النبي ص يوشك عبادي الصالحون أن يكف عنهم السوء والأذى ويغفر لهم في آخر ليلة منه

النبي ص يوشك عبادي الصالحون أن يكف عنهم السوء والأذى ويغفر لهم في آخر ليلة منه
وأشار النبي ــ عليه الصلاة والسلام ــ في حديث شريف إلى بعض خصال شهر رمضان بقوله أعطيت أمتي خمس خصال في شهر رمضان لم تعطهن أمة قبلها.. خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، وتستغفر لهم الملائكة حتى يفطروا .. وتصفد فيه مردة الشياطين، ويزين الله تعالى كل يوم الجنة، ويقول يوشك عبادي الصالحون أن يكف عنهم السوء والأذى، ويغفر لهم في آخر ليلة منه، قيل يا رسول الله، أهي ليلة القدر؟ قال لا، ولكن العامل يوفي أجره إذا قضى عمله .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم ــ ثلاثة لا ترد دعوتهم، الصائم حتى يفطر، والإمام العادل، ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام، وتفتح لها أبواب السماء، ويقول الربّ ــ وعزتي وجلالي لأنْصُرنّك ولو بعد حين .
وعن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كانت أول ليلة من شهر رمضان نادى الجليل ــ جلّت قدرته ــ رضوان خازن الجنّة، فيقول لبيك وسعديك فيقول أدخل جنتي وزينها للصائمين من أمة محمّد ولا تغلقها حتى ينقضي شهرهم. ثم ينادي يا مالِك ــ خازن النار ــ فيقولك لبيك وسعديك، فيقول أغلق أبواب جهنّم عن الصائمين من أمة محمّد، ولا تفتحها حتى ينقضي شهرهم. ثم ينادي يا جبريل فيقول لبيك وسعديك فيقول انزل إلى الأرض وصَفِّد وغَلِّل المَرَدَة عن أمة محمّد، لَئِلا يُفْسِدُوا عليهم صومهم وإفطارهم .
موسمُ خصبٍ للعبادة
رمضان شهر القرآن العظيم، تتخلص فيه الروح من نوازع الهوى وتحصيل ما يبغي الجسد، وهو شهر التقوى والصبر والجَلَد. وأيام الصوم موسم خصب كريم للتسابق بين الصائمين نحو مرضاة الله تعالى وطلب رحمته الواسعة بإعلانهم الصيام وكبت كل الجوارح، وتطهير النفس الإنسانية من هواها لكي تصفو وتدنو من رحمة ربِّ العرش العظيم، وقدوتهم في ذلك سيرة الخاتم العاقب محمّد عليه الصلاة والسلام. فالمسلمون يحيون ليلهم الطويل في تلاوة كتاب الله العزيز، وبعث سنن المصطفى صلى الله عليه وسلم، وتقديم أنواع العبادات والطاعات. وكان المسلمون وما زالوا يطعمون الطعام أيام شهر الفضيلة إلى الفقراء نيلا للثواب وتفطير الصائمين المجاويع. ومثلما هي عادة المسلمين في إحياء العشر الأواخر من رمضان بأداء العبادة والدُعاء وختم القرآن المجيد، فقد كان ختم القرآن العزيز يتم في مكة المكرمة، وفي المدينة المنورة. أما عندما تحلّ ليلة القدر المباركة، فيحرص المسلمون على إحيائها، فيجتمع المصلون مع الأئمة لتلاوة القرآن الكريم، ويدعون من الخالق تعالى الثواب والغفران، وهم على هذه الحال حتى مطلع الفجر، وهذا ما نشاهده اليوم من مظاهر مدن الإسلام في كل حدب وصوب لتجمع المسلمين على مظهر واحد من مظاهر شريعة أمة الرسول محمّد ــ عليه الصلاة والسلام ــ لتبعث في نفوسهم القيم السَمِحَة وتمنحهم جَلال وحَلاوة الإيمان.
