المغرب وحضنه العربي ـ إدريس جنداري
إن أي متابع لما تعيشه السياسة الخارجية للمغرب من تحولات، خلال الأيام الأخيرة، ليعي أن مياها كثيرة جرت تحت الجسر، فشتان بين النهج الذي رسمه صناع القرار السياسي الخارجي عند تولي الملك محمد السادس الحكم، وبين النهج الذي وصل إليه هؤلاء بعد طول مراس، حيث تأكدوا بالدليل القاطع أنه لا يصح إلا الصحيح، أي إن الوضع الطبيعي للمغرب لن يكون إلا في حضنه العربي، الذي يرتبط به بأواصر حضارية عميقة امتدت لقرون، ولا يمكنها أن تهتز على وقع فرقعات إيديولوجية أحدثها الاستعمار الفرنسي، وبقي صداها يتردد من خلال الأبواق التي هيأها للإنابة عنه بعد فشل جميع مخططاته وانسحابه الاضطراري.
ولذلك، فإنه كثيرا ما تردد، في أوساط النخبة المغربية الفرانكفونية، أن للمغرب خصوصيته الحضارية، التي تربطه أكثر بالامتداد الأورو متوسطي الغربي»الفرنسي أما علاقته بالمشرق العربي فلا تعدو أن تكون حادثة سير عادية، سيشفى من كدماتها مع مرور الوقت و لا يتحمل هؤلاء عناء البحث لتأكيد رأيهم، لان ما راكمه الفكر الاستشراقي، في قراءته الانتقائية لحضارة الشرق عامة وللحضارة العربية على وجه الخصوص، يكفي وزيادة. وهكذا ينتشي الكائن النخبوي»الفرانكفوني باكتشافه الباهر، ويهرول في اتجاه الغرب»فرنسا يستهلك كل ما يصادف في طريقه من دون تمييز.
لقد عاش المغاربة، أكثر من عقد، على استهلاك هذه الأوهام، ونظرا لتكرارها فقد تم فرضها كحقائق ساطعة لا تقبل أي جدل، ومن ينتقدها يتهم بالتطرف الديني أو، على الأقل، بالانتماء القومي العربي، ولذلك كانت خاصية ما سمي بالعهد الجديد في المغرب، هي التوجه الكلي نحو فرنسا التي تم تسويقها، سياسيا واقتصاديا وثقافيا، باعتبارها المهدي المنتظر، الذي سينقذ المغرب من جميع أزماته.
وضمن هذا التوجه يمكن أن نفهم جيدا، اليوم، كيف تم إغراق المشهد السياسي المغربي في مستنقع التكنوقراط الذين تم تفريخهم في مدرسة القناطر والطرق الفرنسية، على عهد الراحل عبد العزيز مزيان بلفقيه، الذي يعتبر مهندس العهد الجديد في المغرب، بتوجهاته التكنوقراطية»الفرانكفونية، وقد كان لهذا التوجه أثرا كارثيا على المشهد السياسي في المغرب، لأنه أفشل مسلسلا ديمقراطيا دشنته حكومة التناوب التوافقي برئاسة الأستاذ والمناضل عبد الرحمان اليوسفي، وكان من المرتقب أن يؤسس لعهد سياسي جديد تتحكم فيه المنهجية الديمقراطية.
لقد كان تعيين السيد إدريس جطو كرئيس للوزراء، بمثابة الإعلان عن نضج المشروع السياسي التكنوقراطي، الذي سيقود مرحلة كاملة، تحكم في تسييرها مهندسو القناطر والطرق، الذين كانوا يتقلدون جميع المناصب ويقومون بجميع المهمات من دون استثناء، باعتبارهم قادة المرحلة وحكماؤها لكن الحصيلة، منذ 2002 وإلى حدود انتخابات 2007، كانت كارثية بجميع المقاييس، حيث تم الإجهاز على كل ما يرتبط بالسياسة، لأن المغرب عاش طوال خمس سنوات كاملة باعتباره مقاولة تجارية تتحكم في تسييرها الأرقام الجافة، أكثر مما تتحكم المرجعيات السياسية والمبادئ الفكرية.
