الموجودات الهلامية في طبقات أجنحة البركوار

الموجودات الهلامية في طبقات أجنحة البركوار

ّ

رواية تتميز بأهميتها النظرية

اسماعيل ابراهيم عبد

لهذه الرواية أهمية نظرية تتمثل في , كونها شكلا فنياً عملياً لمتجه الميتاسرد لرواية اللارواية , وهو متجه إشكالي شديد الحساسية ..

لقد وضع الروائي عباس عبد جاسم إمثولته في إختبارالإختيارالخاص, التجريبي, المتجاوز لمراحل الرواية التجريبية , والرواية الدرامية , والرواية القصصية , والرواية الميتاسردية , هكذا جاءت ورقته النقدية

المُقَدَّمَة من قبله في ملتقى الرواية الثاني في البصرة , وكذلك ما توغل في توضيحه الدكتور خالد على ياس بدراسته للرواية معتبراً إياها رواية اللارواية ذات الواقع الإفتراضي , أي الذي يفترض قدراً كبيراً من الخيال ضمن الواقع الحقيقي .

الذي بمقدورنا التدرج فيه هو , المؤثثات المكوِّنة للوجود الروائي , التي تهضم تلك الفرائض بنموذج عمومها المخلّق للعناصر المتضافرة , المهيئة لحيز الفضاء الذي يؤطر جميع كائنات القص الروائي . ترى ما هي تلك العناصر في رواية أجنحة البركوار ؟ (1).                                           لأجنحة البركوار طبقات تعمل على تأكيد خفة الطيران ومضاهاة صلادة الأسوار المنيعة , وتمثيل ميوعة ولزوجة ومخاتلة التضليل السياسي , وتعيين طبيعة وحواشي سلوكية أخلاقية , نصية واجتماعية تقاوم وتقوّم البشر والحجر .

1ـ طبقة أجنّة بركوار التقويم

يتناهى ونحن نقرأ البوح السردي للميتاسرد تَرَسِّمُ الخطى , بمتابعة وتسجيل وتقريع وتفتيت قوى البركوار… [ [ .. بعد   أن مضى السيد أدهم الشهواني الى حتفه , وإنهارت أجنحة البركوار , مرت سنوات طويلة, أرّخ فيها كتبة ورواة وشهود عَيان لتفاصيل ما حدث , ولكن لاتزال اسرار البركوار مقفلة …….

 (قال أحمد الطيب , قبل أن يفتح آلة التسجيل :

لقد كتمت عني تفاصيل البركوار لسنوات طويلة , وقد آن الأوان أن تحكي لي  الآن . أيقنت بأن لا عزاء لي سوى أحمد الطيب.. (2).

سنحاول أن نبحث عن مؤثثات المشهد عَبْرَ بعض المماسك , مثل /                    اـ العالم في اللغة  /

طِبقاً لمقولة سيرل في الوجود  ” كل ما يشار إليه لابد من وحوده ” (3.

نجد القول الروائي يتحتمل وجود معاقد حاوية على :

 ( اللغة الإيجازية , العلامات البيانية , الموجودات المنتحلة للواقع , العلاقات المؤلفة للوقائع  ..

اللغة الايجازية /

مفتتح ” بعد ” : يؤدي بالفهم نواحيَ السابق من القول , كأنما ليشير الى جميع الأقوال المدونة قبله ضمن إطار الحكي عن قلاع التحكم والسلطات ذات المنهج الـفـردي .                                   الشهواني : يوجز تأريخ الرغبات المتوحشة في التملك المالي والجنسي , مع , السلطة القامعة .         أجنحة البركوار : هي فحوى جمل فلسفية تؤلف الجزء المهم لقوام المنطق الخاص بفضائح نظام البركوار الدموي كالسجون الرهيبة , وساحات الحرب الطاحنة لأجل الحظوة برضا المتحكم (الفردي الأعلى في البلاد , الميدان المرموز له بالبركوار , فهو ميدان ساحة الحرب الطاحنة !

