
المنحى الفكري في ذاكرة الزمن
تأثر بالنص الفلسفي
ياسر جاسم قاسم
لقد حوت مجموعة “ذاكرة الزمن” القصصية مجموعة من النصوص التي تناول فيها القاص رمزي مواضيع فكرية كثر تضمنتها هذه النصوص في الجوانب الادبية الفاعلة في مخاضات النص وتجلياته ، بالاضافة الى كثافة المعنى وتركيزه في نصوص قصيرة ممكن ان نطلق عليها “اقصوصة” فلكأني امام مجموعة فاعلة فكرية صيغت صياغة ادبية…
- حيث ناقش القاص التابو والمحرم وهذا جاء من باب “الخطيئة” فكلنا يقترف الخطيئة فقد اورد في قصة “شيء ما” حوار بين الابن وامه حيث تسأله:
– هل اقترفت خطيئة ما؟
– خطايا يا امي.
– ماذا هل سرقت؟
– نعم يا امي.
– وهل زنيت؟
– وهذا ايضا ياأمي
– وماذا بعد ..لعلك جدفت ايضا..
– للأسف ،نعم يا امي,…وبعد هذه الذنوب نجد ثقل الخطيئة تجسد في انه جدف بمعنى خرج عن القطيع وايماناته وكان متمردا فهو يعد سارقا وزانيا ومرتكبا للجرم لانه ثائر متمرد يعارض المألوف فهو يرتكب الخطيئة ولكن يبقى عالمه عالم الرجال هو عالم الخطيئة التي لابد منها ….
وفي قصة “الحنجرة الذهبية” يناقش حرمة الغناء والموسيقى لدى رجال الدين ،فالغناء حرام وهذا ما مارسه اولاد “محمد قنديل المطرب المصري” تجاه والدهم بعد انتمائهم لجماعة الاخوان المسلمين،وفي الاحرى هذا التحريم غير مقتصر على جماعة الاخوان المسلمين بل على كل الجماعات الاسلامية تجاه مفاهيم الحياة وابوابها وتعد الموسيقى احدى اهم لغات الحياة ورجال الدين يعملون على تحريمها
- وفي الجانب السياسي الفكري نراه يبين ويشرح كيف عاقب النظام البعثي الفاشي عناصر كانت تابعة الى الحزب الشيوعي العراقي ، وكيف عمل على اضطهادهم والغائهم وفق دكتاتوريته المعهودة ،ففي قصة “اعتقال” التي اهداها الى الاديب خالد السلطان يتحدث رمزي عن البلاد عندما تتحول الى ملجأ للرعب بدلا من ان تكون مكانا للاحتضان والمحبة ويصبح الانسان فيها تحت مرأى “الخيانة”بسبب التضاد، فهو يتحدث عن “نشأت” الذي كان مسؤولا لمنظمة اتحاد الطلبة في يوغسلافيا وكيف اعتقلته المخابرات العراقية واودعته في سجن ابي غريب ويقرر هنا وبصورة مباشرة ان نشأت “قضى قرابة عشرين عاما في سجون صدام ،في زنزانة مفردة” وهذه صورة واقعية جدا ومباشرة ليس فيها من الخيال نخبر عن حالة نشأت اخبارا واضحا اراد من خلاله القاص ان يوضح الصورة كما هي ويخبر عن نظام فاشل عمل ما عمل مع مخالفيه ويركز على الالغاء الذي مارسه النظام ضد مخالفيه.
ويصور تصويرا سياسيا اخر في قصة”هروب” حيث تحدث عن هروب الكوردي المحكوم بالاعدام في سجن ابي غريب ، وهذه تدلل على تعامل النظام البعثي مع الاقليات التي شاركتنا العيش في هذا الوطن.
- نلاحظ في النصوص ايضا تعاضد اللذة مع الفلسفة فالفلسفة تحتوي النشوة واللذة حيث نلمح هذا الشيء في “الموت العبثي” “كان الفيلسوف ثملا، نشوان، لكن ليس بلذة النص هذه المرة ،بل بلذة الخمرة” فالنشوة واللذة في الفلسفة يقربها رمزي كما في الخمرة .
تسامن وانحطاط
وفي نص فلسفي اخر “تسامن وانحطاط” نقرا الفلسفة التي اعتبرت الانسان هو حيوان ناطق “يقبع تحت جلد كل منا حيوان ، غالبا ما يشبه الانسان الذي يؤويه” وفي كلمات نقرأها نجد الحكمة الفلسفية التالية “طالما كان الانسان يقتات في مدفن الواقع العفن، يغدو حيوانه هذا عفنا مثله حتى يكاد يختزله في ذاته” فالتسامي يكمن في ان الانسان يجد الانسانية في ذاته ودواخله اما اذا اقترف السوء وامتهن الحقارة وجسدها فكرا وسلوكامن واقع عفن كما وصفه القاص فسيغدو الانسان عفنا كواقعه وصبح ضمن مديات الانحطاط .
