النفس الطائفي يتسلل الى المسرح العراقي
سقوط على الخشبة في فخ الظالم والمظلوم
عبد الخالق كيطان
ربما أكون أول من يخوض في هذا المبحث، وربما يعترض قارئ على الربط بين الطائفية والثقافة في العراق، خاصة مع توتر عال في بلادنا سببته الطائفية بالدرجة الأساس، مما انعكس على حياة الناس طيلة السنوات الماضية، وقد فقدنا، جراء ذلك، عشرات الآلاف من المواطنين لم يكن ذنبهم سوى أنهم من الطائفة الخطأ بالنسبة للقتلة.
وكان كثيرون، وربما أكون أحد هؤلاء، من يراهن على ابتعاد الثقافي عن الخطاب الطائفي، على اعتبار أن الاشتغال بالثقافة، والمثقف بشكل خاص، كما ترى فاطمة المحسن، يملك حساسية مرهفة لالتقاط اللحظات المناسبة للكتابة، وعندما يرى أمامه الحرائق، يكفيه أن لا يشعل فتيلها، إن لم يعمل على إطفائها ، إلا أن سعيي خاب وأنا أرى بشكل واضح، لا لبس فيه، أن الطائفية دخلت بشكل منظم ومنهجي للثقافة العراقية، وفي مختلف مسمياتتها. وما يهمنا هنا هو المسرح… واسباب ذلك كثيرة. يكفي أن نقول أن المسرح هو أبو الفنون وفيه تنصهر الفنون المرئية والكتابية والأدائية في لون جديد، ناصع ومتحضّر، ويحضّ على المحبة والسلام.. والثورة أيضاً.
الآن، وفي هذه اللحظة من عمر مسرحنا العراقي الطويل، يقرر بعض المسرحيين اللجوء إلى الطائفة، الظالمة أو المظلومة، لكي يصلوا إلى ما يريدون من أهداف، سواء أكانت أهدافاً عقائدية، أو منفعية. نستطيع الحديث طويلاً، وطويلاً جداً، عن ظلم هذا الطرف أو ذاك.. ونستطيع أيضاً أن نتحدث عن مظلومية هذه الطائفة أو تلك.. ولن ينتهي سجالنا. فهو، وكما معروف، عمره أكثر من 1400 عاماً، وبالتالي فمواصلة الحديث فيه اليوم لن يقودنا إلا إلى لحظة الصدام، كما حصل في الأعوام السابقة، وهو أمر لا أعتقد أن النخب الثقافية تريده أو تسعى إليه.
معلوم أن البعض من أهل المسرح عندنا كانوا دأبوا على تملق السلطة.. بالطبع لا يمكن بين ليلة وضحاها نسيان مسرحيات بعينها كانت تردح وترقص على جراح الناس في العقود السابقة. وهؤلاء موجودون بيننا، ومسرحياتهم مؤرشفة، ولا نقول ذلك من أجل إدانتهم، مع أن فعلهم مدان، ولكن لنذكر بأن تملق السلطة لم يكن جديداً على هذا البعض.
وهنالك عينة أخرى، هي العينة العقائدية، إن صحت التسمية، منحازة لأفكارها، وهي موجودة أيضاً في العقود السابقة، وهنالك تمظهرات لاشتغالاتها العقائدية الممثلة بتيارات بعثية، قومية، شيوعية، إسلامية… الخ..
وبين هؤلاء، كانت الأغلبية، من اهتمّت بموضوع فكري، وحديثنا دائماً عن الأفكار في هذا الخصوص، يمسّ حياة شعبنا بمختلف تكويناته. وكانت أغلب التجارب المسرحية العراقية على الدوام تدين الديكتاتورية، وتنحاز لهموم الانسان المسحوق، سواء عبر اعتماد النصوص الأجنبية أو المؤلفة محلياً. وصارت التلميحات التي تدين الاستبداد في تلك العروض شفرات سهلة الحل بالنسبة لكثيرين، حتى من هم خارج العائلة المسرحية.
العروض العقائدية، والانتهازية، كانت موجودة، ولكن أثرها لم يكن كبيراً، ولم تستطع أن تشكل تياراً يمكن الاعتداد به. إلا أن ما يحدث اليوم هو العكس من ذلك، فلقد تسيد المسرح الانتهازي، وشقيقه العقائدي المشهد، ونفيت التجارب الفكرية الجادة، أو تلك التي تعنى بهموم الانسان العراقي، إلى الوراء.