* تلك إيجازات وصّفتْ الكشف عن مؤثثات وجودية مضمونها اللغة ومفعولها إيجاز الفهم وتوجيهه جهة التضليل الموحي بالمعاكس المعنوي .   العلامات البيانية :

هي علامات لأدوات تبين التوقف والتواصل والتأشير للمعاني الرديفة المباشرة بالقول .. وهي في المنصص المسبق تتضمن /

 ( قوسين على شكل[  , وقوسين على شكل ( 4 , وست فوارز , ونقطتين متعامدتين ” : ” ثم توجد ملحقات من مثل اللون الاسود الغامق للتنصيص الأسفل, وحروف العطف الزائدة , وبعض نقاط القطع والتواصل والإنهاء .

* لهذه المجموعة من الأدوات أهمية خاصة في شد تماسك المشهد , كما تعطي جمالاً زخرفياً مهماً لحلاوة البيان اللغوي , كما أنها بيان لتوضيح الفهم .

 لموجودات المُنْتَحِلَة للواقع :

ومنها /

ـ حتف الشهواني , فهو ليس حتفاً للموت الحقيقي إنما للتغيير الأهوج الذي أخذه ترتيب الوضع الإنساني لسكان البلاد المدعوة بالبركوار .

ـ إنهيار أجنحة البركوار , هي ليست أجنحة إنما (أجنّة من وسائل خراب الضمير المتناسلة , المضمورة تحت طيات أجنحة من ركام الزيف والنفاق والقلق من مخافة زوال الحكم والنِـعَـم.   ـ مجهولية أسرار البركوار/ الأسرار والبركوار , هما منظومة واحدة , إنـتـحـلـت

ـ حد التخريب ـ صفة البناء والإدارة لكن فعلها الواقعي ليس سوى التخريب والتفريط بالقوى الوطنية , الفنية والسياسية , من أجل خدمة قوى أوسع وأقدر وأقذر منها , خارج البلاد .

   * الموجودات الثلاثة مؤثثات أُريد لها التشبه بالواقع , لكن العكس هو الذي غيّر الفهم كونها تنتحل وتبدّل وتخرّب (المعنى الحقيقي لكل ما تقع عليه يدها , بل لعلها الإسم الجديد للجاسوسية القديمة . وهي لن تنهار , إنما تتجدد بأثواب جديدة , فمهمتها لم تنته , إذ ما يزال هناك ما يمكن تخريبه .

العلاقات المؤلفة للوقائع /   توجد واقعتان لمثل هذه العلائق , الاولى تدوينية والثانية تأويلية , ضمن ذات الخط (التداولي = التبادل المعرفي بين مستعملي الكلام ـ تتحكمان بمُنْتَج الوقائع الموجودة حاليا والمتوقعة فيما بعد .

 التدوينية تتمحور حول توجيه الفهم عن طريق تغيير الروي بتلوين الكتابة بلون مخفف في أعلى المشهد ولون غامق في أسفل المشهد , ولذلك دلالتان , الحياة السطحية الواضحة والحياة السفلية الغامضة .                             بينما الشكل التأولي يتخذ البيئة الروائية كلها مضموناً له , ليعلن أنه أنتماء كامل للمدونة بإتجاه غاية واحدة تشترك فيها الظاهرة الثقافية والجمالية .  الجمالية من خلال المتجهات التي مرّت , والثقافية من خلال قراءة المشهد بلغة السرد والإستذكاروالاستنتاج غيرالتقليدي , غيرالإنطباعي الشبيه بلغة الرياضيات.

