الهويات محور مهرجان برلين السينمائي

‭ ‬برلين‭ (‬أ‭ ‬ف‭ ‬ب‭) – ‬يُفرد‭ ‬مهرجان‭ ‬برلين‭ ‬السينمائي‭ ‬هذا‭ ‬العام‭ ‬مساحة‭ ‬كبيرة‭ ‬لمسألة‭ ‬الهوية‭ ‬والانتماءات‭ ‬المتعددة،‭ ‬وتشمل‭ ‬قائمة‭ ‬الأعمال‭ ‬المعروضة‭ ‬فيه‭ ‬فيلمين‭ ‬يحملان‭ ‬توقيع‭ ‬مخرجين‭ ‬عاشا‭ ‬حياتهما‭ ‬بين‭ ‬فرنسا‭ ‬وإفريقيا،‭ ‬وعادا‭ ‬إلى‭ ‬أرض‭ ‬أجدادهما‭ ‬لنقل‭ ‬قصصهم‭ ‬على‭ ‬الشاشة‭.‬

وسبق‭ ‬أن‭ ‬أعلنت‭ ‬مديرة‭ ‬مهرجان‭ ‬برلين‭ ‬السينمائي‭ ‬الدولي‭ ‬تريشيا‭ ‬تاتل‭ ‬أن‭ ‬مسألة‭ “‬الانتماء‭ ‬والعيش‭ ‬بين‭ ‬عوالم‭ ‬متعددة‭” ‬ستكون‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬المواضيع‭ ‬الرئيسية‭ ‬التي‭ ‬تتناولها‭ ‬الأفلام‭ ‬المختارة‭ ‬هذا‭ ‬العام‭.‬

يتناول‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬فيلم‭ “‬بيّت‭ ‬الحس‭” (‬A‭ ‬voix‭ ‬basse‭) ‬للمخرجة‭ ‬التونسية‭ ‬ليلى‭ ‬بوزيد،‭ ‬وفيلم‭ “‬داو‭” (‬Dao‭) ‬للمخرج‭ ‬الفرنسي‭ ‬السنغالي‭ ‬آلان‭ ‬غوميس،‭ ‬المشاركين‭ ‬في‭ ‬المسابقة‭ ‬الرسمية،‭ ‬موضوع‭ ‬الهوية‭ ‬المزدوجة‭ ‬بأسلوبهما‭ ‬الخاص‭.‬

في‭ “‬بيّت‭ ‬الحس‭”‬،‭ ‬عادت‭ ‬ليلى‭ ‬بوزيد‭ ‬على‭ ‬خطى‭ ‬أجدادها‭ ‬إلى‭ ‬سوسة‭ ‬بشرق‭ ‬تونس،‭ ‬وتحديدا‭ ‬إلى‭ ‬منزل‭ ‬جدتها‭ ‬التي‭ ‬توفيت‭ ‬عام‭ ‬2017‭.‬

توضح‭ ‬المخرجة‭ ‬التي‭ ‬نشأت‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬ووصلت‭ ‬إلى‭ ‬فرنسا‭ ‬في‭ ‬سن‭ ‬الثامنة‭ ‬عشرة‭ ‬أن‭ “‬فكرة‭ ‬الفيلم‭ ‬انبثقت‭ ‬من‭ ‬رغبتي‭ ‬في‭ ‬تصوير‭ ‬هذا‭ ‬المنزل‭ ‬الذي‭ ‬قضيتُ‭ ‬فيه‭ ‬كل‭ ‬صيف‭ ‬من‭ ‬حياتي،‭ ‬وهو‭ ‬منزل‭ ‬يحمل‭ ‬في‭ ‬طياته‭ ‬سحرا‭ ‬سينمائيا‭ ‬خاصا‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلي‭”.‬

وتقسم‭ ‬ليلى‭ ‬وقتها‭ ‬حاليا‭ ‬بين‭ ‬البلدين‭.‬

تدور‭ ‬أحداث‭ ‬الفيلم‭ ‬حول‭ ‬ليليا،‭ ‬وهي‭ ‬امرأة‭ ‬تونسية‭ ‬تعيش‭ ‬في‭ ‬باريس،‭ ‬تعود‭ ‬إلى‭ ‬عائلتها‭ ‬لدفن‭ ‬عمّها‭. ‬وتخفي‭ ‬ليليا‭ ‬علاقتها‭ ‬بامرأة‭ ‬أخرى،‭ ‬وتكشف‭ ‬تدريجيا‭ ‬حقيقة‭ ‬حياة‭ ‬عمها‭ ‬والظروف‭ ‬التي‭ ‬أدت‭ ‬إلى‭ ‬وفاته‭. ‬وتضيف‭ ‬ليلى‭ ‬بوزيد‭ “‬يدور‭ ‬الفيلم‭ ‬حول‭ ‬زوجتين‭ ‬من‭ ‬عرقين‭ ‬مختلفين،‭ ‬امرأة‭ ‬فرنسية‭ ‬وامرأة‭ ‬تونسية‭”. ‬يتناول‭ ‬الفيلم‭ ‬الروائي‭ ‬قضية‭ ‬المثلية‭ ‬الجنسية‭ ‬في‭ ‬تونس،‭ ‬حيث‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬العلاقات‭ ‬المثلية‭ ‬تُعاقب‭ ‬عليها‭ ‬القوانين،‭ ‬والصعوبة‭ ‬التي‭ ‬تواجهها‭ ‬ليليا‭ ‬في‭ ‬التوفيق‭ ‬بين‭ ‬ميولها‭ ‬الجنسية‭ ‬وجذورها‭ ‬الثقافية‭ ‬والعائلية‭.‬