والآن، ما الذي يحدث؟
حضرت عرضين مسرحيين، وسأحاول قدر الإمكان أن أصف العرضين. لن أسمّي منتجي العرضين حتى لا أقع في باب التشهير، أو حتى لا أقع في باب إساءة القصد، ذلك أن كل قراءة هي إساءة قراءة، لأن قراءة تالية ستفككها، لتصبح قراءة سيئة أمام تاليتها.
في العرض الأول يلبس المخرج الشخصية الرئيسة زياً لواحد من سكان الجنوب العراقي. الزي علامة أولى إذن. ثم يجعله ينطق بلكنة أبن الجنوب الدارجة. اللغة المنطوقة علامة ثانية. ثم يمنحه السلطة في العرض، بوصفه الشرطي حامي العدالة، وهذه علامة ثالثة تحيل إلى نوعية السلطة اليوم .
الشعب في هذه المسرحية هم مجرد غانيات ذاهبات لحفلة تقيمها سفارة أجنبية. هذه علامة أخرى يمكن قراءتها بسهولة.
هنالك شاب يتعرض لاعتداء من قبل كلب. ويعجز الشرطي عن مساعدته لأنه يخاف من سفارة الدولة الأجنبية التي تمتلك الكلب. فيما تلتهي الغانيات في موعد حفلتهن.
هل يصعب تحليل هذه العلامات ومحمولاتها الطائفية؟ أترك الجواب لفطنة القارئ.
في العرض الثاني هنالك سجناء وقع عليهم الحيف، سجنوا بلا تهمة، أو لم يحقق في التهمة الموجهة إليهم، أو لم تنسب لهم تهمة أصلاً… ألخ.. نحن أمام علامة موفقة.. ولكن… تدخل فجأة علامة أخرى لتنسف هذه العلامة يطلق سراح أحد هؤلاء فجأة، لماذا؟ لأنه أسمه فلان .. وفلان، الذي يصرح صوت مكبّر أسمه على الجمهور، يوحي بما لا يقبل الشك بأنه من ابناء طائفة معينة. هنا تنغلق دائرة التلقي. ويصبح محلل الشفرة أمام رسالة واضحة للغاية.
في آخر العرض، يقف ممثل ليلقي كلمة عن حب العراق، بلغة شعرية، وأداء شعائري، يريد أن يقول نحن أبناء وطن واحد، فلماذا التفرقة؟ التفرقة هنا، وبالعودة إلى سياق العرض، مفهومة. هذه إذن شفرة واضحة، ولكن المؤسف أنها تمت بأداء فيه الكثير من الابتذال.
في العرضين ثمة لعب على خطاب طائفي. وفي العملين ثمة أفكار نبيلة كان من الممكن أن نطرب لها لو تخلصت من محمولاتها الطائفية.
العرض الأول يريد أن يكون مسرح عقائد.. والثاني يريد أن يكون مسرح مناسبة. وبين العملين تضيع الفكرة الأصل، فكرة الحقوق السليبة في بلادنا من هذا الطرف أو ذاك.
وغير ذلك، هنالك عروض عقائدية من نوع آخر. هذه العروض لا تعبأ كثيراً بالرمز والعلامة والدلالة، هي تذهب بشكل مباشر إلى أهدافها. كيف؟
يحق لأهل المسرح أن يتناولوا سير رجال دين من هذه الطائفة أو تلك، طالما كان هؤلاء، وأقصد رجال الدين، من الذين يمكن أن نطلق عليهم تسمية رجال قضية . وتحفل رموز الطوائف في العراق بشخصيات من هذا النوع. إلا أن المشكلة عندما يصرّ مسرحيون على تكريس فنهم لتقديم شخصيات خلافية بالنسبة لطائفة أخرى. ومن المؤكد أن ثمة دعماً مادياً كبيراً تقدمه مؤسسات كثيرة لهذا النوع من العروض، ومن المؤكد ايضاً، بأن ثمة من سينظّر لهذا النوع من المسرحيات، بوصفها تحكي سير مناضلين، وصناع حدث، أو مهمشين في زمن ما، أو مقاومين… ألخ.. ولكن العلة في أن مثل هذه العروض تثير حفيظة الطرف الآخر على الدوام.