تازة قبل غزة.. فشل شعار فشل مشروع
خلال هذه المرحلة، بالذات، تم الترويج لشعار تكنوقراطي لا يخلو من فجاجة، وذلك بهدف تكريس مفهوم ضيق ومختزل للسياسة، يقول الشعار، أن تازة قبل غزة ، والمقصود منه تحقيق هدفين أساسيين
ــ الهدف الأول، إفراغ السياسة من روحها وتحويلها إلى جسد منخور، عبر تقزيمها إلى عمل إداري بسيط، لا يتجاوز إطار الجماعات والسلطات المحلية، وبذلك كان التوجه واضحا لإقصاء المواطن من أية مشاركة فاعلة في صناعة القرار السياسي والاقتصادي، ومن خلاله محاولة ٌإقصاء أي فعل حزبي جاد، وهذا ما كان يمهد لبلورة نموذج في الحكم المتسلط، الذي تم تسويقه باعتباره مفتاح التنمية الناجحة نموذج تونس بن علي ومصر مبارك .
ــ الهدف الثاني، محاولة سحب المغرب من حضنه العربي غزة عبر الترويج لإيديولوجية متهافتة تقول، أن انخراط المغرب في العمل العربي المشترك يؤثر على نموذج التنمية المحلي، لأن آي انخراط له ضريبته الخاصة، على مستوى السياسة الداخلية، ولذلك يجب على المغرب أن يركز على صناعة نموذجه التنموي الوطني بدل الانشغال بقضايا قومية لا تهمه في شيء
بعد مرور عقد كامل على ترويج هذه الإيديولوجية المتهافتة، يمكن لأي باحث»خبير»متابع، أن يلمس تواضع»انحطاط النموذج التكنوقراطي»الفرانكفوني، الذي خطط له مهندسو القناطر والطرقات في المغرب، بل أكثر من ذلك، كان هؤلاء يغامرون بمستقبل المغرب، حينما فتحو أبوابه على المجهول، وكأني بهؤلاء قد تعاملوا مع الدولة بكاملها باعتبارها مجسما هندسيا جامدا، لا يخضع لحركية التاريخ وإرادة الأفراد والجماعات. وفي علاقة بالهدفين، اللذين تم التخطيط لتحقيقهما، يمكن أن ندرك درجة الخطر الداهم، الذي كان يؤذن بقدوم تسو نامي مدمر سيأتي على الأخضر واليابس.
ــ على مستوى الهدف الأول، حقق مهندسو القناطر والطرقات هدفهم المرسوم في قتل مفهوم السياسة، وهذا ما عبرت عنه انتخابات 2007 التي كانت بمثابة الكارثة الوطنية، حيث تحقق تراجع كبير في الاهتمام الشعبي بالممارسة السياسية، وهذا ما انعكس على نسبة التصويت التي حققت تدنيا تاريخيا. ورغم خطورة الوضع، فإن هذا لم يكن سوى الشجرة التي تخفي الغابة، لأن اخطر ما تحقق هو تراجع الأحزاب التاريخية التي كانت تساهم في التأطير السياسي للمواطنين والمساهمة في نشر الثقافة الديمقراطية. وفي المقابل تم فتح المجال لتأسيس حزب الدولة، الذي يحمل مشروعا يقوم على أساس النضال من أجل بناء مشروع تسلطي على شاكلة تونس بن علي ومصر مبارك، ولولا سرعة رياح الربيع العربي لكان المغرب، اليوم، يعيش تجربة تسلطية بلا منافس، وهذا إن حقق بعض المكاسب التافهة بالمعنى الهندسي»المخزني، على المدى القريب، فإنه كان، في جوهره، يهدد ليس النظام السياسي فحسب، ولكن الدولة بكاملها.