- ويركز كثيرا في قصصه على ثنائية “الموت،الحياة” فالموت حسب رؤيته هو نص فلسفي لكن هذه المرة يخلو من اللذة ،فاللذة هنا هي الحياة والموت تفتقد فيه اللذة يقول في”الموت العبثي” ان الموت نص هو ايضا، لكنه نص لا ينطوي على لذة” ، وفي نص اخر “الفتى الشاعر” نجد ان الشاعر عصام الذي انتحر كانت النتيجة” لم يعد هنالك للاغاني من يغنيها، ولاللقصائد من يلقيها، ففقدت كؤوس الخمرة نكهتها ، والمائدة فتنتها” فبسبب الموت فقد فضاء الفرح والقصائد والخمرة وكلها لذائذ فالموت يغيب اللذة معه في كل من نصي”الفتى الشاعر”و”الموت العبثي”.
عربة الموتى
وفي قصة عربة الموتى نجد استخدامه للكلمات التالية : ” ظلمة ، مخيفة، المجهول، دامسة، الظلال، طويلة سنوات العمر الصفراء، اشباح ماضية، الابدية، غامضة، شاحبة، موتى، وحيدة، منعزلة ، واهنة ، توقف القطار، العودة، النزول، امواتا، اختفاء” وكل هذه الكلمات المستخدمة تشير الى الموت بصورة مباشرة وتوضح معنى سنوات العمر الماضية والاشباح والتي هي عبارة عن صور من حضروا معنا في الحياة وغادروها قبلنا وتبقى الوحدة والانعزال حيث سنغادر اليها جميعا، وهي كلمات تشعرك بقصر الحياة وزوالها والموت بالنسبة الى القاص رمزي هو العذاب حيث “لا يعرف المرء الى اين يمضي” ونتائجه هي” منطقة خربة، قاحلة، الدخان، محرقة كبرى، متفحمة، متداعية، اسمالا ، الممزق، ازهارا ميتة، الطيور الرمادية” فالمنطقة الخربة هي تداعيات الموت عندما يزور مكانا يحيله خرابا ، والمحرقة نتائجها الموت واسبابها الموت ونتائج الموت تمتزج فيها وتلتقي الاسمال والدخان والازهار الميتة، والتفحم والطيور الرمادية ،فالموت هو عالم بحد ذاته يوازي الحياة بأسرها .
الحياة التي كانت احدى معانيها في نص “الصخرة” فالصخرة هي الحياة بتجلياتها المختلفة فالحياة تتطلب “شحذ الذهن ، جلو الذاكرة، استنفار الحواس” وهي بمعانيها وبحلوها ومرها كالصخرة الثابتة التي لا تتزحزح فهي “الحقيقة الوحيدة الماثلة في حياتك، ويتعذر عليك انكارها” هذه الصخرة الثابتة يجعلها رمزي متحركة ويربطها بمعنى الوجود “فالحياة والوجود” صنوان لا يفترقان فالصخرة هي “الامتلاء الكلي للوجود ، بها تحيا وتتجدد وةمن دونها تشحب وتموت” والتركيز على الوجود مهم جدا لدى القاص رمزي حيث “دون الاحساس بوطأة الوجود” ويرجع مرة اخرى فيذكره فيقول” فان لم تعرف شيئا عن رعشة الوجود” فالوجود هو احساس ووطأة ورعشة ولذة لانه مرتبط بمعاني الحياة وفلسفتها كذلك فان الصخرة يتجلى فيها “الامل والالم” وتكون رؤاها ضمن العزلة واضحة “فما من صعود بلا عناء وليس انسانا ذاك الذي لا يعرف الالم” ثم يقول” فالصعود نحو الاعلى يمنح قلب الانسان بالامل” فالانسان يتجسد فيه الالم كي يكون انسانا والامل كي يسمو نحو الاعالي بانسانيته ويبقى منظر الحياة عميقا ومرتبطا بمعانيها الفلسفية والوجودية .
ومن رؤى الوجود لديه هو ان يعد العدم قرينه الذي لا ينفك عنه ، وهذه الصورة الفلسفية نجدها في نص “الشيخ والصخرة” فالشيخ ينظر باتجاه العدم وكأنه يتأهب للرحيل فالعدم بعد الوجود هو الصيغة التي يتحدث عنها القاص رمزي.