الطوائف في العراق اليوم لم تتفق بعد على شخصيات معينة من هذه الطائفة أو تلك بوصفها مثالاً للوطنية. لم نعد، للأسف الشديد، نقرّ بوجود مثل تلك الشخصيات. لقد طعن بالجواهري بسبب أصله، وطعن بالسياب بسبب طائفته، فأي شخصية دينية من الممكن أن تقاوم مثل هذه الطعون، إذا كانت رموزنا الثقافية لم تسلم من الطعن؟
في ظل مثل هذه الظروف الملتبسة، النارية، والتخوينية، يأتي المخرج، المدعوم من هذه الجهة أو تلك، ليقدم مسرحيته عن شخصية دينية، يعتقد هو، والجهة التي تقف وراءه، بأنها مثال للنضال، فيما تقوم مسرحيته باستفزاز الطرف الآخر. ويبدأ سجال التهم بالدوران دون أن يقرّ اي من الطرفين للثاني بحقه.
كيف يمكن احتواء مثل هذه التجارب؟ الجواب في إخراج الشخصيات التي يتم تناولها من فضاءها الطائفي لصالح الفضاء الوطني، وهذا لن يحدث قريباً في العراق بسبب الاستقطاب الطائفي الكبير.. ويمكن أن يتم تجاوز الموضوع برمته، لو كان ثمة حرص على المسرح، والروح الوطنية في العراق، بالعودة إلى شخصيات يمكن الاتفاق عليها. وبالرغم من صعوبة ذلك أيضاً، إلا أن هذا المخرج يبقى أقل ضرراً من تقديم شخصيات دينية هي محل خلاف.
ولنلاحظ هنا، في هذا العدد الكبير من الأعمال التي قدمت بعد العام 2003، وتناولت سيرة، أو مقاطع من حياة، الإمام الحسين ع . ولنسأل سؤالاً ليس بريئاً على الإطلاق أين قدمت تلك المسرحيات؟ في أي مدينة؟ ولماذا تحجم مدن أخرى عن تقديم مثل هذه العروض؟ وإذا كانت شخصية عظيمة، وكبيرة، ومتفق عليها في التاريخ الإسلامي لمختلف الطوائف، مثل شخصية الإمام الحسين، هي اليوم محل نزاع طائفي في العراق، فما بالك بشخصيات أخرى محسوبة بشكل كامل على هذه الطائفة أو تلك؟
هل أدعو، إذن، إلى الابتعاد عن المسرحيات التي تتناول سير شخصيات دينية لهذه الطائفة أو تلك؟ يمكنني القول، وبثقة كبيرة أن نعم. ان أي مسرحية، وفي هذه الظروف المعقدة التي تعيشها بلادنا، تسهم في زيادة الاحتقان الطائفي ينبغي عدم انتاجها. وينبغي على المسرحيين، قبل غيرهم، تجاوز هذه المسرحية ما دامت تسهم في إثارة الاحتقان والضغائن.
وأصل الآن إلى سؤال أوجهه لأهل المسرح في العراق هل أنتم معنيون بمسرح الطائفة أو مسرح الوطن؟
كثيرون يعتقدون أن عدم التعالي عن مشاكل الطائفة، همومها ومعانتها، يسهم في البناء لا الهدم. يقولون ان فهم مشاكل الطائفة، واستيعابها، والانتصار لمعاناتها، هو جزء لا يتجزء من انسانية فن المسرح. وهو كلام صحيح من حيث الشكل، إلا أنه، وفي واقع ملتبس، مثل واقعنا اليوم، لا يسعى إلا إلا زيادة التأزيم. وهل نحن بحاجة إلى تأزيم جديد؟
يمكننا أن نتمترس خلف طوائفنا. يمكننا أن ننحاز إلى معاناتها. ويمكننا أن نصرخ ليل نهار في هذا الاتجاه. ولكن ذلك سيخسرنا وطننا. هذا من جهة، ومن جهة ثانية، فإن المسرح، الذي هو الفضاء الأرحب للتعبير العلاماتي والفكري، يمكنه أن يستوعب خلافاتنا بلغة أبعد ما تكون عن وصمها بالطائفية. يمكننا بالفعل التعبير عن محن طوائفنا في صراعها الدامي، عن الخلافات العقائدية، عن الأمل بالتحرر، عن الرغبة بالوصول إلى مجتمع مدني.. يمكننا أن ننتج مسرحية تليق بسمعة مسرحنا الذي قارع الديكتاتورية.. وخلق الجمال والبهجة في أشد الظروف قتامة.. يمكننا… ويمكننا.. شريطة أن نفكر ملياً بوطن أسمه العراق
/7/2012 25 Issue 4260 – Date Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4260 التاريخ 25»7»2012
AZP09
