ــ على مستوى الهدف الثاني، نجح مهندسو القناطر والطرقات، في عزل المغرب عن محيطه العربي والإسلامي طوال عقد كامل، وفي المقابل تم تحويل المغرب إلى سوق استهلاكية كبرى للبضائع الفرنسية، وإلى منجم كبير لتصدير المواد الأولية والأيدي العاملة الرخيصة. وبموازاة هذه الحركية الاقتصادية، تم رهن مستقبل المغرب، استراتيجيا، بالقرار السياسي والثقافي الفرنسي. وذلك يبدو واضحا من خلال قضيتين محوريتين، تربط أولاهما بقضية الصحراء، التي تم ربطها بأهواء صانع القرار الفرنسي، يتلاعب بها كيفما يشاء، في علاقة بمصالحه الاقتصادية والسياسية، وبالتالي أصبح المغرب رهينة لدى فرنسا، تقايض دعمها لقضيتنا الوطنية الأولى في المحافل الدولية بالمحافظة على مصالحها الإستراتيجية في المغرب. أما بخصوص القضية الثانية، فيتعلق الأمر بتحول المغرب إلى الساحة الخلفية لفرنسا على المستوى الثقافي، ونحن نذكر هنا بالحضور اللافت للمغرب في منظمة الفرانكفونية، حيث كان الوفد المغربي، في دفاعه على التوجه الفرانكفوني في العالم، ملكيا أكثر من الملك نفسه وهذا إن دل على شيء فإنما يؤكد التبعية الثقافية التي عاشها المغرب، وبشكل خطير جدا، للنموذج الفرانكفوني مع ما رافق ذلك من تهميش للبعد الحضاري العربي، الذي شكل تاريخ المغرب لقرون عديدة.
عودة الوعي.. المغرب يعود إلى حضنه العربي
لم يستفق صناع القرار السياسي الداخلي والخارجي ، في المغرب، من غفوتهم إلا والطبول تدق من جهتي الشرق والغرب، من الشرق كانت رياح الربيع العربي تهب حاملة معها صورة جديدة للحضارة العربية»الإسلامية باعتبارها حضارة فتية وقابلة للتجدد، على خلاف ما سوقه الفكر الاستشراقي المتهافت، ومن الغرب كانت عاصفة الأزمة الاقتصادية الخانقة تهب وتهشم تلك الصورة الوهمية، الذي سوقها الغرب عن نفسه، باعتباره نموذجا تنمويا وديمقراطيا لا يقهر. كان المشهد بمثابة إنذار استباقي يوحي بأن أشياء كثيرة في طريق التغيير، وأن تاريخا جديدا يكتب في المغرب، قوامه المصالحة مع الذات والقطع مع مرحلة كاملة من الاستلاب الفكري والسياسي.
قد يعتبر بعض أن هناك مبالغة وتضخيما لما يجري من أحداث، لان الأمر لا يتجاوز الرغبة في الاستفادة من الطفرة النفطية التي تعرفها منطقة الخليج، بهدف التخفيف من حدة الأزمة التي تضرب المغرب في علاقة بالاتحاد الأوربي كشريك أول. لكن ليسمح لنا خبراء الاقتصاد لنؤكد لهم أن الأمر أكبر من ذلك بكثير، فالمسألة لا تقتصر على الانفتاح الاقتصادي، رغم حضوره القوي، بل تتجاوز ذلك إلى عودة وعي شامل أثر، في الأخير، على القرارات السياسية والاقتصادية، وقوام هذا الوعي المتأخر أن المغرب لا يمكن أن يحقق رهان التنمية والديمقراطية خارج حضنه العربي»الإسلامي، لأن المسألة السياسية والاقتصادية لا تنفك عن البعد الحضاري، وجميع الشعوب التي استثمرت خصوصيتها الحضارية، استطاعت أن تنخرط في حركية العصر بنجاح، وليس بمنأى عنا النموذج الأسيوي، الذي نجح في بناء خياره التنموي»الديمقراطي من خلال استثمار امتداده الحضاري.
لكن، الدرس الذي نزعم أنه اثر في التجربة المغربية، قدمته التجربة التنموية»الديمقراطية التركية، التي برهنت بالدليل النظري والعملي، على قوة النموذج الحضاري الإسلامي، الذي يمتلك خصوصيته، التي تعتبر مفتاح النجاح إذا تم توظيفها بشكل جيد. إن النموذج التركي يؤكد أن التنمية»الديمقراطية لا تستورد مثل البضائع ولا يتم فرضها على الشعوب بقوة السلاح، ولكنها ثمرة مجهود حضاري يمثله رموز الفكر والسياسة، الذين يؤمنون بأن الحل الأنجع لمشكلاتنا يوجد هنا والآن وليس هناك حيث تفصل بيننا مسافات الزمان والمكان.