- وفي صورة واقعية تحاكي ما وصلت اليه مجتمعاتنا من غياب للمعنى الانساني نجد في نص”اغتيال” عالم الجريمة التي احاطت بنا من كل الجهات واحالت الحياة الى جحيم “وهنالك عبر الطريق الخارجي، اطلقوا الرصاص عليهما، والقوا بهما الى الكلاب” فما زلنا نعيش هذه الاوضاع المزرية ، وهاهو القاص رمزي يتناغم مع وضع مجتمعه ويضع معالجات عبر قصه مما يؤكد واقعية ادبه والتزامه تجاه قضايا مجتمعه.
- وفي صورة اخرى تبين نهاية مكتبات اغلب الفلاسفة والمثقفين والمفكرين، تنتهي اغلبها لدى الورثة الذين يكونوا في غالبيتهم غير مكترثين لهذه الثروات فيعمدوا لبيعها لغرض الاستفادة وتكون لدى القصابين كما لدى غيرهم فتتحول من كتب قيمةالى اوراق تلف بها السلع . هذه الصورة نجدها في النص القصير “عربة الكتب”
“كنت اجلس في احد المقاهي في السوق ، كعادتي صباح كل يوم بعد ان احلت الى التقاعد ،فيما خرجت عربة ملأى بالكتب ثم وقفت امام دكان القصاب ، الذي قام بافراغ العربة من الكتب وكأنها كومة من الحطب”
- اما مأساة الانسانية من جراء الحروب والقتل يبدع القاص رمزي في تصويرها عبر حوار قصير جدا :
– قال الاول: اشعر بالحزن فقد تركت طفلي الصغير دون حذاء هذا العيد.
– قال الثاني: اما انا فليست بي حاجة الى التفكير بهذا الامر فقد صيرته الحرب بلا قدمين. وكلا الصورتين واقعيتين فيما نعانيه من حروب عبثية طوال هذه السنين ويمزج القاص هذه القساوة مع المعاني المؤلمة التي تنتجها الحرب وتتسبب بها.
علاقة محورية
- وفي صورة علمية يستخدمها القاص مجسدا من خلالها العلاقة المحورية بين العلوم الانسانية والتطبيقية يتحدث عن “الثقوب السوداء” عبر رمزية “ثم ما لبث ان اطفأ سيجارته في قلب اللوحة ، اما احدث ثقبا فيها ولم يكن ذلك الثقب مجرد ثغرة بسيطة لقد كان هوة عميقة مظلمة، ابتلعت كل شيء في مسغل الرسام بما في ذلك الرسام نفسه الذي راى كل شيء بوضوح هذه المرة ولكن بعد فوات الاوان” وهنا تتجلى العلاقة بين العلوم الانسانية والعلوم التطبيقية ،فالثقب الاسود هو الذي يبتلع كل شيء يمر بقربه حسب ما يشير الى ذلك علماء الفلك، فكل كوكب ونجم نهايته ثقب اسود تكون جاذبيته اعلى من جاذبية الارض بملايين المرات ، وهكذا الموت فهو كالثقب الاسود ففي نص “اللوحة الناقصة”يعبر عن الموت بكونه ثقبا اسودا يبتلع ليس اللوحة فحسب بل يبتلع حتى الرسام نفسه كما يبتلع الثقب الاسود اي شيء .
نخلص الى نتيجة مهمة ان القاص رمزي حسن متاثر جدا بالكثير من القضايا الفلسفية التي جسدها من خلال اقصوصاته هذه وكثف المعنى بها وجعلها ضمن عالم فكري قل نظيره فكأنك تسبح في نهر من الفلسفة التي تغمرك بفضيها فمن عالم الموت والحياة الى العدم والوجود ومن الحروب واثرها الانساني المقيت الى تجليات فكرة الصخرة والصعود والنزول ، ويبقى الالم والامل الكلمتان المتقاربتان في احرفهما الا انهما تحتويان المعاني الفلسفية الكبرى التي قامت عليها الانسانية من وجودها حتى اليوم ، ويربط ربطا رائعا بين العلوم الانسانية والتطبيقية عبر اشاراته الى الثقب الاسود وتوريته بثقب في لوحة فنان ، لقد مارس رمزي حن الحس الفلسفي في نصوصه هذه وجعلها اقرب الى الفكر عبر خيال ادبي خصب .
