    ب ـ الوجود واللاوجود في الحيز الروائي /   إن فكرة (الموجود في القصة ينقصها قدر معين من الجاذبية… إذ أنه يمكن التعويل على إمكانية الإشارة الى الكيانات غير الموجودة (5) لنتابع /    [ تبدأ أجنحة البركوار من أروقة متشابهة موصولة بسلالم متغيرة خادعة للحواس,  كأنها ظلال محايثة لظلي , بل تلازمني كظلي أنّى إتجهت , فأتخيل بأني أعبر تماثيل رخامية على هيأة كائنات حية / ذئاب محنطة / أسماك لاصفة لامعة في أحواض زجاجية / سيوف وبنادق متقاطعة / واقيات رصاص ودروع مزرّدة / حراب مسننة وخناجر يمانية معقوفة .. قبعات شمسية وخوذ بلاستيكية  (6) .

   ما الكائنات ( هنا  في المشهد ؟ ما الكائنات التي لاوجود لها في المشهد ؟      لعل أهم الكائنات المؤثثة لوجود المشهد هي / ورقة , سلالم , الحواس المخدوعة , ظلال , ظل ..                       ما الكائنات غير الموجودة في المشهد , والتي يمكن تخيلها , فلها مظهر خادع , يوميء الى خفائين , كما سيبين في الجدول أدناه

الكائنات

المظهر المخادع

الخفاء الاول

الخفاء الثاني

اجنحة

الابنية المجنحة المختصة بأحد الاستعمالات الادارية

المكان المتشعب المهاب مجهول التفرعات

موعزات التباهي بالكثرة والتكتل والغرابة

تماثيل رخامية

نُصُب للفن والزينة

مكونات للوقار والتظاهر بحب المبدعين

موجهات لشكل من اشكال تدجين عظماء النحاتين لخدمة الحاكم الاعلى

كائنات حية

موجودات متحركة

مؤونات للحيوية والقوة

مُخَلِّقات للفعل الخارق الخَرِف

ذئاب محنطة

حيوانات شرسة جامدة

مُظْهِرات القوة البدوية

مُنْقَضّات على المعارضين وقت الحاجة

اسماك لاصفة لامعة

احياء مائية جميلة رقيقة

مُبْهِجات خاصة بلحظات التأمل السلطوي

باعثات على شهوة الأكل والقتل

أحواض زجاجية

منشآت لخزن المياه

اماكن الغطس في السباحة ولسياحة الزائرين الأجانب

مُبْعِثات الغطس والسباحة الخاصة , وبذات الحال هي أماكن تغطيس المنافسين حد الهلاك

سيوف متقاطعة

أسلحة يدوية تراثية

موجودات للتظاهر بالحب لتراث الشعب

مقتنيات بدافع الحنين الى بداوة الرعاة البغاة الغادرين

بنادق متقاطعة

اسلحة نارية تقليدية

معروضات لإستعراض قوة التملك وأدوات للحفاظ على الملكية

ممتلكات لتهويل القدرة على السلب والنهب متى ما يشاء الحاكم الاغلى

واقيات رصاص

أدوات حامية من الإطلاقات النارية

موجودات للتباهي بالصيانة من كل اعتداء

أغطية لإخفاء اعراض الخوف من المواجهات الحامية

دروع مزرّدة

اسلحة تقليدية للهجوم والدفاع

موجودات للإقتحام العنيف

موجودات إخفاء عوامل تفكك القوة العسكرية

حراب مسننة

ملحقات بأسلحة البنادق النارية

ممتلكات الهيبة والاحترام

من مضامير وهن قدرة الجيش الحمائية

خناجر يمانية معقوفة

أدوات ذبح وطعن تراثية

ممتلكات توحي بالحب للأرث العشائري

مسببات الرغبة لإحتضان قوى التخلف الرعوية

قبعات شمسية

أدوات حامية من الشمس المؤذية للرأس

مواد حافظة للرصانة الشكلية

نموذج للسادية والتسيد البوليسية والكاوبوية

خوذ بلاستيكية

أدوات حامية من الشظايا في الحرب

غطاءات إحتياطية لإخفاء رعشات الخوف

 شبائث الحاكم  المترعن بالمنطق العسكري 2ـ طبقة حواشي السلوك الخلقي

هي طبقة من وعي لأنماط السلوك الخلقي المتماهي مع المواقف عموماً والمواقف  الخاصة بأخلاقية النص المروي , سيبين هذا عند التوغل في /

