الوحدة الدلالية في رواية قياموت .. اللغة الأدبية والقبح الجمالي

الوحدة الدلالية في رواية قياموت ..  اللغة الأدبية و القبح الجمالي

محمد يونس

تصنيف العنونة نصيا – عنونة رواية قياموت الصادرة عن دار سطور، قد وضعتنا امام تفسير جانبي وغير مباشر، فهي ليست دارجة في الشكل الاجتماعي للغة، ولا هي كصياغة ادبية  لمعنى مفترض، لا تتجاوز دلالته حدود البال، فكانت امثولة ذاتية لحس مركب اجتماعيا وادبيا، قد افترضه لنا المؤلف لنا، ولايضع بحسبانه القارىء العام او الخاص، قهو يرى أن امثلوته مثيرة للجدل من جهة، وتحي معاني قد خمدت دلالاتها من جهة اخرى، فالتعبير مثير بتندره وسخريته، وطبيعي ليس فقط القارئ الخاص سيؤله، بل نجد القارى العام سيمر بذات التوصيف، وطبعا سيتسع افق العنونة الى حد يستوعب ذلك النص المثير للجدل والواسع والعميق البنية، حتى حد بلوغه البنية المعمقة، وذلك الوسع في الافق ليس احاليا فقط بل يبلغ التقابل المضموني ايضا .

أن عنونة كما عنونة رواية (قياموت) تحال دلاليا الى الدلالة الالتزامية، هي لاتعبر عن نفسها دلاليا فقط، بل هي تشير الى معان اخرى، تلتزمها لتميزها في الاستدلال، وهي تعبر عن موضوعة تحتاج التزام دلالي، وكما أن المضمون الذي تقوم عليه، هو بذاته من نمط لسانيا غير متداول، وهذا ما يجعله يستمد الالتزام الدلالي ويعتمده في بعد الاستدلال غير المباشر، وهنا طبعا الفعل الاساس للصياغة التي رسمها لنا الروائي نصيف فلك، فما كانت العنونة عتبة في حدود توظيفها، بل كانت في مستويلات عدة من الاحالة، فهناك الاحالة العقائدية، وايضا هناك الاحالة الاجتماعية، وثالثا هناك الاحالة النفسية، ، والتي كون زمنها افتراضي ، فتتسع التأوبلات والافكار الجلية المتوافقة والمضادة، ومن جهة اخرى هي ليس ارتبطت بالتعالق النصي ارتباطا مباشرا، وانما هناك ابعاد دلالية تسعى لذلك، واكثر الابعاد الدلالية استقرارا هنا هي الاتزامية ، وهي هنا ليست بدلالة لفظية، ويكون اتصالها بالنص عبر الملفوظ، ، وهي ليست تظابقية بالمعنى الحرفي، بل هي عبر الاستدلال، تكون دالة باللفظ على غيره، أو هي كما في التفسير العلمي للدلالة تكون كما اللفظ  هو يكون على خارج معناه الذي وضع له، وصراحة المفردة التي هي كعنونة هي مجهولة ليس نحويا، بل يكون ذلك في السياق الدلالي، وقد انتجت الوحدات الدلالية للعنونة تصورات عدة، عدى ما كان منتجا من بعد دلالي، اي هي قيمة كانت بعدة ابعاد، وليست بتسمية عابرة.

متن نصي

اثرت العنونة في رواية ( قياموت) المتن النصي، برغم الثراء في التفاصيل العديدة والافكار الحرة والملتزمة التي كانت تطرح، وطبيعي تكون العنونة على وفق رأي امبرتو ايكو هي ايقونة للنص، وهنا كل ذلك الزخم من التفاصيل والافكار، يحتاج ما يتوافق معه من سعة مناسبة له، كي يكون هناك تقابل موضوعي، وهذا التقابل بين العنونة والمتن هو تأكيد للتعالق النصي بين العنونة والمتن، وليس فقط هو هو في حدود التقابل فقط، وتلك السمة ايضا ابتعدت نحو البعد الاستاطيقي، فالعنونة ليست متالا ارسطيا، او هي معنى ثابت ومحدد، بل هي من جهة معنى متحرك في جهات عدة، كل جهة تنتج دلالتها، ومن جهة اخرى هناك مستوى سيميائي، اضفى على التصورات قيمة مضافة، وجعلها تقترب من اليقين، او يكون كل تصور التزم يقينا خاص به وتمثل  له، وهنا تكون العنونة وحدة جمالية بقيمتها المتعددة الابعاد الدلالية، وذلك  المستوى الجمالي، طبعا لم يكن عفويا ولا فطريا، بل هو استلهام حسي من جهة، ومشاكسة وتندر وقبح من جهة اخرى .

اللغة الأدبية وعنصر اللهجة –  قدمت رواية قياموت نسغا لغويا  ليس بعيدا عن الشكل الاجتماعي للغة، وفي سياقها المتني، فتقابل اللغة الاجتماعية من المعهود اللهجة، والتي تعبر رديف للغة، لكن هنا ثمة ايقاع ليس بالمألوف في الاطار العام للهجة، بل هي لهجة ابتكرتها الظروف، التي تعبر بسقوط قيم كبرى فيها، حسب وجهة نظر تسقط اللغة ايضا في ذات سقوط القيم الكبرى، وطبعا سياقات اللغة الاساس هنا ليست مهيمنة اجمالا، بل لك لغة وظيفتها اضافة الى محمول لغوي يرتبط باللهجة، وطبعا هنا اكثر من لغة، وكل لغة تؤدي وظيفة معينة، فهناك لغة ادبية، هي الاهم والاكثر حيوية، وتلك اللغة هي نصية، وهي التي تحقق المعنى الروائي، وهي ليست ثابتة في الاحالة الى معنى، بل هي اكثر تنوعا ايقاعيا، ، تلك اللغة تنطلق من تصور تبعا له لن تكون اللغة الادبية نقطة محددة لمعنى ثابت، وانما تحيل الى تقابلات وتقاطعات نصية، وتبلغ اللغة السياق الذي يراه ريكاردو – تناغم غير المحتمل -، حيث هناك لهجة اشتملتها الرواية لم تكن في ذات المستوى اللغوي، بالرغم من أن بعض المفردات ايضا تلتزم دلالة غير مباشرة، لكن اللغة الادبية تشكل بمستواها كيان العمل الادبي الاساس، فهي ليست عضوية كما لغة الشكل الاجتماعي، بل هي لغة مرنة تكون في ابعاد ايقونية عدة، وبذلك يمكنها تجاوز المعنى الثابت الى معنى متحرك، وطبعا ذلك حسب الضرورات وما يكون ملزما الاستجابة اللغوية تبلغ ذلك الحد .