لقد صنعت تركيا معجزتها التنموية»الديمقراطية من منظور التصالح مع الذات، وذلك بعد أن جرب الأتراك، لعقود، تجربة الخصام مع الذات، والآن لا يشعر الأتراك بان هناك تناقضا بين خصوصيتهم الحضارية وبين مسايرة إيقاع العولمة بل، على العكس من ذلك، أصبحوا على يقين تام، بأنه لا يمكن تحقيق النجاح في الانخراط ضمن حركية العصر من خارج ذواتهم وبمنهجية ووسائل غيرهم، كل هذا ساهم في حقن جرعات كبيرة من الثقة في نفوس الأتراك، باعتبارها الوقود الشعوري الذي يحرك الأفراد والجماعات لتحقيق الإنجازات السياسية والاقتصادية، وحقا نجحت الخطة ونضجت ثمار التنمية والديمقراطية، التي تجنب الشعب»الدولة التركية، اليوم، من السقوط في شراك الأزمة البنيوية الشاملة التي أصبحت تهدد بتدمير كل الامتداد الأوربي من الشرق إلى الغرب.
عمليا، نزعم أن المغرب، اليوم، قد بدأ في تدشين مرحلة جديدة في تاريخه المعاصر، وذلك بعد عقود من الاستلاب الحضاري، الذي تم تكريسه اقتصاديا وسياسيا وثقافيا، بادعاء ربط المغرب بحركية العصر، وقد ساهم في ذلك مفكرون وسياسيون واقتصاديون، خاصيتهم المشتركة أنهم حولوا النموذج الاستعماري الفرنسي إلى براديغم يتحكم في التنظير والممارسة، مع ما رافق ذلك من تهميش للنموذج المغربي الأصيل بقيمه الحضارية العربية»الإسلامية التي مكنت المغاربة يوما من الارتقاء في سلم الحضارة والعلم وبناء إمبراطوريات ما زال التاريخ يشهد لعظمتها إلى اليوم.
عود على بدء
إن التزامن بين الثورة السياسية العربية والأزمة الاقتصادية الغربية، بما يعنيه ذلك من أفول لأصنام صنعت مرحلة تاريخية كاملة، هذا التزامن هو الذي يسمح لنا اليوم بتهديم المعابد القديمة التي يحرسها كهنة أرتد وكس، ونحن على يقين تام أننا لن نوصم بتهمة الأصولية الإسلامية أو القومية العربية مع ما يجاريها من معاداة الحداثة والتنوير، وذلك لأننا نعيش مرحلة انكشاف الأوهام، ولا بديل أمامنا سوى أن نعود إلى ذواتنا لنصنع تجاربنا، في حوار مستمر مع جميع تجارب الأمم والشعوب الأخرى من دون نسخ ولصق.
إن المغرب، اليوم، وهو يؤسس لعودة الوعي عبر خروجه من حالة الوهم والتيه التي عاشها، لعقود، يؤكد مرة أخرى أن للمغاربة حاسة سادسة تجعلهم يلتقطون الإشارات، ولهذا نعتبر عودة المغرب إلى حضنه العربي خيارا استراتيجيا سيكون له ما بعده، سواء تعلق الأمر بمسألة التنمية أو الديمقراطية، لأننا لا يمكن أن ننجح في تحقيق هذا الرهان من دون النجاح في تكريس خصوصيتنا الحضارية، التي تعتبر المدخل الرئيسي لتحقيق توازننا النفسي والاجتماعي والفكري، وهذا التوازن ضروري لمواجهة التحديات بمختلف أشكالها، ونحن نزعم أن غياب هذا التوازن هو الذي عرقل كل مشاريعنا وحكم عليها بالفشل.
AZP07
