 [ … أشارت إليَّ أن أستلقي على السرير , شعرت بإرتباك وحرج شديد , راودني شعور غريب بأن ما يجري في الغرفة جزء من فحص طبي غير عادي .                     أخذت سولاف … ترفع رأسي من خلف الرقبة بحركة آلية لثلاث مرات , حتى كاد نهداها  يندلقا من وراء حمالة الصدر على صدري , فإندس أنفي بين نعيم الرمان , ورائحة العطب تفوح من جسدي . عندما إنتصب ” الباه ” لحظة الرغبة , خرج البروفيسور من وراء مكتبه , إرتدى قفازين , ثم مسك ” الباه ” براحة يده , وطلب مني أن أقح بقوة لمرتين …

في حين راحت سولاف … تزرر صدريتها من أسفل الفخذين الى أعلى فتحة النهدين (7).                                      [( في ذلك اليوم , راح أحمد الطيب يتملى دليل السيرة في البركوار عبر الواجهة الزجاجية الملاصقة لجدران الغرفة المواجهة لرفوف المكتبة:

… منديل وردي ” مطرز عليه اسم روز ” قلم حبر دوّنت به خطابات غير إعتيادية , شعار لوردة حمراء من النيون , خطاطة إفتراضية لأجنحة البركوار , خطاطة لبناية الريمشن …                                  ألبوم صور : صورة جماعية لتلاميذ الصف السادس الإبتدائي ” يظهر فيها بنيامين واقفا الى جنبي”  (8) .              السلوك المشهدي يحيل الى حواشي نماذج من الفعائل الأخلاقية , لكنها أخلاق النص التي تتوالى بقيمها من الذاتي الى اللوجستي الى الفردي الى الفردي العام , وقليلاً ما تدنو من الأخلاق العامة ” المواقف الإجتماعية الصادمة ” ..

لنتخذ وسيلتنا الاولى /

التصنيف : ويقع في المثولات الآتية:       ـ الأخلاق الذاتية : تدل عليها الفعائل / أشارت إليَّ , إندس أنفي بين نعيم الرمان .

   * نتائج الأفعال هي في كونها أفعالاً تنلظم وراءها مخمَّنات قيمية سلوكية تخص , الطاعة , الروتينية , المراقبة , التنفيذ للأوامر .

ـ الأخلاق الفردية : تدل عليها الفعائل / شعرت بإرتباك , راودني شعورغريب.

* من نتائح هذه الفعائل , التهيب مما ليس متوقعاً , الحس بالخطر .

ـ الأخلاق اللوجستية : تدل عليها الفعائل / كاد نهدا سولاف يندلقان من بين حمالة الصدر , إنتصب ” الباه ” , خرج البرفيسور , مسك ” الباه ” براحة يده .

* تختلط القيم العلمية والعملية مع العواطف الشخصية مع معلومات الإغراء للغرض الطبي , كما توجد فسحة لسلوك إنساني وأخلاقي فطري لايمكن التحكـم به , لكن يمكن مراقبته وتهدئته وتطمينه , من ثم توجيهه لخدمة الهدف المستتر وجوباً .             ـ الاخلاق الفردية العامة : تدل عليها أفعال /  أخذت سولاف ترفع رأسي , رائحة العطب تفوح من جسدي .          * نتائجها , أن يتعلم الفرد الاسلوب القيمي في مثل هذه الأماكن والتي أهمها , أخلائق الحفاظ على الاسرار والمعلوات الدقيقة التي تشمل حتى احرج اجزاء الجسد .                        ** من نتائج الفعائل تلك كلها : تقويم السلوك العام وتهذيبه , وتطوير فكرة الميل الجنسي .                           تلك هي فعائل ونتائج فعائل , المشهد الكتابي ذي الحروف السوداء الفاتحة..

