لصا ً عند غروب الوطن . الوطن ينتفض تدق أجراس الحزن إيذانا ً بغد ٍ مشاكس يطحن كل الحزن الدامي والحزن في وطني أجراس وبيارق مطر أحمر . المفارقة في اعدام الشعر على منصة الحرية في مقابلة تتوقف الأخطاء العابرة ويمتد التيه حتى ينتحل أو يتقمص أن تتخيل ان الجرذان تمسك !!
. عيد زينب خريف هجرة أم ربيع موعود لعله اشتياق مشروع وفي العودة الى الذات فخريف الهجرة ليس فسادا ً بل اشتياق لربيع لن يأتي في مكرمة عبير وسلم الرواتب صور من بلادي وهي في عنفوان كاذب ما زال الشك طعنة عابرة أو طعنة غادرة لكن السيف يبقى سيفا ً مهما يكن حامله . المتلونون لا يلعقون حذاء السندريللا وحسب بل يعدلهم موقف آخر أكثر شؤما ً في رسالة الى مقــــاتل تبدأ في الوطن وتختتم فيه هكذا ترنو الاشياء الرائعة بدون هــــوية لوطن له ابعاد وبوصلة على جغرافيا الوقت .
تبقى الطامة الكبرى ان لا تكون للوطن هوية ويغتال القمر على مرأى من جحافل الظلام .
أربعة وخمسون أيقونة تتزاحم لقلب المتلقي لتتفحص ذائقته جاءت بها مجموعة باقر السماوي , تراتيل خلف الشمس ظل يقيني ثابتا ً إن تلك التراتيل استقرت مع خيوط الشمس الذهبية وعادت بنورها لبؤر الظلام .
باقر السماوي بديوانه السابع لم يعد شاعرا ً مغمورا ً حسب التوصيفات المتبعة وشعر السماوي يصيب المتلقي بالدهشة فتراكيبه الشعرية هامسة كما يقول أ . د . وليد شاكر النعاس وتلامس الحواس بقوة مفرطة وبناء ً على هذا التأثير يمكننا أن نميز صدق لوعة الشاعر وعواطفه الجياشة في كل دواوينه السبعة عدا إن القصائد تمتاز بالرشاقة والجزالة والسبك أيضا إذا ما أنصفنا الرجل فإن الصورة ظلّت عند السماوي بهية مهما أراد أن يقتحمها أولا ً بجعلها واضحة المهم إن الشاعر لم يغادر المألوف الشعري وهذا يجعله أمام اختبارات جديدة فكتابته للقصيدة العمودية والتفعيلة لا تعفوه من الكتابة بحداثة فقصيدة النثر أكثر اتساعا ً للخيال وفرصة للتعبير عن الرأي بصورة أخرى في تماهيات عديدة .
لقد وثق السماوي قضايا الامة في فلسطين – العراق – الارهاب – القتل – الدين وأعطى رؤيته لثيمات عديدة بشفافية عالية ومارس نوعا من الانضباط المقدس مع القضايا ذات الاهتمام العقائدي ويعد بهذا شاهدا ً على عصره .
لا أدري إن قلت ان قصائد السماوي في كل دواوينه متشابهة لأن المأساة واحدة والمعالجات عديدة إذا افترضنا إن وظيفة القصيدة معالجة أوجاع الانسان بروحه وهي أي ( القصيدة ) خلاص ليس نهائيا ً بل إجابة لإستمالات عديدة لأن الشاعر الأكثر أو الأقرب في هذا العالم لتحسس مواطن الوجع ويذوب فيها ويظل اشتغــــــــــــاله عرضة للتجربة وكيفية معايشــــته للجملة الشعرية .
لا أنكر إن قصائد السماوي كلها ألم هذا يعني ان اشتغالاته كلها في بيئة واحدة وإن المكان له دور واضح في رسم صورة متينة . أتساءل بدوري هل يمكن أن نعد باقر السماوي شاعرا ً مرحليا ً ؟ وأجيب بنفسي إن طريقة السماوي النصية تعبر عن كل الجماهير مهما اختلفت رؤية المتلقي وثقافته .