الصيام وصفاء النّفس
يتدرب صائمو الشهر الفضيل على أوقات معلومة ومحددة طيلة الأيام الرمضانية، كموعد الإفطار والسحور، وصلاة التراويح، وتحرِّي ليلة القدر المباركة. يقول الحق تعالى في سورة البقرة» 187 وَكُلُوا واشْرَبُوا حتى يَتَبَيَّنَ لكُم الخَيطُ الأبيضُ مِنَ الخَيطِ الأسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ ثُمّ أتِمُّوا الصِّيامَ إلى اللَّيلِ… .
ويمتنع الصائمون طيلة أيام شهر الصيام عن تناول الأكل والشرب بوقت محدد. لكنّ نِعَمَ الله عزّ وجل لا تُعَدُ ولا تُحْصَى، يقول جلّ جلاله في سورة فاطر»3
يا أيُّها النَّاسُ اذكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُم هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللهِ يَرْزُقُكُم مِنَ السَّماءِ وَالأرضِ لا إلهَ إلاّ هُوَ فأنَّى تُؤْفَكُونَ . فالصائم في شهر الطاعات سيجعل حياته في نور ــ باسم الله تعالى ــ تحيا، فيمتنع عن الأكل والشرب بأمر خالقه الرؤوف عند وقت السحور. ويفطر يوم صيامه باسمه عزّ شأنه عند سماعه نداء الله أكبر وقت المغرب. ولهذا تصفو روح الصائمين العابدين مهتدية بأمر بارئها في قوله تعالى في سورة الأنعام»162 ــ 163 قُلْ إنَّ صَلاتِي ونُسُكِي وَمَحْيَايَ ومَمَاتِي للهِ رَبِّ العَالَمِيْنَ لا شَرِيْكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وأنَا أوَّلُ المُسلِمِيْنَ . نلحظ خلال شهر الصوم أنّ روح الصائمين ترتفع، وتسمو عواطفهم تجاه المحتاجين وذوي القربى فيتذكرون المحرومين والمحتاجين فيقدمون إليهم ما تجود به أيديهم. وقد أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تسود العاطفة بين المؤمنين في الجود والكرم والإحسان، فقال مَنْ فَطّرَ صائِماً كان له مثل أجره غير أنّه لا ينقص من أجر الصائم شيئاً . وقال عليه الصلاة والسلام في حديث آخر ما من يوم يصبح العباد فيه إلاّ مَلَكَانِ يَنْزِلاَنِ فيقول أحدهما اللّهم أعطِ مُنفقاً خَلفَا ويقول الآخر الّلهم أعطِ مُمْسِكاً تَلفا .
تدريب الصائمين
يأتي شهر الصيام ليعلم المسلمين نظاماً جديداً في ثلاثين يوماً، فهو يختلف عن بقية اشهر السنة المتخمة بالأكل والشرب وسائر الأفعال والأعمال. لذا نجد الصوم في رمضان دورة تدريبية للمسلم طيلة شهر رمضان، حيث تعطيه هذه الدورة الرمضانية التدريب على الصبر، والصبر على الرزق الحلال، وعلى منغصات الحياة ومصائب الأيام. ويتهذب ضمير الصائم وتتربى عواطفه الإنسانية ويتروّض لمكارم أخلاقه وشمائله، وتتألق بالصيام في الشهر المبارك الإنسانية فيتغلب عقل الإنسان على كل النوازع والهوى فيمسك بمقود الأمور وتسير حياته صوب جادة الهداية الحقّة والشرع البين. لذا يتدرب الصائمون في رمضان على إتباع نظام دقيق وصارم لا فرار منه منذ طلوع الفجر الصادق ولا يجوز لأحد أن يبدأ بتقديم هذا النظام أو تأخيره دفعاً للمشقة الزائدة عن نفسه، إذن هو ملتزم بالإمساك عن الطعام بموعد ثابت، وأن يفطر بوقت معين. سفرمضان شهر تدريب على الجوع والشهوات والصبر والصحة، حيث يعطي الصيام الإنسان درساً في الصحة العامة كي تستريح