سرد مختلف

منظومة السرد المختلف – الرواية هي مادامت بعناوين ثانيوية متتابعة وليس بترقيم تتابعي،  يكون السرد هنا مختلفا، وبرغم وجود سارد مفترض هو راوي اساس، لكن في بعد الوظائف، يكون السارد هو الاميز والاكثر تشعبا علائقيا، فهو الذي يرتبط بالحاضر، الذي علميا يوصف بواقع مفترض، هو نعم يملك حقيقته التي تنعكس في الفضاء الاجتماعي، لكن لا يعول على تلك الحقيقة، فمثلا أن اغلب الشخصيات السلبية، هي من نماذج ذلك الواقع المفترض، وتمثله بكيانات جوف، فهي ليست متصلة بالوحدات الكبرى للتاريخ، وانما هي مفترض تاريخي، فمثلا يواجه السارد بحدة ايقاع ، وبزمن افتراضي احيانا، ذلك الولد المتنقل بين منظمات قهرية تسعى لسلب ارادة الانسان وتجريده من حقه الاجتماعي، وهي تطسر جاجز الحق العام، فشخصية ستار هي نعم بلا قناع لكن هي ايضا بلا تاريخ ولا هوية، وتلك النماذج هي من جهة الابتكار والتخلييق، كانت فيها نسبة من الخيال الروائي، لكن هي ليست الا نماذج كانت كامنة بفعل القيم الكبرى وتأثيرها، وبعد سقوط القيم وسقوط التاريخ، واستبدالهما بفوضى مفرتضة لا تنتج الا نماذج وقتية الزمن، اي تتلاشى بعد زمن

القبح الجمالي روائيا – قد يبدو ذلك النمط من التندر والاستهكام والمفارقة الروائية، وهم متمازجون بنسب متفاوتة، هو من احد وظائف القصة المضافة سببيا، وليس للرواية علاقة مباشرة الا بالتندر بنسب ملزمة، وطبعا هناك مستويين لمثلث التندر والسخرية والمفرقة، ومجموع تمثل تلك الابعاد، هو ما اسميه بالقبح الجمالي، حيث هناك شكل للقبح يحالف المضمون، وتلك الصيغة تمثلت في كثير من تفاصيل الرواية، ومثلتها جهات متعددة، في السياق الاجتماعي العام، فهناك جهة اساس هي جهة السارد المفترض، والذي هو مثل من جهة موقف القيم الكبرى، وابعاد العدل الاجتماعي حتى على نفسه عوضا عن الراوي، وكانت جهة – عناد- هي جهة بينية رغم تزمت خطابه و حدة ايقاعه، وهناك جهات تتفاوت في السولك السلبي، والذي يبلغ احيانا ابعد من سلوك الغابة، وهناك ايقاع سريع للاحداث، وتفاصيل تتغير بسرعة، وهذا كان لصالح تطوير البعد الدلالي، الذي يعتمده السارد كمواقف مستمدة من وعي ثابت، والنشاط في خضم تسارع التفاصيل كان لصالح مجمل الرواية، والذي كان امثلة انثبولوجية، فيها جهة كشف وتفسير وادانة، وهو جهة السارد، الذي كان يمثل في مواجهته قوة معنوية، وقبالته يتفاقم بترادف شكل القبح، وبأوجه عدة، وتبدل مواقف مستمر، يدل على الفراغ من المبادىء، والتمثل للهدف الشخصي خارج مقومات الضمير، لذا كانت محنة السارد كبيرة، فمقومات القهر الانساني عميقة جدا كانت، وبمساحة واسعة بشكل كبير، وتأثير المقومات الكبرى مفقود، لذا استعاض عنه بمثلث القبح الجمالي، فالقبح يشير الى شكل كياناته، فيما المضمون الجمالي يشير الى مغزى المؤلف، الذي يفرغه في كيان الراوي، والراوي بدوره يفرغه في كيان السارد، والسارد يسعى الى ادانة الفبح والاحتفاظ بالحس الجمالي، فكانت الرواية بمستويين، فبنيتها الظاهرية تشير الى ملامح قبح تتبدل دون أن تزول، فيما بنيتها العميقة كانت هي جهة المضمون الجمالي، ، والتي تتجه الى اعمق مستوياته، فتحسب هنا على أنها بنية معمقة، وذلك المضمون الجمالي يواجه به السارد، وطبعا عبر منومة الوعي، لابد من مواجهة اشكال القبح بقيم جمالية، والتي هي فقط ليس برد فعل ضاغط، او هي تكون كرد فعل ايدلوجي، هذا ما نجح فيه السارد، بالرغم من كثافة تفاصيل القبح، والتي منها ما يتكرر بشكل اقبح مرة اخرى، ومنها ما هو جديد وطري يدعم سياقات الحدث .