في قصيدة كاظم الغيظ ص 19 تجليات صوفية عذراء يقول
يا كاظم الغيظ .. يا بابا ً يفيض سنا
يا سيدا ً زاحم الافلاك في زحل
إني أتيتك يا مولاي معتذرا ً
حتى وقفت وفاض الدمع من مقلي
في بوح ليل وأمنيات جاء النص ليعالج واقعة هروب العرب الى الغرب وهجرة آلاف العراقيين وهروبهم بقوارب الموت الى اوروبا بحثا ً عن الامان فيقول
وعلى ضفاف الصبر أشرعة
بيضاء ينهش لحمها المد ّ ُ
والريح تعصف ُ بي بلا سبب ٍ
وعلى سواحل غربتي أشدو
والعتمة الخرساء تجلدني
والنجم غاب هنا فما يبدو
في قصيدة آخر العنقود ص 23
يا أيها المفترس الاضلاع في حشاشتي
وباقة الورود
والمستفز غابة المشاعر
لا زلت ملء حيرتي … انتظر اليوم الذي
تبتسم ُ الوعود
مناغاة لآخر العنقود مشاعر في غربة او غربة في وطن ..
ص 24 أكاذيب امرأة … ملحمة شعرية كبرى
حزنت عصافير المروج لأدمعي
وبكت بلابله على أعتابي
والياسمينة أغلقت أزهارها
حزنا ً … وعلّقت الربيع ببابي
نص بشفافية يلامس كذب المرأة الحبيبة الوهم المرأة عندما لا تكون بقدر الحلم ..
في قصيدة أخي علي مرثية لزميله الدكتور علي عبد الحسين ..
عواطف ومواقف ووفاء ..
في اللغز ص 30 .. يذهب الشاعر بعيدا ً ويتكلم عن لغز وفي الحقيقة كما يظهرها النص هو يتحدث عن انسانة عزيزة عليه قد تكون ابنته .. النص رائع وموسيقي ويصلح أن تكون ترنيمة خبريني … كيف حال الغالية ..
وهل اللؤلؤ في عينيك ما زال كملح البادية ..
وحقول الورد ما زالت على وجنتك مستلقية
استفهامات ..واجابات لأسئلة متوفرة
في نص ألم عراقي لا يحتاج النص الى توضيح بعد الى مطالعة ص 32 ..
ص33 أوراق لأمرأة خائنة كذا الحال أن يوثق المشاعر خيانة حبيبته يقول
إنني أستغرب الانثى التي تطعن ظهري ..
ثم يطويها البكاء
تشتهي جرحي وآلامي … وشلال الدماء
تراتيل خلف الشمس .. وهي عنوان المجموعة ص 36 ثيمة القصيدة
قل لي …
يا فردوس احلامي و يا هذا العراق
فلماذا أنت للحزن وطن
في تجليات من زيارة الاربعين ص 33 يتحدث عن زوار الاربعينية للإمام الحسين ( ع )
ص38 جراح قصيدة ..
تداعيات وانزياحات مارسها الشاعر في طقس الحب والوطن والامل والرجاء في نص حفرة الرئاسة .. يلامس حقبة الحكم الديكتاتوري والنهاية المتداولة
في حوار سلطوي
قالوا لنا …
لا تقرؤوا البسملة
وامشوا بدرب الله كالسابلة
أوراق عشق لأنثى ..
رغم تحفظي على عنوان القصيدة الا ان النص يداعب مشاعر المتلقي وينقله لأجواء طالما تمنى أن يعيشها
في ذكرى .. حينما يكذب الرجال .. عزف على صوت قنبلة .. دماء على طريق الحرية .. هنا نجد وجدانيات واقعية وانشداد يمكن ان نعد القصائد استيعاب او توثيق اللحظات الحرجة
في رباعيات .. أجد السياب حاضرا ً والشاعر متأثرا ً ..
إنها ملحمة للحزن والعتاب والحب للوطن والمحبوب ..