وينقص قولنا أن نؤشر الهدف السردي منها .

الحق أن هدفنا منها ولربما هدف الكاتب من خلالها , وبواسطتنا كقرّاء , تأكيد قدرتها ورتبتها في تمتين النظرية القائلة بسردية ميتا سرد اللارواية ..   إذ هي مفردات في مشاهد جزئية تحيل الى كلٍ روائي بمواصفات خاصة يضع لها منطق اللانوع يؤكده القول الآتي / ” ليس الأداء الحدثي استعادة وإجتراراً لمفردات لحظة حدثية … بل هو التفعيل الخصيب الخلّاق لكل الروافد الإبداعية … وهو في الوقت نفسه توكيد لروائية الرواية لا نفياً لها , أو عبث مجاني بها , يسارع بإيصالها الى التخوم الهائمة لأدب اللانوع ” (9) .                             ومن ثم قدرتها على ملء الحيز الروائي بعناصر تأثيث من داخل النموذج النصي  لا من خارجه .             سنأتي على الفرز المقارب الموصل بين النص الأول والثاني (الكتابة ذات اللون الاسود الفاتح والكتابة ذات اللون الاسود الغامق ..

  العبارة الآتية نراها رابطة مُبَرْمِجَة للحالين (نعيم الرمان ورائحة العطب .  الطمع تؤدي مثوله عبارة نعيم الرمان , والشوق والحنين والعطش تؤدي اليه رائحة العطب , وهما ينسلخان الى سلوك أخلاقي من نوع آخر قد يبتعد عن السلوك الخلقي في المشهد قليلاً ..     التمرين التدويني (الروي السابق يتبارى به مراقب الروي مع الكاتب الافتراضي المهيمن , أبو الطيب , والكاتب الحقيقي المنزوي وراء الراوي المتشظي عبر لوني الكتابة.

مثولات نعيم الرمان (الطمع ويقع في المثولات الآتية /

+ منديل لإسم روز : هو وسيلة حفظ الذكرى , موضوع تسلية , مادة حكائية . مؤثثة للحيز الجملي للمشهد .                  + خطاطة إفتراضية لأجنحة البركوار : وثيقة هندسية , دليل إدانة في المستقبل , مؤثث مُؤَكِّد للحكي في المدونة .

+ خطاطة إفتراضية للريمشن : وثيقة هندسية , دليل إدانة في المستقبل , مكمل عيني للطقوس الوحشية في الجنس , والقتل , والنفاق , والتطاعن بالنواقص لأجل رضا الحاكم الأغلى (! وهي , مكمل حكائي غائر في لب الحكاية القديمة للإضطهاد , والجديدة في الإستبداد .

  مثولات الشوق والحنين والعطش /      * قلم حبر : هو للتسجيل اللحظي والتأريخي للخطابات الرسمية وغير الرسمية , وهو نبض الحرف في متجهات القول الحنون والعدواني , به قد يموت الكثيرون,  شغفاً , تراسلاً , أوامراً , وبه يحيا العاشقون والحالمون والموظفون .

* شعار لوردة حمراء : إعلان عن الجمال والحب والموت بهما أو بدونهما , وهو من معالم التضحية لأجل الأفكار الجادة المقاومة للقبح البشري .

* ألبوم صور : آصرة العودة من نافذة الحاضر نحو الماضي الجميل الطفولي الهامس بالود والإخاء .                     * السادس الإبتدائي : مرحلة الجد الحقيقي والعلم الأولي والتعالق الأخوي المطلق دونما شروط أو مقيدات  وقوف بنيامين : وقفة جلال الإنسانية بين المعتقدات والأثنيات الإنسانية المحلية المتتامة بعضها بالبعض الآخر. *** تلك المفردات كلها حميمية , مأوى للحب والجمال والأحلام المتقاربة في الود والتماسك والاحترام .                   *** تلك تسهم في تمويل طرفي السرد , الشخوص والوقائع المتخيلة , بالميتاسرد وروي اللارواية , لتأكيد جسد الرواية المتوزع بين الأثر والتأثير (محصلة القراءة لا النسج او النسخ الصوري ..     3ـ طبقة أجنّة المخاتلة التضليلية الشفافة    هي من أندر طبقات التركيب الروائي بالقياس الى بقية مؤديات السرد والميتاسرد لإحتوائها على المؤثثات الآتية