أجهزة الهضم التي تعمل في كل أشهر السنة لكنها في رمضان تأخذ قسطاً من الراحة للإدامة. وهذا كله يحتاج إلى راحة وخلود بعد تعب وجهد طويلين. ولا يكون هذا الخلود إلا بتوفر صوم الإنسان في رمضان حيث ينشأ الصائم متدرباً على الإمساك منذ الفجر إلى المغرب ليعطي لأجهزة جسمه نوعا من الراحة بعد التعب لتستمر بعملها بعد انتهاء رمضان الكريم بما خلقها تعالى لتؤدي مسيرتها بكل نشاط. يحفل الشهر الكريم على العديد من الفضائل التي سمت به إلى المنزلة الرفيعة بين أشهر السنة كلها. فقد رُوِيّ عن النبي محمد ــ عليه الصلاة والسلام ــ الكثير من الأحاديث الخاصة بفضائل الصوم في رمضان. فقال صلى الله عليه وسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال إذا نَسِيّ فأكل وشرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه . وعن سهل بن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا يزال الناس بخير ما عجلوا في الفطر . وعن الترغيب في السحور في رمضان، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تسَحَرُوا فإنّ في السحور بركة .
أخرج الإمام البخاري رضي الله عنه في قيام الليل بشهر رمضان، أنه عليه الصلاة والسلام قال مَن قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه . وعن سماع آذان بلال بن رباح ــ رضي الله عنه ــ قالت السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أنّ بلالاً كان يُؤذن بالليل فقال رسول الله صلى عليه وسلم كُلوا واشربوا حتى يُؤذن ابن أم مكتوم فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر . وكان النبي عليه الصلاة والسلام يُفطر قبل أن يُصلي، وكان إفطاره على رطبات فإن لم يجدها فعلى تمرات فإن لم يجدها فعلى حسوات من ماء.
العُمرة أيام الصيام
الحجّ من أركان الإسلام وفرض على كل مسلم ومسلمة من استطاع إليه سبيلا. وهناك من يود أن يعتمر إلى البيت الحرام ليس في وقت الحج المعلوم، إنما في كل أيام السنة ونجد من العمرة في أيام شهر رمضان الكريم.
فالعُمْرَة والعُمُرُ والعَمْرُ الحياة يقال قد أطال الله عَمَرّهُ وعَمَرَهُ وإذا أقسموا قالوا لَعَمْرُكَ وسُمٍيَّ الرجل عُمَرَاً تفاؤلا أن يبقى . فتقول العرب في القسم لَعَمْرِي ولَعَمْرُكَ. يقول الله عزّ وجل في سورة الحجر»72 لَعَمْرُك إنَّهم لَفِي سَكْرَتِهِم يَعْمَهُون . وقوله الكريم في سورة البقرة»196 وأتِمُّوا الحجَّ والعُمْرَةَ للهِ . وقال عالم اللغة الزَجّاج معنى العمرة في العمل الطواف في البيت والسعيّ بين الصفا والمروة فقط . وأخذت العمرة من الاعتمار وهي الزيارة، قال الأسود خرجنا عُمّاراً فلما انصرفنا مررنا بأبي ذر فقال أطلقتم الشعث وقضيتم التفث عُمَاراً؟ أي مُعتمرين. اعتَمَرَ النبي محمد ــ عليه الصلاة والسلام ــ في ذي القعدة لفضيلة هذا الشهر وكذلك لمخالفة الجاهلية في ذلك، لأنهم كانوا يرونه من أفجر الفجور ففعله رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم ــ في هذا الشهر ليكون أبلغ في بيان جَوَازِه فيها وأبلغ في إبطال ما كان عليه العرب قبل ظهور الإسلام الحنيف.