أما سبايكر .. ص 63 فتتحدث عن الواقعة بكل تفاصيلها فيها من العتب الكثير والاستغراب حد الدهشة والافراط في سفك الدم غير المبرر ..
الى جندي عراقي فحوى نص عراقي تغنى بمجد الجندية والعراقي .. وجاء بتوصيفات ترقى لمستوى لافتات ..
أما نص غروب على شواطئ الوطن
سكرى الدموع وفي الضلوع نحيب ُ وعلى السواحل غائب ٌ وغريب ُ
والشمس ترسل آخر الخيط الذي
ينوي الرحيل … ويسـتفيق ُ غروب ُ تتحدث عن الرحيل الدائم في محطات الغربة والاغتراب القصيدة من خزينة ذاكرته كتبت في السماوة مسقط رأسه في 2016
في بيتنا لص .. يتعرض الشاعر فيها لتنظيم داعش الارهابي
وفي أجراس في وطن الحزن .. نفس الغرض ولكن خص ّ فيه تهجير المسيحيين من أهالي الموصل في 26 تموز 2014
جنائن معلقة , مطر , مفارقة ..
محطات وثقها الشاعر بذكاء
في مقابلة محاكاة لواقع مؤلم
في قصيدة اعدام شاعر تتحدث عن اعدام القضية وهي مستلهمة من التراث الافغاني
اخطاء عابرة .. مشاعر ناجزة ويقين وسياسة
في حينما تمسك الجرذان .. يتحدث عن الدواعش ومنطق التكفير
يا أيها الهارب من عدالة القضاء
وأيها السارق لحم أخوتي وشارب الدماء
لم ترجع العقارب التي ذكرتها يوما ً الى الوراء ..
في نص زينب .. عيد .. ومواقيت ووجدان
أما خريف الهجرة فقصيدة كبيرة .. يقول في نهايتها
فكل حرف ٍ نما من جرح ِ فاجعة ٍ
وكل ّ قافية ٍ ألبستها غضبا
في قصيدة اشتياق ص 89 يقول
كيف ألقاك وأين الموعد التالي .. وفي أي زمان
برعمت في راحة الكف للقياك زهور الاقحوان
فأنا بعدك يا محبوبتي الكبرى …
بلا أي مكان
صور من بلادي عبارة عن لافتات مؤدلجة
في طعنات غادرة ص 99 مرثية لشهداء التفجير الدامي في السماوة في الاول من ايار 2016
في رسالة الى مقاتل ص 110 يقول
أيها الواهب وجه القمر الأبيض في كل مكان
أيها الثائر باسم الله والفجر أمان
سقطت أقنعة الشر جميعا ً
وتهاوى تحت نعليك فتاوى الاحتقان
واطلت في الميادين زهور الاقحوان
ص 112 حينما تغرق الامنيات توصيف رائع عندما تذهب امنيات الشاعر سدى ويظل يقول ..
الليل حل ّ وتمتم البعد ُ
ويكاد يحرق خافقي الوجد ُ
في نص وطن وهوية ص 115 يقول
ما بين امتعتي … أخفيت ُ خارطتي
والضاد من لغتي … والنخل والرطبا
أرى أن هذه القصيدة ثيمة الديوان ..
الخاتمة ..
بهذه المجموعة الشعرية تمكن باقر السماوي من تثبيت موقعه في مقدمة شعراء المحافظة وبهذا الديوان السابع صار من اللازم ان يرى النقاد في تجربة السماوي فرصة للدراسة والبحث ولا سيما ان المجموعة متكاملة وعالجت اغراضا شتى وواكبت مرحلة هي من اخطر مراحل تاريخ العراق اما المالوف الشعري فقد اكتسب الشاعر بتجربته الغنية في هذا المجال وقدم صورة مشرقة للشعر وأقنع المتلقي بتجربته وبالفعل كما وصفه الشاعر ( الشعر محراب صاخب ).
وكان السماوي فارسا ً للكلمة المقاتلة والعذبة .
