أ ـ طبق للمخاتلة السياسية /  للننظر :     [ (روى البغدادي , دليل إبن يعقوب , قال : الرجال الذين دخلوا مع ” الفاتحين ” الى هذه البلاد , إنما هم أخوة لنا , ولم يقل بأنهم ” أدلاء “. الرواية ص24

مورست المخاتلة بعدة مداخل منها /

ـ المراوغة بأساليب متنوعة .

ـ إستخدام  لغة التراث والمعاصرة .

ـ الغمز الى الفاتحين بأقواس مصغرة .

ـ الحصر لكلمة أدلاء والتسويف بكلمات : البغدادي , ابن يعقوب , الرجال , إخوة , البلاد .    ب ـ ميدان التنافس على المقول الخطابي للروي /     لننظر :

 [ سـرت شـائـعـة فـي الـبـركـــوار , سـرعــان مــا تــحـولــت الـــى واقــــعـة فقد نجا الشهواني من مكيدة كادت تطيح به في الطريق أثناء خروجه من البركوار الـى الـمـطـار , كـانـت مـكـيـدة مـحـكـمـة لـدرجـة لا يـمـكـن أن يـنـجـو مـنـهـا , إلّا أنه كان أدهى من أعدائه…….لأنه إعتاد أن يغير مساره في اللحظة الأخيرة , لهذا أرعب أعداءه عندما لم يجدوا أثراً له في الحطام , سوى خادمه القديم شمعون كنّه. ـ رواية أجنحة البركوار , ص59         مورست المنافسة بالمكائد والخديعة والتضحية بالخادم القديم ذي الصفة الدينية المختلفة , كأنما لاتوجد منافسة الّا بطريقة التصفيات الجسدية والانهاء بالموت .

ج ـ النزوع الى ميوعة الشـــكل والمعرفة /

لننظر : [( إنطفأت جمرة السيجارة بين أصابعي , أشعلت سيجارة أخرى , وقد شعرت برغبة قوية في الكلام , متبوعة بموج أزرق من الدخان :           ـ في هذه السيرة , غالبا ما ينكسر عندي الإحساس بالنهاية , لأنني لا أحبذ النهايات المقفلة , لـهـذا تـركـتُ الـمـصـائـر مـفـتـوحـة وليست مجهولة أو غامضة .

ـ رواية أجنحة البركوار , ص113     أُقيم  مبدأ ميوعة الشكل على / انكسار الإحساس بالنهاية , و , ترك النهايات غير مقفلة , وتغير السرد الحيادي من ابو الطيب والبغدادي الى أيوب ـ نائب الرواة , المؤلف الإفتراضي .                             إما الميوعة المعرفية فيتضمنها / التساهل بزج معلومات لأشياء غير متماسكة , كالجمرة , والرغبة , والكلام , والموج , والزرقة , والدخان .

د ـ حقل لتصريف بلاغات السرد /

 [ إستدار الشهواني نحوي , لم أرَ عينيه وهو يحدق في وجهي :

ـ أتعرف يا أيوب شيئا عن ” الأخوانية ” ؟   شعرت بإهتزاز مفاجيء في داخلي , أكان يقصدني أم لا ؟

إختلط الضوء بالعتمة , دهمني شك عميق , كنت أصغي الى وجيف قلبي ,  حاولت أن أتمالك نفسي :   ـ إنهم جماعة ليس وراءها حزب أو حركة , ولها ناد إسمه نادي الإخاء في (…

