الوطن العربي والثورة المدنيّة – مقالات – معتصم السنوي
جوهر التحول السياسي قائم اليوم في إعادة النظر في طبيعة السلطة وتوزيعها وممارستها، بين الدولة والمجتمع، وبين أطراف المجتمع فيما بينها، وبين المجتمعات المحلية وبين أطراف السلطة ذاتها داخل الدولة، والمعارضون السياسيون (إسلاميون وعلمانيون)، يخطئون عندما يعتقدون أن بإمكانهم فعل أي شيء دون (تغيير) النظر إلى السلطة والدولة، إن الدولة كما هي قائمة اليوم، أي السلطة المنفصلة حتماً عن الشعب، رغم الانتخابات، ورغم المؤسسات، ورغم العقائديات، سوف تخلق باستمرار المظاهر نفسها وتعطي النتائج ذاتها، أي أغتراب النخبة، والسرقة والنهب، والفساد، وليس السبب هو الناس أنفسهم ولكن المكانة التي تحتلها الدولة – اللاوطنية- اليوم في النظام الاقتصادي والسياسي، فالدولة الراهنة لم تعد قادرة على أن تكون (الحاضنة) الطبيعية لنمو الإرادة القومية السيدة، أو الحس المدني الأخلاقي أو القومي، أو أي روح تضامنية عميقة، فهي (مزروعة) في تربة النظام الدولي، ودورها الرئيسي هو (غرز) المجتمعات في هذا النظام، وهذا الغرز يتم (بانتقاء النخب)، ورمي (الباقي)، هذا هو قانون النظام الراهن في معظم الأنظمة العربية، فالدولة تجنح اليوم، مهما كانت طبيعتها ووزنها، إلى أن تتحول إلى أداة دولية، وجزء من استراتيحية عالمية “أكثر مما تميل إلى أن تكون أنعكاساً لإرادة عامة وطنية! وكما أنه لا يمكن السيطرة على السلطة والسياسة من دون توزيع السلطة توزيعاً جديداً، أي تقسيمها ودمجها أكثر ما يمكن بالمجتمع، وجعلها أكثر مباشرة – وهو مصدر الحديث عن إحياء المجتمعات المحلية والسلطات المدنية- فمن غير الممكن تأسس سياسة ناجعة وفاعلة لاستيعاب الحضارة من دون خلق دولة جامعة، أي كبيرة بما فيه الكفاية حتى تستطيع أن تبلور وتتبع وتطبق استراتيجية من مستوى متطلبات (التنمية) على صعيد العالم ومواجهة صراعاته الشمولية، وقد فتح أنهيار الدولة الوطنية أو انحطاطها هو نفسه الباب أمام ولادة الاتحادات الجامعة، لكن المجتمع السياسي قد احتفظ من هذه الدولة بأعظم إبداعها على الإطلاق، أعني نظام الديمقراطية، كمفتاح للدمج بين المجتمعات والأمم والشعوب المختلفة، وليس من المبالغة القول إن استيعاب هذا النظام واستبطان قيمه قد أصبح هو أيضاً شرط الانتقال والنجاح في الانتقال من الدولة الوطنية نحو الدولة الاتحادية. إن جوهر هذه (الثورة المدنية) هو توسيع مبادرة الفرد مقابل الجماعة، وتعميق مكانة الجماعة اتجاه الدولة، وبقدر ما يعني ذلك زيادة التوظيف في الثقافة والتربية الإنسانية، يفترض أيضاً توسيع دائرة نفوذ الجماعات المحلية وتجاوز حدود الدولة، فإذا كانت هذه المجتمعات المحلية، نظراً بطبيعة السلطة المباشرة التي يمكن أن تقوم فيها، قادرة على حل مشكلة القطيعة بين الدولة والمجتمع المدني، وبالتالي على معالجة أزمة إلغاء السياسة والقضاء عليها، فإنها لا تستطيع أن تحل مشاكل الاقتصادية والتنمية الحضارية، ومن هنا فإن كل حركة في اتجاه تطوير السياسية المحلية والصغرى تستدعي، كتعويض عنها وشرط لترسيخها، وضمان استمرارها، حركة مماثلة في اتجاه بناء إطار الوحدة أو اتحاد الدول كملتقى ودائرة للتداول الأعم والأشمل بين المجتمعات المحلية والأفراد، وبقدر ما ينزع المجتمع إلى تحمل مسؤولياته السياسية المباشرة، ويندمج في السياسة وتتكون بالفعل السلطات المحلية الفاعلية، فإنه سوف يشعر بشكل أقوى بضرورة الاتحاد.! إن الاتحادات السياسية أو المتحدات هي المستقبل في كل مكان، لكن نجاحها وزيادة نجاعة الجهود الرامية إلى إقامتها مرتبطان بالنجاح المسبق في توليد نموذج (السلطة المدنيّة التضامنية الحية) التي يمكن تعميمها وتوسيع دائرتها كقاعدة للدولة الاتحادية ذاتها وخليتها الأساسية، بل إن هذا النجاح هو وحده الذي يكفل خلق إمكانيات لا حدود لها لتوسيع دائرة التداول الحضاري وبالتالي زيادة فرص الأزدهار، بقدر ما يخلق إمكانية التفاهم والتعايش والتفاعل العقلاني بين مجتمعات متميزة ومختلفة، وهو ما يستدعيه نمط التطور الحضاري القادم..! باختصار إن تحقيق أهداف الثورة السياسية التي أجهضت في الوطن العربي يحتاج اليوم إلى تجاوز مفهومها ذاته والانخراط فيما ينبغي أن نطلق عليه منذ الآن أسم الثورة المدنيّة..!

