التسبيح في رمضان
يُسَبِّحُ المسلمون خالقهم الجليل، ويسَبِّح له ما في السماوات والأرض، والتّسبيح في كل الفروض والأوقات وحتى بعد الصلاة وأيام الصيام له أجر عظيم، ويضاعف الله عزَّ شأنه الثواب لكل مُسَبِّحٍ. وسُبحان في اللغة هي تنزيه الله تعالى عن السوء. فتقول سَبّحْتُ الله تسبيحاً له أي نَزّهته تَنْزِيها، يقول عالم اللغة ابن جِنِّي سُبحان اسم عَلَم لمعنى البراءة والتنزيه. أما العالِم الزَجّاج فقال في قول الحقّ تعالى في سورة الإسراء»1 سُبْحَانَ الّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً .. . أي أسبح لله تسبيحاً. سميت الصلاة تسبيحاً، لأن التّسبيح تعظيم الله الجليل، وتنزيها من كل سوء وروى أبو هريرة ــ رضي الله عنه ــ قال قال رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم ــ إنّ لله ملائكة يطوفون في الطرقات، يلتمسون أهل الذكر فإذا وجدوا قوماً يذكرون الله تنادوا أنْ هلمّوا إلى حاجتكم فَيَحِفُونَ إلى السماء الدنيا. قال فيسألهم ربّهم وهو أعلم بهم ما يقول عبادي . وسُبُحات وجه الله جلّ جلاله أنواره وجلاله وعظمته. قال جبريل عليه السلام إنّ لله دون العرش سبعين حجاباً لو دنا من أحدهما لأحرقتنا سُبُحات وجه ربّنا.
تُبْتُ إليكَ
تشهد أيام الصيام الكريم الكثير من الذين يتوبون إلى بارئهم، والرجوع إلى طاعته وعبادته بعد معصية، ليغفر الله القدير ويكفِّر عن خطاياهم وتكون توبتهم توبة نصوحة خالصه لوجهه العظيم.
إنَّ من فضل الخالق التوّاب على عباده أنّه يتوب عليهم حين يعودون طالبين منه جلّت قدرته الهداية والرشاد والمغفرة بعد اقتراف الآثام والمحرمات. فالتوبة الرجوع من الذنب، وفي الحديث الندم توبة . يقول الأخفش عالم اللغة التّوْب جمع تَوْبَة مثل عَزْمَة وعَزْم. أما تاب إلى الله تعالى يتوب توباً وتَوْبَة ومَتَاباً بمعنى أناب ورجع عن المعصية إلى الطاعة، وأنشد الشاعر
تُبْتُ إليكَ، فَتَقَبَّلَ تَابَتِي
وَصُمْتُ رَبِّي فَتَقَبَّلَ صَاَمَتِي
اصل تابَ في اللغة العربية بمعنى عادَ إلى الله تعالى ورجع وأناب. وتاب الله عليه أي عاد إليه بالمغفرة. كذلك فالتوبة هي الرجوع من الذنب، والتوّاب هو الخالق القدير المُعِيد إلى عبده فضل رحمته، إذا هو رجع إلى طاعته، وندم على معصيته، وكلما تكررت توبة العبد الفقير تكرر القبول من عند الله التوّاب . يقول جلّت قدرته في سورة التوبة»104 ألَمْ يَعْلَمُوا أنّ اللهَ هُوَ يَقْبَلُ التَوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ ويَأخُذُ الصَّدَقَاتِ وإنَّ اللهَ هُوَ التَوَّابُ الرَّحِيمُ . وعن أبي هريرة ــ رضي الله عنه ــ قال سمعت رسول الله ــ صلّى الله عليه وسلّم ــ يقول والله إنِّي أستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة . وقال ــ عليه الصلاة والسلام ــ في حديث عن عبد الله بن عمر بن الخطاب ــ رضي الله عنهما ــ إنّ الله عزّ وجل يقبل توبة العبد ما لم يُغَرْغِر .
/7/2012 Issue 4262 – Date 28 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4262 التاريخ 28»7»2012
AZP07