ـ وكيف عرفتَ ذلك ؟

ـ رواية أجنحة البركوار , ص116

يمكن تصنيف قوى السرد البلاغية الى , الشخوص المتتامة المنتمية الى لحظة زمنية واحدة , وهي متضافرة في أدائها , ثم الوقائع , ومن ثم الجدل الخطابي بطرفيه المُوَجِّه والمستلم .. ثم القضية المشتركة ـ حركة الإخوانية ـ , ثم اللغة قريبة الشبه بالنقل الحقيقي لكنه فني …

جميعها لها مساحة تعبير موَصِّلة لأهداف الكلام بدقة , ذلك مدعاة لتكوّن سرد ناضج مبرر للقناعة بجدواه .        هـ ـ مصفي رواشح الطيران / تهتم الرواية بصغائر تكاد تطير مثل أجنحة

أو أجنّة في طور ما قبل ولادتها في الوجود , نجدها مزروعة بشبه سرية بين مشاهد القضايا الكبرى مثالها المشهدان الآتيان :

 [ روت لي عائشة , قالت : زارتني قوادة خمسينية , تشتغل لدى أزهر الشيخ ,  قالت : لماذا تهولين هذا الأمر ؟ فما حدث لك أهون مما حدث للأخريات , كاللائي تحولن الى خبيرات بفاكهة النساء ….            ورغــم إخـتـفـاء أزهـر الـشـيـخ , لاتـزال عـائـشـة مـأسـورة بـهــذا الـكـابــوس حتى الآن .

 ـ رواية أجنحة البركوار , ص83

 [( روى البغدادي , قال : أن ” الريمشن ” مشفى لكل من أصابه المرض والدنس والخبل , ولم يذكر أنها غيّابة شائعة بين الناس , تتناسل منها طفيليات شبيهة بالفيروسات

ـ رواية أجنحة البركوار , ص83  في النصين أعلاه ترد صغائر من القول لكنها عمود محوري لأفضح ما يمارس ضد الانسانية من ظلم وشناعات ..

* سأُحدد إثنتن من المنصص الاول هما (زيارة القوادة الخمسينية , والكابوس الماثل لحد الآن ..

ترى كم فتاة تم إغتصابها وتحولت الى قوادة خمسينية ؟

ولو تم الإغتصاب بعمر 15 عاما فيصير لها 35 عاما في خدمة تجارة النخاسة الجنسية ..                           وهو ما ساد فترة سادية الحكم الفردي .

إما الكابوس فهو كابوس الإغتصاب الأول ووحشيته , التي ستدوم الى الأزل فقد وصَّفها الروائي (لحد الآن أي بعد جميع التحولات السياسية فسيظل الإغتصاب حالة وضالة محبَّذَة لدى ساديي حكم الظلم والظلام ..

تلكما صغائر بقدر جنح الطير وخفه الطيران لكن كم لها من أثر في تهديم البناء الإنساني والاخلاقي للبشر .           * من المنصص الثاني سأُعين نموذجين من تلك الصغائر القاهرة , هما (الخبل والفايروسات …

الريمشن مشفى للخبل , تُرى كم صيّر الظَلَمَةُ من الناس كمخبولين بحيث يضعونهم في مشافي كالمتاهات , سرية المكان مجهولة التخصص !.

اما الفايرسات , التي هي أمراض ووباءات من شائعات وجرائم , فكم هي       بلفظها , ومساحة البوح بها روائياً , لكن كم هي فتّاكة وغاشمة ومدمرة !

و ـ مهيء خاص بميتا سرد المدونات مع بعضها /

هو من موضوعات الجدل الواسعة , فالميتاسرد طريقة خاصة بالسرد تقاضي وتماهي وتقارب , بين مكونات السرد , بمستوييها الفني والاجتماعي , وهو ليس ملزما تماما إلّا أن هذه المرحلة الفنية جعلته مهماً كأنما هو شرط أساسي لنجاح العمل الروائي , مع أن البعض أدخله على القصة القصيرة أيضاً..