تقول‭ ‬ليلى‭ ‬بوزيد‭ “‬لا‭ ‬تشعر‭ ‬ليليا‭ ‬بالانتماء‭ ‬الكامل‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬مكان،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يثير‭ ‬اهتمامي‭ ‬بشدة‭”.‬

وتختتم‭ ‬المخرجة‭ ‬حديثها‭ ‬قائلة‭ “‬إنه‭ ‬فيلم‭ ‬يتناول‭ ‬أيضا‭ ‬انتقال‭ ‬الصدمات‭ ‬النفسية‭ ‬عبر‭ ‬ثلاثة‭ ‬أجيال‭ ‬في‭ ‬عائلة‭ ‬واحدة،‭ ‬وكيف‭ ‬تُورَّث‭ ‬المحرمات‭ ‬والحقائق‭ ‬غير‭ ‬المعلنة‭ ‬والأسرار‭”.‬

تدور‭ ‬قصة‭ ‬فيلم‭ “‬داو‭” ‬حول‭ ‬حدثين،‭ ‬حفل‭ ‬زفاف‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬باريس،‭ ‬وجنازة‭ ‬في‭ ‬غينيا‭ ‬بيساو‭. ‬ينتقل‭ ‬الفيلم‭ ‬بسلاسة‭ ‬بين‭ ‬الحدثين‭ ‬في‭ ‬سرد‭ ‬جماعي‭ ‬يمزج‭ ‬بين‭ ‬ممثلين‭ ‬محترفين‭ ‬وآخرين‭ ‬هواة،‭ ‬راسما‭ ‬صورة‭ ‬لمجتمع‭ ‬فرنسي‭ ‬إفريقي‭ ‬متنوع،‭ ‬بعيدا‭ ‬من‭ ‬الصور‭ ‬النمطية‭.‬

صُوّر‭ ‬الفيلم‭ ‬في‭ ‬عشرين‭ ‬يوما‭ (‬عشرة‭ ‬أيام‭ ‬في‭ ‬فرنسا‭ ‬وعشرة‭ ‬أيام‭ ‬في‭ ‬غينيا‭ ‬بيساو‭)‬،‭ ‬ويتبنى‭ ‬نهجا‭ ‬تجريبيا‭ ‬يعرض‭ ‬تجارب‭ ‬الأداء‭ ‬ومقابلات‭ ‬اختيار‭ ‬الممثلين‭ ‬التي‭ ‬تكشف‭ ‬تدريجيا‭ ‬عن‭ ‬شخصيات‭ ‬الفيلم‭.‬

تأثر‭ ‬آلان‭ ‬غوميس‭ ‬بشدة‭ ‬في‭ ‬طفولته‭ ‬بمراسم‭ ‬التأبين‭ ‬التي‭ ‬أقيمت‭ ‬تكريما‭ ‬لوالده‭ ‬في‭ ‬قريته‭ ‬في‭ ‬غينيا‭ ‬بيساو،‭ ‬حيث‭ ‬اختار‭ ‬تصوير‭ ‬الجزء‭ ‬الإفريقي‭ ‬من‭ ‬فيلمه‭.‬

يوضح‭ ‬غوميس‭ ‬في‭ ‬مقابلة‭ ‬مع‭ ‬وكالة‭ ‬فرانس‭ ‬برس‭ ‬أنه‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬لاحق،‭ “‬حضرتُ‭ ‬حفل‭ ‬زفاف،‭ ‬وأدركتُ‭ ‬حينها‭ ‬أن‭ ‬هذين‭ ‬الأمرين‭ ‬مترابطان‭ ‬حقا،‭ ‬وأنهما‭ ‬يرويان‭ ‬أيضا‭ ‬قصة‭ ‬هذه‭ ‬العائلات‭ ‬المشتتة‭ ‬نوعا‭ ‬ما‭”.‬

يقدم‭ ‬الفيلم‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الشخصيات‭ ‬المنحدرة‭ ‬من‭ ‬أصول‭ ‬إفريقية،‭ ‬وهي‭ ‬شخصيات‭ ‬نادرة‭ ‬الظهور‭ ‬في‭ ‬السينما‭ ‬الفرنسية،‭ ‬وتتمحور‭ ‬حول‭ ‬غلوريا،‭ ‬والدة‭ ‬العروس‭ ‬في‭ ‬فرنسا‭ ‬وابنة‭ ‬المتوفى‭ ‬في‭ ‬إفريقيا‭.‬

ويقول‭ ‬آلان‭ ‬غوميس‭ “‬إن‭ ‬مسألة‭ ‬الهوية‭ ‬المزدوجة‭ ‬تتعلق‭ ‬أيضا‭ ‬بطرق‭ ‬مختلفة‭ ‬للتعبير‭ ‬عن‭ ‬الشيء‭ ‬نفسه،‭ ‬في‭ ‬جوهرها‭”.‬

ويضيف‭ “‬لأن‭ ‬الارتباط‭ ‬بشخص‭ ‬ما‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الزواج،‭ ‬أو‭ ‬مواجهة‭ ‬الحزن،‭ ‬أمرٌ‭ ‬عالمي‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬كبير‭. ‬لذا،‭ ‬فإنّ‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬منظورين‭ ‬لهذه‭ ‬اللحظات‭ ‬يشكل‭ ‬مصدر‭ ‬غنى‭ ‬كبير‭”.‬