تقديرا على هذا فقد إتسمت مصاغات الميتاسرد بكونها مهيمنة عصرية , إكتسبت

 ( بالنسبة لي  درجة التأثيث للموجودات السردية لحيز الفضاء الروائي ..

لقد فهم الروائي هذه المغايرة ولجأ الى أصعب ما فيها من لعب , فالكثير من كُتّاب الرواية يلعبون على المشاركة والمماحكة والتلاسن والتبادل , بين مواقع السرد , لكل من الشخوص والراوي والمؤلف ..

عباس عبد جاسم وضع اللعبة عند أخطر مفاصلها , المدونة والمؤلف الافتراضي.

   ليس من السهولة أن تضع مدونة ناسخة لمدونة , وإحيانا ناقلة ـ بطريقة التفريغ ـ من مدونة الى مدونة جديدة , لان ذلك يعني أن تؤلف عدة روايات تحت جنح (غلاف وعنوان بمجلد واحد , ثم أن مثل هذا العمل مربك وحظه من النجاح  عسير جدا …

من جانب آخر , وضع عباس عبد جاسم للرائي المؤلف الإفتراضي مكانةَ مناصفةَ , في التدوين , فللرواية متنان , الاول يخص المؤلف الراوي المدون المُعَتَم على إسمه الّا ببعض استثناءات , أشّرنا بعضها في المعروض النقدي السابق .      من جانب آخر فقد وضع للنصف السفلي (العمق البؤري للحكي مراقباً

وراوياً ومدوناً , يتعاونون على إنجاز المقول , ليضمنوا تأثيثاً بيِّناً جدا ,

وهو مشارك في جهد توجيه وإعلان المدونة الخاصة بتأريخ وحكايات ووقائع دولتي (البركوار والريمشن المتداخلتين إستخبارياً !!..

لكن العمل المضني , المعقّد أيما تعقيد , لغة والغازاً , يتمتع بحيوية جمالية مبهجة متأتية من /

1ـ يتحمل أن يصير بارعاً جداً او فاشلاً جداً .

2ـ يقابل نصوصاً إثر نصوص فيزيد الاثنين جمالاً ومِتعة .

3ـ يُبَرِّز الإختزال والإيجاز بما يحقق أرفع مستويات البلاغات السردية .

4ـ يساعد المتتبع على إختبار معلوماته ووسائله في البحث والتقصي ويجبره أن يبحث بدقة وبرمجة كي يفهم جميع جزئيات العمل .

5ـ أجده من اكثر المحفزات لإشتغالي في موضوعة التأويل المتنامي , والذي أراه في إعطاء فرائض معانٍ ودلالات تتصاعد بإختلافاتها كلما تقدم السرد نحو النهاية  بحيث يمكن للمؤول ان يحل بدلاً عن عشرات القرّاء حين يعطي وجهات نظر تأويلية مختلفة وكثيرة للمشهد او العمل الواحد .

الهوامش

(1 جاسم , عباس عبد , رواية أجنحة البركوار , دار الحوار , اللاذقية , سوريا , 2014

(2 جاسم , عباس عبد , رواية أجنحة البركوار , المصدر السابق نفسه , ص7, ص8

(3 جون , ك ـ آدمز , التداولية والسرد , ت.د. خالد سهر ,2009 , ص 9, كتاب مجلة الاقلام , الشؤون الثقافية العامة , بغداد

 4 ) جون , ــ ك ـ آدمز , التداولية والسرد , ت.د. خالد سهر ,2009 , ص 9

(5 جاسم , عباس عبد , رواية أجنحة البركوار , مصدر سابق , ص11

(6 جاسم , عباس عبد , رواية أجنحة البركوار , مصدر سابق , ص20, ص21

(7 جاسم , عباس عبد , رواية أجنحة البركوار , مصدر سابق , ص22

(8 نعيسة , جهاد عطا , في مشكلات السرد الروائي , ص 320 , إتحاد الكتاب العرب , سوريا . 2001